تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ ﴿١٨﴾
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٩﴾
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٠﴾
أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم ٣٥، ٣٦]، هذا من السَّفَه، ومن الخطأ في الحكم أن يُجْعَل المسلم كالمجرم، أو الفاسق كالمؤمن، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن خير من الفاسق ولو كان الفاسق أعظم جاهًا في الدنيا عند الخلق، منين نأخذه؟ من العموم، ﴿أَفَمَنْ﴾، (مَن) هذه اسم استفهام، وأسماء الاستفهام من صِيَغ العموم، لا يمكن لأي فاسق أن يكون كالمؤمن، ولو عظمت به الدنيا، ولو نال من الدنيا ما ينال فإنه ليس كالمؤمن ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾ [السجدة ١٩، ٢٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن المؤمن لا يساوي الكافر، لا في عمله ولا في الجزاء؛ أما العمل فظاهر، هذا مؤمن وهذا فاسق، وأما الجزاء فبَيَّنَ الله الفرق، الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات المأوى، وأولئك مأواهم النار، وفرق بين هذا وهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا يَتِمّ إلا بالعمل الصالح؛ لقوله ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فلا يكفي مجرد العقيدة، بل لا بد من عمل صالح.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، لكن هل هي موجودة، أو توجَد يوم القيامة؟ موجودة؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وهي فعل ماضٍ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: طِيبُ منازل الجنة ومقرّها؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، يعني الجنات التي لا يتمنى الإنسان إلا أن يأوي إليها المأوى، كل أحد يتمنى هذا المأوى لكن لا يناله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة يُكْرَمُون بما يُنَعَّمُون به كما يُكْرَم الضيف بضيافته؛ لقوله: ﴿نُزُلًا﴾، وتعلمون ما يجده الضيف من السرور في نفسه إذا أُكْرِم بالضيافة، بخلاف الذي يقدَّم له الطعام عاديًّا، اللي يُقَدَّم له الطعام عاديًّا يرى أنه شيء معتاد ما له أهمية، لكن الذي يقدَّم له كضيافة وكأنه رجل مُكَرَّم ومحترم يجد في نفسه مع ما.. تلذذه بالطعام، التلذذ الجسدي، يجد تلذذًا وراحة نفسية وإكرامًا، ولهذا سماه الله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الفسق نوعان: فسق أكبر، وهو الكفر، وفسق دون ذلك وهو المعاصي.
* ومن فوائدها: أن الكفار مأواهم النار؛ لقوله: ﴿أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾.
وهناك فسق آخر ليس مُخْرِجًا عن الملة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١١]، هنا قال ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾، ولم يقل: فلهم النار مأوى، أو فلهم نار المأوى، الفرق لأن النار كل أحد لا يحب أن تكون مأواه، بخلاف الأول، الجنة كلٌّ يحب أن تكون هي المأوى، وأما هذا فلا، وإن كان هذا الفرق قد يختلف في بعض الآيات، مثل: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٣٧ - ٤١]، لكن لكل مقام مقال، هنا المقام مقام معادلة وموازنة، ولهذا فرَّق بينهما، قال: ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، وهنا قال: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾، أما هناك فليس هناك معادلة، يعني ما ذُكِرَ أن قومًا يَدَّعُون لأنفسهم أنهم أهل الحق فأنكر الله ذلك.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾، وهي موجودة الآن ولَّا توجد يوم القيامة؟ موجودة، الدليل: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: شدة عذاب أهل النار؛ لكونهم يُمَنَّوْن بالخروج ويُرْفَعُون، يرتفع بهم اللهب، حتى إذا ظنوا أنهم يخرجون أُعِيدُوا فيها؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج ٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أهل النار يُجْمَع لهم بين العذاب الجسمي والعذاب القلبي بالتوبيخ، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة ٢٠].
ثم قال الله تعالى: ﴿