تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ ﴿٣٤﴾
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة، أولًا: أن علم الساعة من خصائص علم الله وحده؛ لقوله: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، وهذا يفيد الحصر.
* ويستفاد منها: بيان فضل الله عز وجل بإنزال الغيث، كقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، والمنزِّل للشيء هو العالِم به، فيستفاد منه اختصاص الله تعالى بعلمِ نزولِ الغيث.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عِلْمَ ما في الأرحام إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ﴾ (...).
فهذا هو الصحيح، نحن إذا نظرنا إلى ظاهر السياق: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ لا ينفي أن غيره يعلم؛ لأن كون الله يعلم (...)، لكن تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام بأن هذه مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله يدل على أنه لا يعلم ما في الأرحام إلا الله.
فإن قال قائل: لماذا لم تكن: ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله، بهذه الصيغة؟
فالجواب -والله أعلم- أنه لما كان علم الأجنة قد يتمكن منه في بعض الأحوال قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾.
* ومن فوائد الآيات: أن الإنسان لا يعلم الغيب في المستقبل، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، فإذا كان الإنسان ما يدري ماذا يكسب هو بنفسه فما يُقَدَّر عليه من الله فجَهْلُه به من باب أولى، وما يكسبه غيره فجَهْلُه فيه من باب أولى، وعلى هذا فلو ادعى مُدَّعٍ بأن الله تعالى سيقدِّر على هذا الرجل كذا وكذا فإننا نجزم أنه كاذب؛ لأنه لا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولما قالت إحدى النساء بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام: «وفينا نبي يعلم ما في غدٍ»، نهاها الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: «قُولِى بِبَعْضِ مَا تَقُولِينَ»[[أخرج البخاري (٤٠٠١) بسنده عن الرُّبَيِّع بنت معوِّذ، قالت: دخل عليّ النبي ﷺ غداة بُنِيَ عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف يندبن مَن قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غدٍ. فقال النبي ﷺ: «لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين». ]]، وهذا لا يجوز للرسول ولا لغيره أن يُدَّعَى أنه يعلم ما في غدٍ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يدري بأي أرض يموت؛ لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الموت إنما يكون في الأرض، أو ما يمكن؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
* طالب: لا بد أن يكون في الأرض.
* الشيخ: لا بد أن يكون في الأرض؟
* الطالب: قد يموت لكن الْمَقَرّ (...).
* الشيخ: اللي في السيارة.. ذكرنا في التفسير أن اللي في السيارة في الأرض، لكن هل يقال: إن ما يمكن أحد يموت فوق الجاذبية؟
* طالب: (...) في الفضاء.
* الشيخ: في الفضاء؟ فيه احتمال، لكن ما هو بظاهر؛ لأن قوله: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ قد يكون هذا مبنيًّا على الغالب، مع أن لدينا آية في القرآن يقول الله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف ٢٥]، فتقديم المعمول اللي هو الظرف ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ يدل على الحصر، وهذا هو الأصل، فإن تَبَيَّن فيما بعد أن يموت أحدهم في الفضاء ولا يرجع إلى الأرض -مثلًا- فإنه يكون هذا بناء على الأغلب الكثير، ونحن إلى الآن ما سمعنا أن أحدًا مات في الفضاء، ما سمعنا أحدًا مات فوق الجاذبية، بل حتى لو مات فالظاهر أنه لا بد أن يرد.
* طالب: الروح (...).
* الشيخ: لا، ما هو بمقصور على الروح، نفس الجسم، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يعلم أحد متى يموت، من أين تؤخذ؟ من أن جهلنا بمكان موتنا يستلزم جهلنا بزمان موتنا، بل جهلنا بالزمان أولى.
* ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما العليم والخبير وما تضمناه من صفتي العلم والخبرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن ادَّعَى علم شيء مما اختص الله بعلمه فهو كافر؛ لأنه مُكَذِّب لله تعالى، والتكذيب لله كفر.