×

لقمان

الآيات ٣٢–٣٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴿٣٢﴾

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴿٣٣﴾

وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى آخره [لقمان: ٣٢]، في هذا دليل* يستفاد من الآية: أن إرسال الأمواج من الله عز وجل امتحان للعباد، من قوله: ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ﴾ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾، فيمتحنهم هل هم لا يعرفون الله إلا في الشدة، أو في الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية: إثبات رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾، الرسول عليه الصلاة والسلام ما ركب البحر حتى يعرف هذه الأمواج وأنها كالظُّلَل، ولكنه عليه الصلاة والسلام عَلِمَ بها مِن خَبَرِ الله، ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾، ولهذا قال بعض العلماء: إن كون هذه الآية تفيد كأن الرسول ﷺ في وصف البحر وهذا الموج يغشى يدل على أنه رسول الله حقًّا؛ لأنه ما كان ركب البحر، ولا يقال: إنه ربما أُخْبِرَ بذلك لأن الله أبطل هذا بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل ١٠٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المشركين إذا وقعوا في الشدة عرفوا الله. * فيتفرع على ذلك: أن معرفة الله في مثل هذه الحال لا تجزئ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ».[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٦٤٣٧) بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد (٢٨٠٣) بلفظ: «تعرَّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة» من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشركين مُقِرُّون بالربوبية؛ لقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾، ولا يدعونه إلا وهم يعلمون أنه قادر على إنقاذهم، وإلا ما يمكن أن يَدْعُوا مَن لا يعتقدون أنه قادر. * ومن فوائدها: أن المشركين فيما سبق أحسن حالًا من المشركين الآن؛ لأن المشركين الآن إذا أصابتهم الشدة مَن يدعون؟ يدعون آلهتهم دون الله، يدعون الولي الفلاني، والصحابي الفلاني، وما أشبه ذلك، أما المشركون السابقون فإنما يدعون الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يجيب دعاءهم مع علمه بأنهم سيَكْفُرُون، أو لا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: لقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾، وهو يعلم ذلك سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: إجابة دعوة المضطر ولو كان كافرًا، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأن هؤلاء أجاب الله دعوتهم مع علمه بأنهم كفار وسيكفرون، ويؤيد هذا عمومُ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل ٦٢]، ولم يقل: المؤمن، بل قال: المضطر، عامّ وكذلك أيضًا المظلوم تُسْتَجَاب دعوته ولو كان كافرًا؛ لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٦٤٣٧) بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد (٢٨٠٣) بلفظ: «تعرَّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة» من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن نجا من نقمة من النقم فإنه إما أن يقوم بما يجب عليه فيكون مقتصدًا، أو يرجع إلى كفره فيكون غدَّارًا خدَّاعًا؛ لأنه لَمَّا دعا الله مخلصًا له الدين في حال الشدة كان مقتضى ذلك أن يكون بينه وبين الله عهد بأن يبقى على إطلاقه، فإذا كفر صار غدَّارًا خَتَّارًا. * طالب: شيخ، ما يستفاد منها أن بعد ما المشرك يرى العذاب لو يرجع رجع (...)؟ * الشيخ: لكن هذه ذُكِرَت في سورة الأنعام ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]. * الطالب: ما دام إنه دعا الله وأخلص فإن (...). * الشيخ: يدل على أن الكافر كافر في حال الشدة يُخْلِص وفي حال الرخاء يكفر، والعياذ بالله. * وفي هذه الآية الكريمة من فوائدها: قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات علمه. * ومن فوائدها: إثبات سمعه، السمع والعلم والقدرة، تؤخذ منين؟ من قوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾؛ لأنه لا ينجيهم إذا دَعَوْا إلا بعد أن يسمع دعاءهم ويعلم بحالهم، ويش بعد؟ ويقدر على إزالة ضررهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن كان وَفِيَّ العهد فإنه لا يجحد بآيات الله؛ لقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. * ومن فوائدها: التحذير من الغدر، فإنه قد يكون سببًا لماذا؟ للكفر والجحد، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ»، » وذكر منها: «إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ»[[هذا حديث مركب من حديثين؛ فقوله ﷺ: «إذا عاهد غدر» فهو جزء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعًا: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا...»، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨ / ١٠٦).أما حديث «آية المنافق ثلاث» فليس فيه ذِكْر الغدر، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فإذا كان لا يجحد بالآيات إلا الغَدَّار فمعنى ذلك أن الغدر يكون سببًا للجحد والكفر. ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: وجوب تقوى الله، الدليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، الأمر، ولا سيما أنه قُرِنَ بالتحذير من اليوم الآخر في قوله: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾. * ومن فوائدها: إثبات اليوم الآخر لقوله: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾، فلولا تحقُّقُه ما حُذِّر منه. * ومنها: أن هذا اليوم لا ينفع فيه قريبٌ قريبَه، أو لا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: طيب لو قال قائل: الله لم يذكر إلا الوالد والولد؟ فنقول: إذا انتفى انتفاع الوالد بولده، والولد بوالده، فغيرهم من باب أولى؛ لأن الولد بَضْعَة من أبيه، فإذا كان البَضْعَة لا ينتفع بكله، والكل لا ينتفع ببضعته فمن باب أولى من (...). * ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد هذا اليوم ووقوعه؛ لقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. * ومن فوائدها: التحذير من الدنيا وغدرها وغرورها؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. * ومنها: أن الدنيا من أكبر الأسباب التي تَحُول بين المرء وبين خشيته لليوم الآخر؛ لأنه فَرَّع عليها قوله: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾، ثم قال: ﴿فَلَا﴾؛ ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾، وهو كذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الشيطان؛ لقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيطان خَدَّاع؛ لقوله: ﴿الْغَرُورُ﴾، فهي إما صيغة مبالغة، وإما صفة مشبهة، وكلاهما يدل على الثبوت والكثرة. * طالب: (...) الشيطان، ما فيه غَرور غير الشيطان؟ * الشيخ: لا، هو فَسَّرَها بذلك، ويحتمل أنها تشمل حتى شياطين الإنس، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢]. * طالب: (...). * الشيخ: إذا غَرَّه عن الحق فهو من شياطين الإنس، ولكن ظاهر الآية الغَرُور أن هذا وصفٌ لازم، ويحتمل أن يكون هذا من الشيطان. ثم قال تعالى: ﴿