تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢٥﴾
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩] ليقولن: خلقهن، فذكر الله تعالى الفعل، إذن فهنا المحذوف أيش؟
* طالب: فعل.
* الشيخ: الفعل؟ نعم، هل يصح أن نقول: إن المحذوف اسمًا؛ التقدير هو الله؟ يصح، لكن خلاف الأولى؛ لأن السؤال معارض للجواب، والسؤال بلفظ الفعل (مَنْ خلق)؟ فيقتضي أن يكون الجواب كالسؤال بالفعل (خلقهن كذا).
قال الله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان ٢٥] (قل) يعني: إذا أقروا واعترفوا ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ﴿الْحَمْدُ﴾ مبتدأ و﴿لِلَّهِ﴾ خبره، الحمد لله على أيش؟ على ظهور بيان الحجة وظهور المحجة، الآن هم اعترفوا بماذا؟ بأنهم على ضلال في شركهم.
فـ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هنا على بيان الحجة وإظهارها وأنهم خُصِموا بذلك؛ لأنهم إذا أقروا واعترفوا أن خالق السماوات والأرض هو الله وأن هذه الأصنام لا تخلق فقد أقروا على أنفسهم بماذا؟ بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؛ ولهذا ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، كما أن الحمد أيضًا هنا ممكن، ممكن أن نقول مع ذلك: الحمد لله على خلق السماوات والأرض، أنه يُحْمَد على أنه الخالق عز وجل دون غيره، فيُحْمَد على ما له من صفات الكمال ومن جميل الأفعال.
يقول: (﴿﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ﴾ على ظهور الحجة عليهم).
﴿الْحَمْدُ﴾ تقدم هنا مرارًا وتكرارًا بأنه هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ اللام للاستحقاق والاختصاص، الاستحقاق؛ لأنه هو المستحق للحمد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ»[[أخرجه مسلم (٤٧٧ / ٢٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
ثانيًا: للاختصاص؛ لأن الذي يستحق الحمد المطلق من هو؟ هو الله عز وجل.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (بل) هنا للإضراب الانتقالي وليست للإضراب الإبطالي؛ فهو انتقال مما سبق للتسجيل عليهم بالجهل التام؛ ولهذا قال: (﴿﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴾ وجوبه عليهم) يعني التوحيد، وإنما نفى العلم عنهم لماذا؟ لانتفاء فائدته، والشيء قد يُنْفَى لانتفاء فائدته؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ يسمعون بآذانهم ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١] نفى السمع عنهم؛ لانتفاء فائدته بالنسبة إليهم.
فقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ نفى العلم عنهم -وإن كانوا هم مقرون بأن الله هو الخالق لكنهم لم ينتفعوا بهذا العلم، وأيهما أشد قبحًا؛ جاهل لا يدري، وعالم لم ينتفع؟
* طلبة: الأخير.
* الشيخ: الأخير أشد وأقبح؛ لأنه جاهل مركب وذاك جاهل بسيط، ولأنه معاند مستكبر وذاك ضال غير معاند، والجهل المركب أشد قبحًا، والعناد عن علم أشد من العناد عن جهل، يقول الشاعر بيتين:
وَمَنْ رَامَ الْعُلُــــــــومَ بِغَيْرِ شَيْخٍ ∗∗∗ يَضِلَّ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؎وَتَلْتَبِسِ الْعُــــــــــلُومُ عَلَيْهِ حَتَّى ∗∗∗ يَكُونَ أَضَلَّ مِنْ تُومَا الْحَكِيمِ
توما جاهل مركب يسمونه الحكيم، لكن هو غره أنهم سموه الحكيم، وبدأ يفتي في كل شيء، حتى أفتى بأنه من تصدق على إنسان بابنته فإنه يدخل الجنة، قال: تصدق -البيت الثالث-:
تَصَدَّقَ بِالْبَنَاتِ عَلَى رِجَالٍ ∗∗∗ يُرِيـــــدُ بِذَاكَ جَنَّاتِالنَّعِيــــــمِ
هذا جاهل ولَّا لا؟
* طالب: هذا مثل الزنى؟
* الشيخ: إي، أنت محتاج إلى الزواج شاب ولا عندك مهر، ولا شيء فلو أعطيتك صدقة، هكذا يقولون: إي نعم، الجهل يمكن يقيس بعقله يقول: بدل ما أعطيه دراهم ويروح يخطب نقطع الطريق يقول: هذي بدون دراهم.
* طالب: نبغي شرح هذا المركب والبسيط.
* الشيخ: المركب والبسيط اسمعه في البيتين الآتيين:
قَالَ حِمَـــــــــــــــــارُ الْحَــــــكِيمِتُـــــومَا ∗∗∗ .........................
أما قال: أضل من توما الحكيم؟
قَالَ حِمَـــــــــارُ الْحَكِيمِ تُــــومَـــــا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ؎لِأَنَّنِي جَــــــــــــاهِــــلٌ بَسِيــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَـــــــاحِبِي جَــــــــــــاهِــــلٌمُرَكَّبْ
عرفت الفرق الآن؟
* طالب: إي معروف، الشطر، يعني..
* الشيخ: خلاص معروف، انتهى.
* الطالب: أقول: ويش الفرق..؟
* الشيخ: الحمار يقول: إنه جاهل بسيط، وصاحبه اللي هو توما جاهل مركب.
الجاهل هو الذي لا يدري أنه جاهل، جاهل ولا يدري أنه جاهل هذا مركب، والبسيط هو الجاهل الذي يَعْلَم أنه جاهل.
ويتضح بالمثال؛ قال لك قائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقلتَ: لا أدري. ويش يُسَمَّى هذا؟
هذا جاهل بسيط، الإنسان لا يدري وعرف أنه لا يدري وقال: ما أدري.
وقال رجل لآخر: متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد لله الذي فتح على الجاهلين، كانت غزوة بدر في جمادى الآخرة سنة تسع من الهجرة (...).
عرفتَ الفرق الآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: لا، أنا أقول: ويش فرق ..
* الشيخ: الحمار؛ يقول: إنه جاهلٌ بسيط، وصاحبه اللي هو توما جاهلٌ مركَّب، الجاهل المركَّب هو الذي لا يدري أنه جاهل، جاهلٌ ولا يدري أنه جاهل، هذا مركَّب. والبسيط: الجاهل الذي يعلم أنه جاهل. ويتَّضح بالمثال؛ قال لك قائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: لا أدري. ويش يُسمَّي هذا؟
* طالب: بسيط.
* الشيخ: هذا جهلٌ بسيط؛ الإنسان لا يدري وعرف أنَّه لا يدري وقال: ما أدري.
وقال رجلٌ لآخَر: متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد الله الذي فتح على الجاهلين، كانت غزوة بدر في جمادى الآخرة سنة تسعٍ من الهجرة. ويش تقول في هذا؟
* طالب: هذا جاهل مركَّب.
* الشيخ: الآن هو جاهل، وهو لا يدري أنه جاهل، ولهذا استفتح بقوله: الحمد لله الذي فتح على الجاهلين. فيقال: أنت ما فتح الله عليك لأنك جاهل.
* طالب: أنا أقصد (مركَّب)، أيش معنى مركَّب؟
* الشيخ: مركَّب من جَهْلين: جهله بالواقع، وجهله بحاله. الجاهل المركَّب لأنَّه جاهلٌ بالواقع وجاهلٌ بحاله. واضح؟
* طالب: إي نعم.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]