×

لقمان

الآية ٢٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٢٤﴾

نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤] -أعوذ بالله- ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ يعني: نجعلهم يتمتعون، يأكلون ما شاؤوا ويلبسون ما شاؤوا ويركبون ما شاؤوا ويسكنون ما شاؤوا ويتنعمون بكل نعيم الدنيا، ولكن هذا قليل وقليل وقليل، يقول الرسول ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد.]] موضع السوط خير من الدنيا، ما هي الدنيا، بمن فيها فقط من أولها إلى آخرها، من الدنيا وما فيها، هؤلاء -والعياذ بالله- يمتعون قليلًا وما أقل الدنيا ومتاعها، كل ما مضى من الدنيا إلى ساعتك الحاضرة كأنه لم يكن، كأنه أضغاث أحلام، يعمر الإنسان فيها ما يعمر ومع ذلك ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥]، فهم يمتعون قليلًا، والقلة هنا باعتبار نوع المتاع وباعتبار زمنه، فنوع المتاع بالنسبة لما في الآخرة قليل ولَّا كثير؟ * طلبة: قليل. * الشيخ: قليل جدًّا وليس ينسب قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢).]]. كذلك بالنسبة للزمن؛ الزمن قليل، أليس كذلك؟ ولا يُنْسَب إلى زمن الآخرة الأبدي. ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ وقد بَيَّن الله تعالى في آية أخرى صفة هذا التمتيع فقال جلَّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]، هذا صفة هذا التمتع، شهوانيون ليس لهم إلا شهوة البطن وشهوة الفرج كما تفعل الأنعام تمامًا. وقال: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤] ﴿ثُمَّ﴾ يعني: بعد هذا التمتيع القليل (﴿﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ ﴾ في الآخرة ﴿﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴾ وهو عذاب النار، لا يجدون عنه محيصًا) ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ يعني: نلجئهم ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة ١٧٣] يعني: فمن أُلْجِئ، وهذا أصله مأخوذ من الإلجاء إلى الضرر؛ لأن: (اضطر) أصلها نضطر، فلهذا كل شيء يُلْجِئ الإنسان يسمى ضرورة؛ لأنه يلجئه إلى هذا الشيء. وقوله: ﴿نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ لأنهم هم لا يريدونه ما يريدون النار ولا يريدون هذا العذاب لكنهم يُجْبَرون عليه -والعياذ بالله- لأنهم عملوا أسبابه. وقوله: (﴿﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ ﴾ في الآخرة) ما المراد بـ(الآخرة)؟ هو ما بعد يوم القيامة أو حتى القبر؟ * طالب: حتى القبر. * الشيخ: حتى القبر؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر كلُّ ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، كله من اليوم الآخر، فهم بعد هذا المتاع يُلْجَؤون إلى العذاب، والعياذ بالله. وقوله: ﴿نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ﴾ العذاب العقوبة، الغليظ يقول المؤلف: (إنه عذاب النار)، ويش ضد الغليظ؟ ضده الرقيق، وغلظ عذاب النار في كيفيته وفي نوعه والعياذ بالله. أما الكيفية؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦]، ويقول فيما يُعَذَّبون به: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء ٩٧]، والعياذ بالله هذا في كيفيته. أما نوعه؛ فإنه لا يخطر بالبال ولا يدركه الخيال، يُسْقَون ماء حميمًا، إذا استغاثوا وماتوا من العطش واستغاثوا وطلبوا الغوث، ماذا يغاثون به؟ يغاثون بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب -والعياذ بالله- يشوي الوجوه إذا أقبل على الوجه شوى الوجه، فإذا نزل إلى الأمعاء سقوا ماء حميمًا فقطَّع أمعاءهم، أحيانًا يسقون من ماء صديد: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم ١٧]، هذا العذاب -والعياذ بالله- بأنواعه الشديدة العظيمة يستحق أن يوصف أنه عذاب غليظ ليس فيه رقة ولا رفقة، بل هو غليظ شديد. وقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء ١٢١] هكذا في القرآن؛ يعني: لا يجدون مفرًّا، ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣] ما فيها، بل إنهم -والعياذ بالله- يأتون إليها وِرْدًا عِطاشًا، وتمثَّل لهم كأنها سراب ماء، والعطشان إذا رأى الماء ولو كان سرابًا يظنه ماء لشدة تلهفه إلى الماء، فيَرِدونها على هذا الوجه -والعياذ بالله- ويتساقطون فيها. ﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسم ﴿سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]. قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ يقول: (لام قسم) مقرون بماذا؟ بـ(إن) الشرطية، حُذِف جواب الشرط ولَّا جواب القسم؟ حُذِف جواب الشرط وبَقِي جواب القسم، أين الجواب؟ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقد مر علينا قول ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مَــــــا أَخَّــــرْتَ فَهْوَمُــــلْتَزَمْ وقوله: ﴿لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام أو من يتَأَتَّى خطابه؟ يحتمل هذا وهذا. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا هو صيغة السؤال، من خلق السماوات والأرض؟ خلقها اللات؟! العزى؟! مناة؟! هبل؟! مَنْ؟ الجواب: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ هم يعترفون بأن خالق السماوات والأرض هو الله عز وجل. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هي جواب القسم (حُذِفَ منه نونُ الرفع لتوالي الأمثال، وواو الضمير لالتقاء الساكنين) أصله: ليقولونَنَّ، هذا أصله ليقولونَنَّ، صح؟ لأن هذا فعل مضارع من الأفعال الخمسة لا بد فيه من الواو والنون، فنقول: (ليقولون) حط نون التوكيد معها (ليقولونَنَّ)، اجتمع عندنا الآن ثلاثُ نونات كلُّهُنَّ زائدات، نضرب بينهم قرعة أو نفصل بينهم بحكم؟ نفصل بينهن بحكم نقول: إن حذفنا نون الرفع بقيت نون التوكيد وإن حذفنا نون التوكيد بقيت نون الرفع فأيهما؟ نحذف نون الرفع؛ لسببين: السبب الأول: أن نون الرفع اعتيد حذفُها فيما إذا كان الفعل منصوبًا أو مجزومًا صح ولَّا لا؟ بل، إنها قد تحذف في غير حالتي النصب والجزم، تحذف للتخفيف كما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»[[أخرجه أبو داود (٥١٩٣)، والترمذي (٢٦٨٨)، وابن ماجه (٦٨) وأصله في الصحيح من حديث أبي هريرة.]] «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ»، «لَا تَدْخُلُوا» هذه ما فيها لا ناصب ولا جازم، حذفت للتخفيف وأصله؟ (لا تدخلون الجنة) فحُذِفَت النون للتخفيف. وتُحْذَف النون أيضًا مع نون الوقاية كثيرًا، إذن فهي أحق بالحذف فتبقى نون التوكيد؛ لأننا لو حذفنا نون التوكيد فات المقصود ونحن نريد أن نُؤَكِّد الفعل، وتأكيد الفعل هنا -ونحن قد بحثنا في درس جديد في النحو- توكيد الفعل هنا واجب ولَّا غير واجب (ليقولنَّ)؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب؛ لأنه مُثبِت لِقَسَم مستقبل. * طالب: غير مفصول. * الشيخ: غير مفصول؛ لم يُفْصَل بين لامه وبين فعله فيكون توكيده واجبًا. إذن نُبْقِي النون، فإذا قالت نون الرفع: أبقونا جميعًا، نصير جميعًا (ليقولونَنَّ)، خلونا نبقي ما يخالف؟ نقول: ما يمكن؛ لأن نون الرفع زائدة ونون التوكيد زائدة فلا يمكن يجتمع عندنا ثلاثة حروف كلها زائدة في مكان واحد، عسانا نتحمل حرفًا أو حرفين. إذن نقول: لا بد من حذف إحداكنَّ، وأنت يا نون الرفع أولى بالحذف، امشي، تجي عاد الواو مع نون التوكيد، الواوهنا ساكنة، تقولون: ساكنة ونون التوكيد مشددة فالحرف الأول منها ساكن، اجتمع ساكنان، ما يمكن يجتمع ساكنان، ما يمكن يجتمعان، ويش السبب؟ لأن السكون والحركة نقيضان فلا يمكن يجتمع شيء ساكن وساكن، فإذن لا بد من أن نعمل عملًا يفكنا من اجتماع الساكنين، ما هو العمل؟ العمل إن كان الحرف صحيحًا اللي قبل الساكن، أيش نعمل فيه؟ نكسره، إذا كان الحرف الذي قبل الساكن صحيحًا كسرناه، وإن كان الحرف غير صحيح حرف لين فإننا نحذفه قال ابن مالك: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَــــــــكُنْ لَيْنًا فَحَــــذْفَهُاسْتَحَـــــقْ فهنا الساكن الأول (الواو) حرف لين ولَّا صحيح؟ * طالب: حرف لين. * الشيخ: إذن نحذفه، فتلتقي اللام مع النون (ليقولُنَّ)، فصار عندنا الآن في هذا الفعل عندنا حذفان؛ حذف النون، عَلِّل؛ لتوالي الأمثال، حذف واو الرفع؛ لالتقاء الساكنين، وعلى هذا يقول المؤلف: (حُذِفَ منه نونُ الرفع لتوالي الأمثال، وواو الضمير لالتقاء الساكنين). ما إعراب قوله: ﴿اللَّهُ﴾ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؟ فاعل لفعل محذوف التقدير: خلقهن الله، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿