تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ﴿٢٢﴾
وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُۥٓ ۚ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿٢٣﴾
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يعني معناه: ينقاد له تمام الانقياد بحيث يسلمه إليه، وهذا غاية ما يكون من التذلل والتوكل.
﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ولم يقل: (لله)؛ لأن قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أبلغ؛ كأنه أعطاه لله عز وجل وبلغ غايته في الوصول إلى الله.
وقوله: ﴿وَجْهَهُ﴾ المراد وجهه؛ يعني: وجه قلبه أو وجه بدنه؟ المراد وجه قلبه؛ يعني: اتجاهه فهو من الوجهة؛ أي: من يتجه إلى الله قصدًا وتوكلًا واعتمادًا.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الجملة هذه حالية حال من فاعل (يُسْلِم) يعني: والحال أنه محسن، والمراد بالإحسان يقول المؤلف: (التوحيد)، ولكن الصواب خلاف كلامه؛ لأن التوحيد مفهوم من قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، لكن قوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: محسن باتباع الشريعة محسن باتباع شريعته؛ شريعة الله عز وجل، فيكون في الآية إشارة إلى الحُكْمَيْنِ الأساسيين في العبادة وهما: الإخلاص والمتابعة.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يعني: في ماذا؟ في اتباع الشريعة؛ يعني: متبع لشريعته على وجه الإحسان.
﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ﴾ ﴿اسْتَمْسَكَ﴾ بمعنى: تَمَسَّك، لكنها أتت بهذه الصيغة استفعل؛ للمبالغة أي: للمبالغة في التمسك؛ لأن (استمسك بكذا) أقوى من قولك: (تمسَّك به)؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى فلما كثُرت حروف استمسك صارت أقوى في معناها من تمسَّك.
وقوله: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يقول المؤلف رحمه الله: (﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ بالطرف الأوثق الذي لا يُخاف انقطاعُه).
العروة الإنسان عندما يتمسك بالحبل فتارة يتمسك به بطرفه وليس له عُروة، وتارة يتمسك به بطرفه وهو معقود، وتارة يتمسك بطرفه وهو مَثْنِيٌّ كالعروة، أيهما أبلغ؟ العروة أبلغ؛ لأن الإنسان إذا تمسك بطرفه ربما يزلق فيسقط، وكذلك بطرفه مأخوذًا ما يتمكن مثلما يتمكن بطرفه إذا كان عروة.
و﴿الْوُثْقَى﴾ مؤنث (أوثق) يعني العروة التي هي أوثق شيء، ولا ريب أن من أسلم وجهه إلى الله وهو محسن فإنه سينجو من كل مكروه ويفوز بكل مطلوب؛ لأن هذا هو الطريق الأمثل الذي يُوصِل إلى الله عز وجل أن تُسْلِمَ وجهك إليه وأنت محسن، هل ورد مثلُها في القرآن استمسك بالعروة الوثقى؟
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة ٢٥٦].
* طالب: (...).
* الشيخ: أي: إصراره إذا عقد طرفه (...).
﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ لَمَّا بيَّن أن الذي يُسْلِم وجهه إلى الله وهو محسن أنه مستمسك بالعروة الوثقى وأن الإنسان في حال الإسلام إلى الله والإحسان قد يعتريه أمور يشك هل هو مستمسك بالعروة الوُثْقَى ولَّا لا؟ مثل أن يتخلف عنه النصر في يوم من الأيام وما أشبه ذلك فيخشى أن يكون على غير حق فبيَّن الله تعالى أن عاقبة الأمور إلى الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] لأن الإنسان قد يقول: ما قيمة هذه الأشياء بالنسبة للقنابل والصواريخ وما أشبه ذلك؟ فبيَّن الله تعالى أن العاقبة لمن؟ عاقبة الأمور لله فأنت ما دُمت قُمْتَ بأسباب النصر التي بيَّنها الله لك فلا يخدعنك ما أعطي أعداء الله تعالى من القوة المادية لأن هذه القوة المادية تتضاءل بكلمة من الله عز وجل، إذا أراد عز وجل أن يخسف بهم جميعًا الأرض أو يُفْسِد عليهم معداتهم قال: كن فيكون؛ ولهذا أعقبها بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤١] حتى لا يستبعد الإنسان نصر الله عز وجل بسبب ما أوتي أعداؤه من قوة؛ لأن العاقبة لله عز وجل.
هذه مثلها أيضًا ليسلِّم الإنسان وجهه إلى الله وهو مُحْسِن وينتابه بعض الأحيان شكوك وهل هو على حق ولَّا على غير حق، وهل إن هذا استمساك حقيقي ولَّا لا؟ فبيَّن الله تعالى أن عاقبة الأمور إلى الله وأنك متى أسلمت وجهك إلى الله وأنت محسن فلا بد أن تنجو.
وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ﴿إِلَى﴾ تفيد أيش؟ أيش معناها؟ تفيد الغاية؛ يعني غاية عاقبة الأمور إلى الله لا إلى غيره، هو الذي يدبر الأمور كيف يشاء حتى تصل إلى ما يريده سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿الْأُمُورِ﴾ جمع أمر، أمر واحدُ الأمور؛ يعني الشئون كل الشئون الدينية والدنيوية العامة والخاصة كلها عاقبتها إلى الله، هذا قسم من الناس الذي أسلم وجهه إلى الله وهو محسن.
الثاني الكافر؛ قال: (﴿﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ ﴾ يا محمد ﴿﴿كُفْرُهُ﴾ ﴾ لا تهتمَّ بكفره ﴿﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ ﴾) إلى آخره.
قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ (من) هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿كَفَرَ﴾، وجوابه قوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾، وقُرِنَ بالفاء؛ لأن الجملة اسمية ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ هذا عام من الأقارب والأباعد؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يَحْزَن لكفر الكافرين سواء كانوا أقارب له أم أباعد.
وقوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ (يا محمد) أبان المؤلف -رحمه الله- أن الخطاب في قوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ لمن؟ للرسول ﷺ، ويحتمل أن يكون موجَّهًا للرسول عليه الصلاة والسلام ولكلِّ مَنْ يصح خطابه ممن شأنه أن يحزن إذا كَفَر عبادُ الله، فيكون على هذا المعنى أعم مما قال المؤلف.
وقوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ ما هو الحزن؟ الحزن: هو ضد السرور، وإذا قيل: حزن وخوف؛ صار الحزن على الماضي والخوف للمستقبل، وقد يُطلَق الحزن على الخوف كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠] يعني: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ أي: لا تخف فإن الله معنا، على أنه يحتمل أن معنى ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ على ما فعلنا من اللجوء إلى هذا الغار فيكون على بابه على الأصل.
وقوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ قال المؤلف: (لا تهتمَّ بكفره)، وظاهر كلامه أن الحزن هنا بمعنى الاهتمام بالشيء يعني: لا يهمنك أمرهم، ولكن الحزن أخص من الاهتمام، فإبقاء الآية على ظاهرها، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحزُن إذا كفر الناس وكذلك من كان ناصحًا لله ولرسوله يحزُن إذا كفر الناس، أو قل: إن حَمْلَها على ظاهرها أولى.
وفعلًا الإنسان الناصح يحزن إذا كفر الناس يحزن لأمرين:
أولا: رحمة لهؤلاء الذين كفروا، والثاني: حزنًا على ما فات الإسلام من كثرة متبعيه؛ لأن كثرة متبعي الإسلام عزٌّ للإسلام أليس كذلك؟ ويش الدليل أن الكثرة عز؟
* طالب: قول الرسول (...).
* الشيخ: وغيره من القرآن؟ في القرآن آيتان تدل على أن الكثرة عز؟
* طالب: آية الأنفال.
* الشيخ: نعم، ربما في الأنفال فيه ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال ٤٣] ربما يفيد هذا.
قال شعيب لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦]، وقال تعالى ممتنًّا على بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، فالكثرة عز بالدليل الشرعي والواقعي.
الآن الصين الشيوعية بالنسبة للقوة الصناعية ما تُقارَن بالروس ولا بأمريكا ومع ذلك يهابونها، يهابونها لماذا؟ للكثرة؛ كما يقول القائل: (...)، وأعداء المسلمين الآن يحبذون للمسلمين أن يقللوا النسل فتارة يقولون: إذا كثَّرتم النسل ضاق الرزق كقول الكفار الذين يقتلون أولادهم خشية الإملاق، وتارة يقولون: إذا كثر الأولاد عجزتم عن تربيتهم. إساءة ظن بالله عز وجل، وتارة يقولون: إذا كثر الحمل ضعفت المرأة ولحقها الضعف، وهذا لا بد منه، لا بد أن تضعف المرأة كما قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]، والحاصل أن كثرة الأمم عز لها.
وقوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ جملة خبرية قُدِّمَ فيها الخبر لإفادة الحصر، ﴿إِلَيْنَا﴾ يعني نحن الله عز وجل، لا إلى غيره.
وقوله: ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ مصدر (...) أي: رجوعهم، فرجوعهم إلى الله عز وجل لا إلى غيره، وهو الذي يحاسبهم على أعمالهم؛ ولهذا قال: ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿نُنَبِّئُهُمْ﴾ نخبرهم.
وإذا أُخْبِروا بذلك يجازون عليه؟ نعم، الكافر لا بد أن يُجازى على ذنبه، ولكنه يجازى بالعدل؛ ولهذا كانت النار دَرَكات بحسب جرم الكافرين، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار.
فقوله: ﴿نُنَبِّئُهُمْ﴾ أي: نخبرهم، على سبيل التوبيخ والإهانة ثم نجازيهم بما يستحقون.
قوله: ﴿إِلَيْنَا﴾ و﴿نُنَبِّئُهُمْ﴾ هذا ضمير جمع، لكن المراد به؟
* طالب: التعليل.
* الشيخ: التعليل، المراد التعليل لا شك.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان ٢٣] هذا تكميل للتهديد؛ يعني: أن الله عليم بذات الصدور، وما هي ذات الصدور؟ ذات الصدور هي القلوب؛ لأنها فيها قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
فمعنى (ذات الصدور) أي: صاحبة الصدور وهي القلوب.
وقال: ﴿ذَاتِ الصُّدُورِ﴾ هنا القلوب؛ لأن ما كان داخل الصدر محجوب عن الخلق لا يعلمه إلا الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وفي قوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ دليل على أن الكافر يُحاسب على عمل القلب وهو كذلك فإن الكافر يحاسب عليه؛ لأنه لولا أنه يحاسب لم يكن في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ كبير فائدة.
* طالب: قوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ ترى جواب الشرط الثاني أليست طلبية؟
* الشيخ: ما هي طلبية؛ لأن (لا) ناهية، صحيح ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ نهي، ما هي طلبية.
ثم قال: ﴿