تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَـٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ﴿١٤﴾
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤].
* من فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بمعاملة الوالدين؛ ولهذا أوصى بها سبحانه وتعالى وصية.
* ومن فوائدها: أنه سبحانه أرحم بالوالدين من أولادهما، أو لا؟ لأن الله أوصى الأولاد بالوالدين، إذن فهو أرحم بالوالدين من الأولاد، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١] أن في الآية دليلًا على أن الله أرحم بالولد من والديه.
* فمن فوائد الآية الكريمة: بيان عِظَم حقوق الوالدين؛ ولهذا جعلها الله تعالى وصية، والوصية -كما سبق في التفسير- هي أن يعهد إلى شخص بأمر هام فضلًا عن عظم حقوق الوالدين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن يذكر المخاطب ما يحمله على امتثال ما وكل إليه؛ لقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي تقوية الجانب الضعيف، بما يقويه من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فإن الله تعالى ذكر ما يحصل للأم إغراءً بالقيام بحقها، ولم يذكر ما يحصل للأب؛ لأنه كما قلنا في التفسير الأم ضعيفة تحتاج إلى من يقوي جانبها.
وهل يُستفاد منه أن حق الأم أوجب من حق الأب؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: كيف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الحديث واضح، لكن من الآية.
* طالب: ذكر العلماء (...).
* الشيخ: لأنه ذكر ما تعانيه الأم من مشاق إشارة إلى أنها أحق؛ لأنه بالنسبة للأب ما يجد في ابنه من هذه المشاق، ولكن الأم هي التي تجد، صحيح أن الأب قد يتحمل مشاق أخرى وحصول النفقة وما أشبه ذلك. لكن الأم، الألم البدني ما يكون بالأب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للأم أن تصبر على ما ينالها من مشقة الحمل؛ لأنه أمر طبيعي؛ لقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾.
* يتفرع من هذه الفائدة: بيان خطأ بعض النساء اليوم اللاتي لا يقدرن على وهن الحمل، فتجد المرأة تستعمل حبوبًا لمنع الحمل، تقول: لأن الحمل تعب ومشقة، وما أشبه ذلك.
وبعض النساء يحاولن أن يلدن عن طريق العملية، تقول: لأنه أخف، كل هذا فرارًا مما جبلت عليه المرأة من الضعف عند الحمل وعند الطلق، وعند الولادة. نعم، إذا احتاج الأمر إلى عملية فهذا لا بأس به للضرورة، وإلا فإنه لا ينبغي ذلك؛ لأن هذا خلاف ما فطر الله عليه المرأة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. وقد قال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف ١٥]، فإذا خصمت عامين من ثلاثين شهرًا كم بقي؟
* طالب: ستة.
* الشيخ: بقي ستة أشهر. وذكر ابن قتيبة في المعارف أن عبد الملك بن مروان ولد من ستة أشهر وهو الخليفة المحنك كما هو معروف، ولد لستة أشهر، ويقول الخبراء في هذه الأمور: إنه إذا ولد لستة أشهر يمكن يعيش، لكن لسبعة أشهر قد لا يعيش. وهذا حكمة (...).
* طالب: احتمال أنه ما يعيش.
* الشيخ: (...).
للوالدين كما يجب الشكر لله؛ لقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾.
* ومنها: أنَّ شكر الله تعالى مُقدَّم على غيره؛ لأنه قدَّمه في قوله: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ فقدَّم الشكر له على شكر الوالدين مع عِظم حقهما.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الأمور إلى الله؛ في قوله: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وتقديم الخبر يدل على الحصر أنه إلى الله وحده.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: التحذير والتخويف من المخالفة؛ لأن قوله: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يعني وسأحاسبك أيها الإنسان، فصلة هذه الجملة بما قبلها أنها تُفيد التهديد والتحذير للمخالف.