تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ ﴿٥٤﴾
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ما هو الضَّعف؟ يقول: الماء؛ (ماء مَهِين). فجعل الضعف هو النُّطْفة؛ لأنه كما قال الله عز وجل: ﴿مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨]، و﴿مِنْ﴾ هنا للابتداء كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء ٣٧]، وقيل: المراد بالضعف ضَعْفُه بعد نَفْخ الروح فيه؛ إذْ إنَّه حالُ النُّطْفة جمادٌ لا يوصَف بأنه ضعيفٌ ولا أنَّه قويٌّ، ولكن المراد بالضعف بعد نَفْخ الروح فيه، عرفتم؟ وهذا هو الصحيح؛ فإنَّ الإنسان ما يكون خلقًا تامًّا إلا بعد نَفْخ الروح، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤]، هذا الإنشاء هو أول ما يكون به الإنسانُ إنسانًا؛ لأن الإنسانَ إنسانٌ ببَدَنِه ورُوحه، وعلى هذا نقول: المراد بالضعف بعد نَفْخ الروحِ فيه؛ ضَعْف الطفولة، ويبتدئُ من كَوْنه حيًّا في بطْن أُمِّه، وهذا ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل؛ الإنسانُ الصغيرُ ضعيفٌ، ثم بعد ذلك .. والضعف أيضًا بقُواه الحسِّيَّة وقُواه المعنويَّة، فهو ضعيفٌ في التفكير، وهي القُوى المعنويَّة، والعقل، وما أشبهَ ذلك.