×

الروم

الآية ٥٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَآ أَنتَ بِهَـٰدِ ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ ۖ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ﴿٥٣﴾

وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ﴾ ﴾ مَا ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُولٍ ﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن ﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾ [الروم: ٥٣]). ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: (ما)، ويش معنى (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ مَا)؟ (ما) هذه تفسيرية، ولهذا ما تُدغَم بـ(إنْ)، ما يقال: (إمَّا)، بل يقال: (إنْ) ثم يقال: (ما) على سبيل الإظهار؛ لأن (ما) تفسيرٌ لها، فهي هي، ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما). ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ قال المؤلف: (سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُول). ما تسمع (﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾) أي: فبناءً على إيمانهم هم مُسْلمون مُنْقادون؛ لأنَّه كلَّما تمَّ الإيمانُ تمَّ الانقياد، فكلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا فإنَّه يكون أعظمَ انقيادًا، ولهذا الإيمانُ يستلزم الإسلام، كلُّ مؤمنٍ مُسْلم، ولا عَكْس؛ ما كلُّ مُسْلمٍ مؤمنًا، قد يستسلم الإنسانُ ظاهرًا وقلْبُه منطوٍ على الكفر -والعياذُ بالله- بخلاف الإيمان، ولهذا رتَّب على الإيمان رتَّب عليه الإسلامَ بالفاء ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فهُم مِن أجْل إيمانهم مسلمون منقادون. قوله ﴿إلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: إنَّه القرآن، مع أنَّ (آيات) جمعٌ وليست مفردًا، فما هو الجواب عن قول المؤلف؟ الجواب عن قول المؤلف أنَّ فيه قصورًا، والحقُّ أنَّ المراد بالآيات ما هو أعمُّ من القرآن؛ فيشمل جميع الكُتُب المنزلة، ويشمل كذلك الآيات الكونية بأنْ يؤمن بأنَّ هذا الكون خَلَقَه اللَّهُ عز وجل؛ لأنَّ مِن الناس مَن لا يؤمن بالآيات الكونية؛ شوف ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ ويش يقولون؟ ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، شيء طبيعي، الكون يقولون: مادَّة وطبيعة تتفاعل ويَنْتج بعضُها من بعض، وما أشبهَ ذلك، ما آمَنوا بالآيات. الآيات الشرعيَّة كذلك أيضًا؛ مِن الناس مَن لا يؤمن بها، يُكَذِّب بأخبارها ويستكبر عن أحكامها، وهذا كثير. إذَنْ الصوابُ أنَّ المراد بقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ما يشمل الآياتِ الشرعيَّة كلَّها بكلِّ الكُتُب النازلة والآياتِ الكونية كلَّها؛ لأن مِن الناس مَن يُنكر الآيات الكونية كما تعلمون. فإذا قال قائل: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ معناه أنَّ المؤمن سامعٌ، فكيف يقول: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ والمؤمن سامعٌ؟! فكيف تجيب عن هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن مَن يؤمن سامعٌ، تُسمع مَن يؤمن. * طالب: (...) أنَّه قابل للدعوة (...). * طالب آخر: قابل للسماع و(...). * الشيخ: الجواب عن هذا مِن أحد وجهين: إمَّا أنْ يُقال: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ أي: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بما تقول ومكتوبًا عند الله عز وجل أنَّه مؤمن، وهذا أمرٌ غير معلومٍ للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن يجب عليه أن يَبْذل الدعوة فيسمعها مَن كان في علم الله أنَّه مؤمنٌ وكان مستعدًّا للإيمان، هذا وجه. أو يُقال: إنَّ الدين شرائع، ليس شيئًا واحدًا، بل هو شرائع وشعائر متعدِّدة، فالذي ينتفع بهذه الشعائر ويطبِّقها مَن؟ هو المؤمن بها، هذا المؤمن اللي وقع الإيمانُ منه فِعْلًا هو الذي يسمع كلَّ ما دعا إليه الرسول ﷺ من جميع شرائع الدين، وعلى قول مَن يُثبتون للدين أصولًا وفروعًا نقول: أصول الدين وفُروعه. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنَّ تقسيم الدين إلى أصولٍ وفُروعٍ قولٌ مبتدَعٌ لا دليل عليه، وهو صحيح، لكن ما تجد في القرآن والسُّنَّة أصولًا وفروعًا، فيها ما يدلُّ على الرُّكْنية -مثلًا- وعلى أنَّ هذا رُكْنٌ كما في قوله: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨)، ومسلم (١٦ / ٢٠)، من حديث ابن عمر.]]، أمَّا أن نقول: أصول وفروع! لأن شيخ الإسلام -رحمه الله- أَنْكَر هذا لا لأنَّه مجرَّد اصطلاح، لا مشاحَّة في الاصطلاح، لكنَّه تُوُصِّل به إلى أمورٍ منكرةٍ فقالوا مَثَلًا: لا نحتجُّ بأخبار الآحاد في أُصول الدين، وجعلوا هذا بابًا يَلِجُون به إلى إنكار الصفات وإلى إنكار ما وَرَدَ في أخبار اليوم الآخِر وما أشبهَ ذلك. المهم صار قوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ ويش هو الجواب عليه؟ من أحد وجهين؛ الأول: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بحيث إنَّ الله قدَّر له ذلك فهذا يسمع وينتفع. أو: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ مَن كان الآن مؤمنًا لكنَّه يسمع ما يتلقَّى بعد ذلك من شعائر الإسلام وشرائعه. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، المؤمن مسلمٌ ظاهرًا وباطنًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: والمنافق؟ * طالب: ظاهرًا لا باطنًا. * الشيخ: مسلمٌ ظاهرًا لا باطنًا. والمعلن بكفره؟ * طلبة: ظاهرًا وباطنًا. * الشيخ: ظاهرًا وباطنًا؛ ليس مؤمنًا لا ظاهرًا ولا باطنًا، والناس ما يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة: مَن كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَنَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَن ظاهرًا لا باطنًا. فيه قِسمة رابعة لكن ما تمكن، وهي: مَن آمَنَ باطنًا لا ظاهرًا، هذا ما يمكن، صحيحٌ أنَّه قد يكون ضعيفَ الإيمان فتجد فيه مخالفات في ظاهرِهِ كالمؤمن الفاسق؛ أمَّا أنَّه يكون ليس عنده إسلامٌ أبدًا فهذا ما يمكن. * طالب: ما يُطلق عليه أنه (...). * الشيخ: ما أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو مسلم ظاهرًا، لكن فيه مانع من إظهاره. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) لأن هذا كفر؛ لأنه جعله كفرًا (...). * * * (...) ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، هذه الجملة. (...) الباصرة، ويحتمل أنَّها عَمَى البصيرة، وأيًّا كان سواء كان حِسِّيًّا أو معنويًّا -وهو ظاهر السياق- فإنَّ معنى ذلك أنَّ الرسول ﷺ لا يملك أنْ يهدي هؤلاء، وفيها (...). قوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾، ما نوع هذه الجملة (...). * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم ٥٤] هذه الآية سِيقَتْ لبيان حال الإنسان وكمال قدرة الله عز وجل. قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ يُقال بفتح الضاد وبضمِّها، ضمُّها لغة الحجازيِّين، وفَتْحها لغة بني تميم، ولهذا يُروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّه قال: «أقرأَني رسولُ الله ﷺ:» ﴿مِنْ ضُعْفٍ﴾ [[أخرجه أبو داود (٣٩٧٨)، والترمذي (٢٩٣٦)، من حديث ابن عمر.]]، بضم الضاد؛ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ﴾، لكن الحديث ضعيف، إنَّما ذكروا الضَّادَ مفتوحةً ومضمومةً؛ قراءتانِ سبعيَّتانِ، والفتح لُغة بني تميم، والضمُّ لغة الحجازيِّين. * طالب: مَن قرأها برواية حفصٍ بالضم، هل نقول: غلط، ولَّا .. ؟ * الشيخ: صح، أيُّ إنسان يقرأ بكل قراءة ثابتة فهو صحيح. ﴿