×

الروم

الآية ٤٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۖ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴿٤٣﴾

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى آخره [الروم: ٤٣]: * في هذا وجوب الاتجاه إلى الدين ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ويلزم من وجوب الاتجاه إليه وجوب الإعراض عما سواه؛ لأن الوجهة واحدة؛ إما إلى هنا وإما إلى هنا، فإذا لزم أن تتجه إلى الدين لزم أن تنحرف عن غيره. * ومن فوائد الآية: تحريم الحكم بغير ما أنزل الله؛ لأنه مخالف للاتجاه إلى الدين القيم، والحكم بغير ما أنزل الله منه ما يكون كفرًا، ومنه ما يكون فسقًا، ومنه ما يكو ظلمًا؛ كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وفي الآية الثانية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وفي الآية الثالثة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]، وهذه الأوصاف تتنزل على حال الحاكم، فقد يكون كافرًا أو ظالمًا أو فاسقًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الدين قيم، ويش معنى قيم؟ معتدل لا اعوجاج فيه، لا في جانب العبادة ولا في جانب المعاملة. * ومن فوائدها: أنك إذا ظننت أن في الدين ما يخالف الاستقامة فاعلم أنك قاصر؛ إما في علمك وإما في فهمك، وجه ذلك أن الله وصف هذا الدين بأنه قيم، كل شيء تستعرضه في دين الله فيبدو لك أنه ليس على الاستقامة فاعلم أنك مخطئ؛ لقصور علمك، أو لقصور فهمك، والإنسان يُؤتَى من هاتين الناحيتين؛ إما لقصور علمه، ما عنده علم، وإما لقصور فهمه، عنده علم لكن ما يفهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن أمر بشيء أن يذكر ما يغري به ويرغب فيه، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ﴾ [الروم ٤٣]. * الشيخ: لا، نعم هذا صحيح لكن قبل ذلك لقوله: ﴿الْقَيِّمِ﴾، فالإنسان إذا عرف أنه قيم لا شك أنه يتجه إليه، فأنت إذا أردت أن تأمر بشيء فاذكر الأسباب التي توجب للناس الإقبال عليه بأوصافه المحبوبة وثمراته الحميدة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الترغيب والترهيب: الترغيب ﴿الْقَيِّمِ﴾، والترهيب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣]. * ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة وأنه آتٍ لا محالة ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن يوم القيامة يوم عظيم، من أين؟ من تنكير يوم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، والتنكير يفيد التعظيم، ويدل لذلك -لعظم هذا اليوم- قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٤ - ٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣]، فلا أحد يستطيع أن يمنع ما أراد الله، ولا أن يجلب ما لم يرد الله أبدًا «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يوم القيامة ينقسمون ويتفرقون؛ لقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، فيه في الآية الأولى أول ما أخذنا ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فيها دليل على بطلان مذهب الجبرية، كيف؟ الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبَر على عمله، ما هو يفعل باختياره، ولا يضاف الفعل إليه، إلا على سبيل المجاز، فيقال: صلى، صام، زكى، مجازًا لا حقيقة، الآية الكريمة ترد عليهم من وجهين: الوجه الأول: قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فأضاف الكسب إلى أيدي الناس. الوجه الثاني: أن الله تعالى عاقبهم على هذا الفعل، ولو كانوا مجبرين عليه لكانت عقوبتهم ظلمًا لهم، كيف يعاقبون على ما ليس باختيارهم؟ ففيها رد من وجهين؛ وجه لفظي، وهو إضافة الكسب إلى أيديهم، ووجه معنوي، وهو أنه يلزم من عقوبتهم على ذلك لو كانوا مجبرين أن يكون الله تعالى ظالمًا لهم، والله تعالى ليس بظلام للعبيد، وكذلك أيضًا يؤخذ من قوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أضاف العمل إليهم.