تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿٨٧﴾
خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿٨٨﴾
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المشار إليهم وهم الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، وأتى بصيغة الإشارة على وجه البُعد، على وجه البعد إشارةً إلى انحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة إلى القريب بصيغة البعد قد تكون إشارة إلى علوِّ المرتبة وقد تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة؛ وهنا إشارة إلى انحطاط مرتبتهم فهم لانحطاط مرتبتهم بعيدون يشار إليهم إشارة البعد. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾؛ أي: مكافأتهم على عملهم ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هذه: (على) تفيد أنَّ اللعنة أتتهم على وجه الاستحقاق ومِن أمر عالٍ؛ لأنها لعنة، ولعنة الله هي طردُهُ وإبعادُه عن رحمته؛ أي أنه سبحانه وتعالى طرَدَهم وأبعدهم عن رحمة الله.
﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: ولعنةَ الملائكةِ، والملائكة: جمع مَلَكَ، وأصله: مَأْلَك من الأَلُوكَة وهي الرسالة، لكن صار فيه إعلال بالقلب؛ يعني بالقلب قلب المكان ما هو قلب الحرف؛ وذلك بأن قُدِّمت اللام وأُخِّرت الهمزة فصار مَلْأَك، وجمع مَلْأَك: ملائكة، ثم سُهِّلَ وقيل: مَلَك بدل مَلْأَك.
الملائكة: هم جنس من المخلوقات عالَمٌ غيبي خلَقَهم الله تعالى من نور وجعلهم صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون، وإذا لم يأكلوا ولم يشربوا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون؛ ولهذا وصفهم الله بأنهم مطهرون فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧ - ٧٩]. ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الناس هم بنو آدم، وأصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد، توكيد لما قبلها مباشرة أو لما قبلها وما قبل الذي قبلها؟
* طالب: نعم، للجميع.
* الشيخ: للجميع، الملائكة أجمعين والناس أجمعين.
طيب، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ خالدين فيها: حال، يعني خالدين في هذه اللعنة، ماكثين فيها إما على سبيل الأبد وإما على سبيل المكث الطويل؛ لأن الخلود كما قال أهل اللغة يُستعمل في المكث الطويل ويستعمل في المكث الدائم. ولكن هنا هل يراد به المكث الطويل أو الدائم؟ الدائم، المراد به الدائم؛ لأن هؤلاء كفرة، والكفرة خالدون خلودًا دائمًا في العذاب ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ التخفيف ضد التثقيل؛ أي لا يمكن أن يُهَوَّنَ عليهم العذاب يومًا واحدًا؛ ولهذا ﴿قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]. شوف -نعوذ بالله- طلبوا دعاء الملائكة ليكونوا واسطة بينهم وبين الله، ثم مع ذلك لم يقولوا: ادعوا ربنا، قالوا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ من شدة خجلهم وانكسارهم أمام الله، ثم قالوا: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولم يطلبوا الإنقاذ من العذاب مطلقًا، ولم يطلبوا أن يخفِّف عنهم العذاب دائمًا؛ لأنهم عارفون أنهم مخطئون بل خاطئون؛ فلهذا طلبوا أن يخفف عنهم العذاب يومًا واحدًا ولكن لن يكون ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ العذاب يعني العقوبة، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يُمْهَلُونَ ويؤخَّرون، بل يبادَرون بالعذاب. وتأملوا -بارك الله فيكم- قوله تعالى في أهل النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]. وقال في أهل الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] ﴿جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾. إذن فصار هناك فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن أهل النار -والعياذ بالله- يبادَرون بفتحها فيقابلهم العذاب أول ما يَقْدمون عليها. وأما أهل الجنة فإنهم إذا وصلوا إلى الجنة وُقِفُوا على قنطرة بين الجنة وبين النار فيُقتص لبعضهم من بعض اقتصاصًا خاصًّا غير الاقتصاص الأول الذي يكون في عرصات القيامة من أجل أن يُزال ما في قلوبهم من الغل والحقد حتى يدخلوا الجنة وهم على أصفى ما يكونون من المودة ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر ٤٧]. ولهذا نقول في الواو هنا: إنها عاطفة على جواب الشرط المحذوف حتى إذا جاؤوها حصل كيت وكيت وفتحت أبوابها، وليست زائدة كما قيل به، ولا واو ثمانية كما قيل به أيضا؛ بل هي واو عاطفة على الوجه المعتاد والمعطوف عليه محذوف. إذن ﴿لَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يعني لا هم يمهلون ويؤخر عنهم العذاب بل يبادرون به؛ بل إنهم يبادرون به قبل أن تقوم الساعة كما قال الله تعالى لآل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦]، بل إنهم يبادَرون بالعذاب قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال ٥٠]، ويوبَّخُون قبل أن يموتوا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]. وتأمل قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾؛ إنهم والله لأشحاء في هذه الأنفس، أشِحَّاء؛ لأن النفس إذا بشرت بالعذاب نكصت واشمأزت ورجعت في الجسد فيقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أعطونا إياها، إلى أي شيء؟ إلى العذاب ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. فما بالكم -والعياذ بالله- بهذه البشارة السيئة القبيحة في حال خروجه من الدنيا ومفارقة الأهل والأموال والأوطان؟ إنها لساعة حرجة -نعوذ بالله- ونسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة! حالة حرجة فهم لا يُمْهَلُونَ ولا يُنظرون في العذاب من حين أن يأتيهم الأجل إلى أبد الآبدين -والعياذ بالله- نسأل الله لنا ولكم العافية! يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٨٩] اللهم لك الحمد، رحمة الله سبقت غضبه؛ هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم البينات وقامت عليهم الحجة من كل وجه؛ إذا تابوا إلى اللهِ تاب اللهُ عليهم ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ تابوا؛ أي: رجعوا إلى الله، فالتوبة الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، ومن الهرب عنه إلى اللجوء إلى بابه.
وللتوبة خمسة شروط أقرأها عليكم وأطالبكم بها:
الشرط الأول: الإخلاص لله؛ بأن يقصد الإنسان بتوبته وجه الله، وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه، لا أن يقصد بتوبته مراءاة الخلق أو شيئا من أمور الدنيا؛ لأن التائب قد يريد مراءاة الخلق ليعلم الناس أنه تاب ورجع فيمدحوه على ذلك؛ هذا لا تنفعه التوبة ولا تُقبل منه؛ أو يقصد بتوبته شيئًا من أمور الدنيا؛ يسمع أن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤] وهو يريد زوجة قال: لعلي أتقي الله حتى ييسر الله لي زوجة؛ هذه التقوى أو هذه التوبة ضعيفة جدًّا. ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد: بابٌ من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ فهذه إرادة نازلة لكنها ليست كالأول، الأول يريد أن يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله، وهذا شيء عظيم، أن يجعل ما لله للخلق؛ أما هذا لا، ما أراد هذا الشيء، أراد أن يتقرب إلى الله من أجل ييسر له شيئًا من أمور الدنيا؛ والآخرة هو في غفلة عنها؛ إذن هذا الذي أراد بالتوبة أحد الأمرين توبتُه مردودة عليه بالنسبة للأول الذي أراد الرياء، وضعيفة جدًّا بالنسبة للثاني، الإخلاص لله.
الثاني من شروط التوبة: الندم على ما فعل من الذنب؛ والندم أَشْكَلَ على بعض الناس، قال: كيف يندم الواحد؟ الإنسان ما يقدر يندِّم نفسه، ولكنه في الحقيقة لا إشكال فيه، لا إشكال فيه إطلاقًا؛ لأن معنى الندم أن يشعر الإنسان بالحسرة على ما فعل، لا أن يكون الفعلُ وعدمُه عنده سواء؛ يعني هو يشعر بأنه الآن متحسر كما يقول العامة: متحسر كيف يَفْرُط منِّي هذا الشيء.
الثالث: أن يُقلع عن المعصية، أن يقلع عن المعصية في الحال، فإن كانت لله؛ فإما أن تكون تركَ واجبٍ أو فعلَ محرَّم، فإن كان فعل محرم أقلع عنه، فارقه حتى لو كانت شَرْبَةُ الخمر في فمه وجب عليه أن يَمُجَّهَا؛ وإن كانت للمخلوق فلا بد أن يعطيه حقَّه أو يتحلَّله منه؛ إن كان ماليًّا أو بدنيًّا أو عِرْضًا علم به صاحبه؛ بدنيًّا مثل الضرب، ماليًّا مثل أخذ المال أو جحد مال يجب عليه لشخص، عِرْضِيًّا مثل الغِيبة؛ هذه إن كان الذي جُنِيَ عليه قد علم بالغِيبة فلا بد من استحلاله، وإن لم يعلم فلا حاجة إلى إخباره ثم استحلاله؛ لأنه ربما إذا علم لا يُحِل، ولكن بدل أن دَنَّسَ سُمعته في المجلس في مجلس من المجالس يمدحه بما فيه في نفس ذلك المجلس؛ لأن ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]. هذه إذا كان حقًّا للمخلوق فلا بد من أيش؟
* طالب: استحلاله..
* الشيخ: استحلاله إن كان بدنيًّا أو ماليًّا أو عِرْضِيًّا عَلِمَ به. إذا كان لله قلنا: إن كان فعل محرم فلا بد أن يقلع عنه فورًا، وإن كان تركَ واجب وَجَبَ عليه أن يتلافاه إن كان يمكن تلافيه وإن كان لا يمكن سقط. ما تقولون (...) غصب أرضًا وجعل فيها زرعًا، وفي أثناء وجوده فيها تاب إلى الله، فماذا يصنع؟
* الطلبة: يردها.
* الشيخ: هو سيردها لكن الآن هو مستولٍ عليها الآن مشيه من أثنائها إلى طرفها مشي في معصية، وبقاؤه إن بقي فهو في معصية فماذا يفعل؟
* الطلبة: يخرج.
* الشيخ: قال العلماء: إن خروجه هذا ليس بمعصية؛ لأنه خروج للتخلص من المعصية، والتخلص من الشيء لا يُعْطَى حكمَ الشيء؛ ولهذا لو أن الْمُحْرِمَ تلطخ بطِيب وأراد أن يغسله لا بد أن يباشره مباشرته للطيب عند غسله جائزة ولَّا حرام؟ جائزة لأنه يريد أن يتخلص منه، كذلك الاستنجاء، الإنسان إذا أراد أن يستنجي يباشر النجاسة بيده، وهذه المباشرة مباشرة النجاسة باليد جائزة؛ لأنها من أجل التخلص من هذه النجاسة وإزالتها؛ فكذلك هذا الذي تاب من أرض مغصوبة وكان في وسط الأرض ومشى؛ نقول: هذا المشي طاعة؛ لأنك إنما مشيت من أجل التخلص. كم هذه من شرط؟
* الطلبة: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة.
الشرط الرابع: أن يَعْزِمَ على ألَّا يعود؛ فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح؛ كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تبت؛ لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟ هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية؛ كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزِّقون بها لحومهم، فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، يا فلان وأيش تقول لفلان؟ بيسب؛ هل هذا توبته صحيحة؟ لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على ألَّا يعود بدليل إنه من حين ما قال هذا الكلام يلّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة؛ نحن نقول: العزم على ألَّا يعود أو الشرط ألّا يعود؟
* الطلبة: العزم على ألّا يعود.
الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح، كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات؛ بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة، وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تُبت، لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟
* الطلبة: ما تصح توبته.
* الشيخ: هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية، كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضًا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويُسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزقون بها لحومهم فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] يا فلان، وأيش تقول بفلان؟ (…) هل توبته صحيحة؟
* الطلبة: ليست صحيحة.
* الشيخ: لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على أن لا يعود؛ بدليل أنه من حين ما قال هذا الكلام قال: يلَّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة. نحن نقول: العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟
* الطلبة: العزم على أن لا يعود.
* الشيخ: العزم على أن لا يعود؛ يعني معناه لو أنه عزم أن لا يعود، ولكن سوّلت له نفسه فيما بعد فعاد هل تبطل التوبة الأولى أو لا؟
* الطلبة: لا تبطل.
* الشيخ: لا تبطل التوبة الأولى، لكن يحتاج إلى توبة جديدة للعودة الأخيرة، أما التوبة الأولى فقد تمت، ولهذا نقول: الشرط العزم ألَّا يعود لا أن لا يعود، واضح؟
لو أنه عاد وتاب توبة نصوحًا، ثم عاد؟ يتوب، ثم عاد يتوب، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؛ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨ / ٢٩) من حديث أبي هريرة.]].
لأن هذا الرجل كان مخلصًا، ولكن هذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- لا ينطبق على كل تائب، إنما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل حصل منه هذا الشيء، ولكن لا يحصل لكل تائب.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن انقطع وقت القبول فلا توبة، وانقطاع وقت القبول نوعان: عام، وخاص؛ فالخاص: حضور الأجل لكل إنسان بعينه، والعام طلوع الشمس من مغربها، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨].
وإذا كان هذا الشرط محققًا دل هذا على أن التوبة واجبة على أيش؟
على الفور؛ لأن أحدًا لا يعلم متى يأتيه الموت، فإذا كنت لا تعلم متى يأتيك الموت لزم من ذلك أن تبادر بالتوبة، وأن يكون دائمًا على بالك أنك تائب إلى ربك راجع إليه حتى إذا قُدر أن الأجل أتاك بغتة وإذا أنت على أتم استعداد، نسأل الله أن يقينا وإياكم من غفلة القلوب، القلوب غافلة ما تحسب لهذا الشيء حسابًا. والواجب أن الإنسان يحسب لهذا الشيء حسابه، يكون دائمًا على ذكر التوبة، ولهذا «كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَيَتُوبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً[[أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة.]] »، أما العام فهو طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس هذه تدور بإذن الله منذ خلقها الله إلى أن يأذن الله بوقوفها، والعجيب أنها لا تتقدم ولا تتأخر! انظر إلى طلوعها مثلًا اليوم، اليوم الثاني من بُرج السنبلة، تطلع في الساعة كذا، الدقيقة كذا. هذا اليوم نفسه من مئات السنين السابقة وهي تطلع عليه، على هذا القدر الساعات والدقائق ما تختلف، لو أحصيتها منذ علم الناس التاريخ لوجدت أنها لم تختلف، تخرج في هذا اليوم من برج السنبلة في الساعة الفلانية والدقيقة الفلانية إلى يوم القيامة، وهي إذا غربت كما قال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: «إِذَا غَرَبَتْ تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَسْتَأْذِنُ هَلْ تَخْرُجُ ولَّا ترجع؟ إِمَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهَا وإما أن يُقالَ: ارْجِعي من حيثُ جِئْتِ، فترجعُ من حيث جاءتْ، وَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا كُلُّهُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]] كلهم يؤمنون؛ لأنهم حينئذٍ يعلمون أن لها ربًّا مُدبرًا، أما الآن فيظن أنها طبيعة، طبيعة تسود ها العالم على هذا النظام، لكن إذا اختل النظام ورجعت الشمس من المغرب آمنوا كلهم، المؤمن والكافر، كلهم يؤمنون. ولكن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] ما ينفعهم الإيمان؛ لأن هؤلاء آمنوا كإيمان الذين نزل بهم العذاب، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٤، ٨٥].
فالمهم أن شروط التوبة إذن خمسة، وقد قال بعض العلماء إنها ثلاثة فأسقطوا الإخلاص، وأسقطوا أن تكون في وقت القبول، ولكن لا بد من هذين الشرطين، لا بد من الإخلاص وأن تكون في وقت القبول.
* طالب: شيخ، تبطل إذا طلعت من مغربها أو ترجع؟
* الشيخ: والله ما أعلم في هذا شيئًا، لا أعلم في هذا شيئًا، هل هي ترجع دائمًا أو إذا خرجت على الناس، ورآها كلهم ودارت أربعًا وعشرين ساعة؛ لأنه لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة عشان تخرج على الناس كلهم؛ يعني لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة فإذا وصلت منتهاها حينئذٍ عاد ما ندري، الله أعلم هل تستمر ولَّا.
* طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ خالدين في لعنة الملائكة والناس أم خالدين في نار جهنم؟
* الشيخ: اللعنة؛ لأن (فيها) أي: في اللعنة.
* الطالب: معنى كده أن هذا ما يكون خلودًا أبديًّا.
* الشيخ: لأيش؟
* الطالب: لأن الناس يموتون مثلًا.
* الشيخ: لا لا، معناه أن الناس يلعنونهم ما هو بلسان المقال حتى بلسان الحال.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معلوم يا شيخ إن الإنسان يقع في معاصي كبيرة وقد لا يعلم يعني عن هذه المعاصي المعينة؟
* الشيخ: إيه؟
* الطالب: يعني لا يعلم المعصية المعينة اللي ارتكبها مثلًا يصخب ويغضب ولا يدري أن هذه معصية، فتوبته يعني عن هذه المعاصي التي يعني لا يعلمها كيف تكون؟
* الشيخ: يعني كأنك تقول: هل تصح التوبة على وجه الإجمال، هذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إي نعم، تصح؛ لأن الإنسان قد لا يحيط بذنوبه، ولهذا قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني.
* الطالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] (أل) هنا للجنس؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: طيب، تصدق للجنس ولَّا على كل فرد؟
* الشيخ: لا لا، للجنس.
* الطالب: ما هي صادقة على كل فرد؟
* الشيخ: ما تصدق على كل فرد.
* الطالب: يعني يوجد.
* الشيخ: يعني يُوجد رجال سفهاء، تقوم عليهم النساء، ويوجد رجال ما لهم عقول تقوم عليهم النساء.
* طالب: يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يعني ذكر الله لعنة الملائكة والناس، ولم يذكر لعنة الجن مع أن الجن مكلفين يعني عليهم تكاليف ما على الناس، كيف يعني؟
* الشيخ: الله أعلم، والله أعلم، الله أعلم أنه لما كان الجن غالبهم شياطين تضل الناس ذكر الذين أكمل منهم وهم الإنس والملائكة.
* طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ أن سبب نزولها أن رجلًا ارتد بعد إسلامه ثم أسلم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ يعني ماذا يصنع هل إسلامه صحيح؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ ما أدري صحيح؟
* الشيخ: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. هذا صحيح، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
* طالب: شيخ، حديث الرسول ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ ظُهُورًا -يعني- طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه مسلم (٢٩٤١ / ١١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. يعني طلوع الشمس من مغربها، يعني تكون قبل خروج الدجال وعيسى ابن مريم؟
* الشيخ: ما يمنع أن يكون المراد به الآيات الكبيرة، الآيات الكبار، وإلا ما فيه شك إن فيه آيات تكون قبل طلوع الشمس من مغربها.
* طالب: شيخ، في آل عمران قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾ [آل عمران ٨٤] وفي البقرة ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة ١٣٦] أيش (...)؟
* الشيخ: يعني أنه أعاد الفاعل هناك ولم يعده هنا؟ الظاهر -والله أعلم- ما أدري إن لم يكن اختلاف تعبير مثل ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٩١] و﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة ١٣٦] والمعنى واحد، أو أنه لما قال هناك قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦] ووجه الخطاب مباشرة إلى الناس صار لا بد أن يصرحوا بالإيمان بما أوتي النبيون، فالله أعلم.
* طالب: شيخ، هناك علامة لقبول التوبة؟
* الشيخ: إيه كيف؟! علامة؛ لأن الذنوب تؤثر على القلب الحي، القلب الحي تؤثر عليه الذنوب تجد أنه ينقبض ويضيق صدر الإنسان، فإذا تاب انشرح صدره، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر ٢٢].
* طالب: شيخ، كلما.
* الشيخ: وكذلك أيضًا من علاماتها أن الإنسان بدل أن يكون معه فتور عن الطاعة يجد معه نشاطًا على الطاعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] فيزداد الإنسان نشاطًا في الطاعة إذا قبل الله توبته.
* طالب: يا شيخ، يعني كلما رأى (...) في قلبه يكون من أثر المعاصي؟
* الشيخ: لا ما هو على كل حال، قد يدقه واحد يضربه ويضيق صدره، لكن إذا كان الإنسان يعني عاديًا ووجد انقباضًا فإنه من آثار الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٢ / ٤١)، من حديث الأغر المزني.]].
* طالب: ﴿