تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٨٦﴾
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ (كيف): استفهام بمعنى الاستبعاد؛ أي: يبعد جدًّا إن لم يمتنع أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم؛ يعني ارتدُّوا بعد أن آمنوا وعرفوا الحق فإن هدايتهم بعيدة؛ وذلك لأن من عرف الحق ثم ارتد عنه فهو أعظم جرمًا ممن لم يعرف الحق ولم يدخل فيه وبقي على كفره؛ ولهذا نقول: الكافر المرتد أعظم من الكافر الأصلي لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ففي الدنيا يُترك الكافر الأصلي على دينه ولا يجبر على تركه، لكن المرتد لا يُقَرُّ على رِدته؛ بل يجبر على أن يعود إلى الإسلام أو يقتل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ فالله عز وجل يقول: يَبْعُدُ أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، أما مَن كانوا على الكفر أصلًا فما أكثر الذين اهتدوا بعد أن كانوا على الكفر. ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ ﴿الرَّسُولَ﴾ هنا (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر لكنه معلوم ذهنًا. وبالمناسبة نقول: إن (أل) العهدية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: للعهد الذهني، والعهد الذكري، والعهد الحضوري. ثلاثة أقسام:
فالعهد الذكري: أن تكون داخلة على ما سبق ذكره.
والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر.
والعهد الذهني: أن تكون داخلة على شيء معلوم في الذهن؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ المراد به رسول الله محمد ﷺ؛ لأن قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ﴾؛ معناه أنه يتوقع أن يُهْدَوْا وهذا لا يمكن بعد نزول القرآن إلا أن يكون الرسول محمدًا ﷺ؛ وتقول مثلًا وأنت في البلد: جاء القاضي؛ أيُّ قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعروف.
العهد الذكري أن تدخل على ما سبق ذكره، على شيء قد سبق ذكره مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] مَنِ المراد بالرسول الأول؟
* الطلبة: موسى.
* الشيخ: الرسول الأول الذي أرسل إلى فرعون وهو موسى، وهنا العهد ذكري.
العهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر، وهذه أكثر ما تكون في (أل) الواقعة بعد اسم الإشارة، الواقعة بعد اسم الإشارة للحضور، للعهد الحضوري؛ لأن الإشارة تدل على مشار إليه والمشار إليه يكون حاضرًا فتقول مثلًا: هذا اليوم شديد الحر؛ أي يوم؟ الحاضر، يومنا هذا اليوم الحاضر؛ وكقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] اليوم يعني اليوم الحاضر. (أل) هناك (أل) ثانية قسيمة لـ(أل) العهدية وهي (أل) الجنسية، (أل) الجنسية تكون لبيان الحقيقة، ولبيان استغراق الحقيقة، فإذا قلت: الرجال أكمل من النساء؛ هذه لبيان الحقيقة الجنس، جنس الرجال أفضل من جنس النساء؛ ولا يعني أن كل واحد من الرجال أكمل من كل امرأة من النساء، ففي النساء من هي خير من كثير من الرجال، واضح؟ طيب، وتكون للعموم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢]. إن الإنسان لفي خسر؛ يعني كل إنسان، إنَّ كل إنسان لفي خسر، وهذه علامتها: أن يحل محلها (كلّ) بتشديد اللام. هنا ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ أي: حق ثابت صادق فيما أخبر به، عادل فيما حكم به ﷺ، ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ جاءهم البينات يعني الآيات البينات التي تبيِّن صِدق ما جاء به الرسول ﷺ؛ والبينات مؤنث ولم يؤنث فعله؛ لوجهين:
الوجه الأول: أنَّ تأنيثه غير حقيقي.
والوجه الثاني: أنه فُصل بينه وبين الفعل، وقد جاءت في القرآن مؤنثة ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢١٣]؛ لأنه يجوز هذا وهذا؛ ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ الجملة استئنافية وهي كالتعليل لِمَا قبلها من حيث المعنى كأنه يقول: إنما لا يهديهم الله؛ لأنهم ظلمة ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، الظالمين الذين ظلموا أنفسهم حيث بان لهم الحق واتضح وجهه ومع ذلك كفروا. ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ الآية الأولى لم نعربها، قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾؛ ولكن يَحتمل معنًى آخر وهو أن تكون للحال؛ يعني وقد شهدوا أن الرسول حق، كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا أن الرسول حق؛ لأن عطفها على ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ الكفر لو كان فيه شهادة لا تنفع الشهادة فيه. ثم قال: ﴿