×
آل عمرانالآية ٨٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴿٨٣﴾

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. * في هذه الآية: الإنكار الشديد على من ابتغى غير دين الله. * ومن فوائدها: أن من ابتغي غير دين الله ولو في التنظيم وما يسمى بالقانون، فإنه مستحِقٌّ لهذا التوبيخ العظيم؛ ويدل لذلك قوله تعالى في سورة المائدة وهي آخر ما نزل أو من آخر ما نزل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] وحكم الجاهلية ما هو؟ كل ما خالف حكم الشرع فهو حكم جاهلية؛ لأن حكم الشرع مبني على علم فما سواه مبني على جهل؛ وهذا في غاية ما يكون من التوبيخ والتقريع أن تبتغي حُكْمًا جاهليًّا وتَدَعَ حكم مَن؟ حكم العليم الخبير ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ وبه نعرف أن من ابتغي حُكْمًا بغير حكم الله فهو من أضل عباد الله، وأسفه عباد الله، وأخسر عباد الله، وأنه لن تصلح له أمور دينه ولا دنياه، والعياذُ بالله! * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من شرط صحة العمل وقبوله أن يكون موافقا لشرع الله؛ وجهه؟ أن الله أنكر على من بغى دينًا غيرَ دين الله؛ ولهذا كان من شرط العبادة الإخلاص لله وموافقة شريعة الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: تشريف هذا الدين الذي شَرَعَهُ الله؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، فقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الحجة على أنه لا يليق بالإنسان أن يبغي دينًا غيرَ دين الله وهو مربوب مملوك لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ وقد مر علينا في التفسير أن هذه الجملة يحتمل أن تكون حالية ويحتمل أن تكون استئنافية. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم مُلْكِ الله وسلطانه؛ من أين تؤخذ؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ وهذا تمامُ السلطان والملك؛ أنَّ كل من في السماوات والأرض فهو مستسلم لله طائعًا كان أم مكرهًا؛ ولذلك لا أحد يمكنه أن يشذ أو يقاوم قَدَرَ الله؛ لو جاء أعتى خلق الله يريد أن يقاوم ما أراد الله تعالى قَدَرًا هل يمكنه ذلك؟ أبدًا؛ فرعون جبار، عنيد، أُغرق بما كان يفتخر به ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]؛ بأي شيء أُهلك؟ * الطلبة: بالماء. * الشيخ: بالماء الذي كان يفتخر به. وعادٌ استكبروا في الأرض ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأهلكوا بماذا؟ بالريح، هواء، هواء سخره الله عليهم حتى دمَّرهم ﴿أَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]. هذا تمام القوة والقدرة، وضعفاءُ الإيمان اليوم إذا قيل لهم: ارجعوا إلى دينكم تُنصروا على أعدائكم قالوا: أيش تُنصروا على أعدائنا، ويش نزين إحنا؟ ما نعرف أن نزين الإبرة، كيف نقاوم أهل الصواريخ وأهل المدافع وأهل القنابل الموجَّهة؟ لم يعلموا أن الأمر بيد الله عز وجل وأنه سبحانه وتعالى إذا شاء طبَّق عليهم الأرض تطبيقًا، خُسف بهم إلى السابعة بكلمة واحدة؛ لو صَدَقنا اللهَ لصَدَقنا اللهُ لكننا -في الحقيقة- ضيَّعنا أمرَ الله فلما نسِينا اللهَ نَسِيَنَا اللهُ عز وجل، تَرَكَنَا. سمعت أنا قبل سنوات أن الله أرسل على واشنطن عاصمة أمريكا، هي العاصمة ولا شبه العاصمة؟ * الطلبة: هي العاصمة. * الشيخ: أرسل عليها صواعق، صواعق من هذا الغمام الّلي مثل القطن، صواعق يعني دمرتها تقريبًا حتى قطَّعت أسلاك الكهراب وسككت المكاين وصارت هذه العاصمة الّلي من أكبر عواصم الدنيا صارت دامسة وحصل سطو عظيم على الفنادق وعلى محلات التجارة، وصار شيء، نهب وغيره؛ وهذه الصواعق يعني من أدنى شيء؛ الزلزال يضرب الأرض وفي لحظة واحدة يدمر مئات المدن والقرى، مئات المدن والقرى؛ وبماذا حصل هذا الزلزال؟ بكلمة واحدة وهي؟ * الطلبة: كُنْ. * الشيخ: (كن)، بس، (كن)، انقلب أعلى الأرض أسفلها وتغيرت المعالم الأرض كلها، فنحن إذا صَدَقْنَا اللهَ صَدَقَنَا اللهُ. يُذكر أن سعد بن أبي وقاص وهو يطارد الفُرس من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى دجلة، لما وصل إلى دجلة انتقل الفُرس إلى المدائن من وراء دجلة من الشرق أغرقوا السفن وكسَّروا الجسور؛ من أجل ألّا يعبر إليهم المسلمون، وقف سعد ليس معه إلا إبل وخيول وراجلة وقف ما يقدر يروح، فنادى سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال له: يا سلمان أعطنا مِن، يعني من تصميمك للحرب؛ لأنه هو الذي أشار على الرسول ﷺ بالخندق؛ قال: والله يا سعد ما فيه مدد الآن، ما فيه حيلة إلا ما كان من تقوى الله، ولكن دعني أنظر في الجند، إن كانوا على تقوى من الله فإنّ الذي فلَقَ البحر لموسى سَيُيَسِّرُ لنا العبور على هذا البحر؛ لأن هذه الأمة خير من أمة موسى. الله أكبر شوف الإيمان. فذهب سلمان ونظر في الجند (...)، ويش ينظر؟ في الليل يبيتون لربهم سجَّدًا وقيامًا، وفي النهار في شأن الحرب وما يصلح للحرب، فرجع إليه بعد ثلاث وقال: والله، هم على خير ما يُرام، ولكن استعن بالله واعبُر. فنادى سعد بن أبي وقاص في القوم وقال: إنا عابرون إن شاء الله، ولكن سأقف وسأقول: باسم الله وأُكَبِّرُ اللهَ ثلاثًا، فإذا كبَّرْتُ الثالثة فاعبروا. ففعل فقال: باسم الله ثم كبَّر ثلاثًا، ولَمَّا كبر الثالثة عبر الناس يمشون على الماء والنهر يقذف بزَبَدِه يمشي يسير؛ تعرفون النهر ما هو مثل البحر واقف، يمشي؛ يقول أهل التاريخ حتى إن الفرس إذا تعب أنشأ الله له ربوة من الأرض فوقف الفرس عليها يستريح حتى عبروا دجلة؛ فلما رآهم الفرس ضجُّوا وصاحوا وقالوا: إنكم إنما تقاتلون جِنًّا لا طاقة لكم بهؤلاء، فِرُّوا، ففروا وخرجوا من المدائن وانكسروا -ولله الحمد- براية التوحيد والجهاد الذي أنشئ على التقوى لتكون كلمة الله هي العليا، ليس لطلب الشهادة وليس من أجل القومية أو العصبية أو الوطن؛ ما على بالهم إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، يكون هذا القرآن هو القانون لأهل الأرض. أهل المدائن هربوا منها العاصمة، عاصمة الفرس، فجاء المسلمون وفتحوها وكسبوا من الأموال ما لا يعلمه إلا رب العباد مثلما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا -كُنُوزُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ- فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦١٨)، ومسلم (٢٩١٨ / ٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وأخذوا التاج، تاج كسرى، وهو الذي يجلس تحته فوق رأسه مُرَصَّع باللآلئ والذهب وما شاء الله من حُلِيِّ الدنيا؛ فأرادوا أن يُقِلُّوه لم يجدوا إلا جملين كبيرين يحملانِهِ من المدائن إلى المدينة. في ذلك الوقت ما في سفن كبيرة ولا سيارات كبيرة، فحملوه على جملين من المدائن إلى المدينة فوضعوه بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما أدراك ما عمر الذي عدل فعدلوا وأمن فأمنوا! قال: والله -وهو ينظر إليه- إن قومًا أدَّوْا هذا لَأُمناء. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: نعم يا أمير المؤمنين، إنهم أمناء؛ لأنك كنت أمينًا، ولو أنك رَتَعْتَ لرتعوا[[ينظر الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٦٢)، والبداية والنهاية ط هجر (١٠/ ١٧).]]. الله أكبر؛ فهذا تاج كسرى من المدائن يوزَّع بين المسلمين في المدينة؛ هؤلاء مَن الذي نصرهم حتى عبروا النهر بخيلهم ورَجْلِهم إلا الله عز وجل؟ لماذا لا نؤمن بهذا؟ والله إننا ضعفاء الإيمان، لماذا لا نؤمن؟! أليس الربُّ عز وجل -وهو أصدق القائلين وأقدر الفاعلين- يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١]. تأكيدات لفظية ومعنوية في الآيتين من الله عز وجل، فلو كان عندنا إيمان حقيقي لَكُنَّا أول مَن يأخذ بهذه الآية؛ نشوف بأي شيء ننصر الله؟ لأن اللهَ شرَطَ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ بأي شيء ننصر الله حتى نشوف؟ الآن تأتي النَّكَبات للمسلمين متنوعة، نكبات متنوعة، ما رأينا أحدًا إلا القليل النادر يقول: يا جماعة ارجعوا إلى دينكم، البلاء منكم؛ من الذي تكلم وقال: إن الخطأ خطؤنا؛ الظلمَ ظُلمُنا؛ فلنرجع إلى ربنا حتى لا يُسلَّطَ علينا هؤلاء الظالمون؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]. تأتي النكبات وكأنها حوادث مادية لا علاقة لها بالدين مع أننا مسلمون، والمسلم هذه الحوادث ما تكون إلا بفعله؛ الكافر ربما يُعطى في الدنيا ما يريد؛ لأنه عُجلت له طيباته في الحياة الدنيا، يُنَعَّمُ في الدنيا أكثر مما ينعم المسلم لأجل إذا انتقل إلى الآخرة صار العذاب عليه أشد؛ لأنه انتقل من أين؟ * طالب: من نعيم.. * الشيخ: من نعيم إلى عذاب، من نعيم إلى عذاب؛ فيفقد هذا الّلي كان يدركه في الدنيا يكون عليه أشد، يكون عليه أشد وأعظم؛ لهذا وصيتي لكم في مثل هذه الظروف أن توعُّوا الناس تقولوا: هذا الذي أصابنا ما هو أمر حدث مادي؛ خلاف من أجل المال أو الاقتصاد أو الحدود أو الأرض أو ما أشبه ذلك لا، هو قدر إلهي سُلِّطَ بعضُنا على بعض؛ لأننا أضعنا أمر الله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠] أما أن نبقى هكذا ولا كأن شيئًا جرى، ما كان شيء جرى؛ التاجر في كذبه وغشه، الموظف في خيانته وعدم القيام بالعمل، كل إنسان في الذي هو فيه ما كأن شيئًا جرى؛ فهذا لا شك أنه يدل على موت القلوب وقسوتها وأنها لا تَتَّعظ، وأن الأمور والحوادث يوشك أن تتطور وتتغير إلى أسوأ؛ لأن الله عز وجل يُحْدِثُ مثل هذه الأمور لعلنا نُحدث توبة؛ كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الكسوف: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْدِثُهُ لَعَلَّ الْعِبَادَ يُحْدِثُونَ لِلَّهِ تَوْبَةً»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب بلفظ «لَكِنَّهَا آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادُهُ، فَيَنْظُرُ مَنْ يُحْدِثُ لَهُ مِنْهُمْ تَوْبَةً».]]. ولكن أين القلوب الواعية؟ نسأل الله أن يوَعِّيَنا وإياكم. * الطلبة: آمين. * الشيخ: الحاصل: أن الله ينكر على هؤلاء الذين يبغون غير دين الله ويقول: كيف تبغون غير دين الله والأمر كله لله ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؟! من فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات وأنها عدد، وقد جاءت الأدلة بأنها سبع، وكذلك الأرض هي سبع لكن لم يُفْصِحِ الله تعالى بها في القرآن بل قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وجاء الإفصاح بها في السنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرجوع إلى الله ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يرجعون في الدنيا ويرجعون في الآخرة؛ أما في الدنيا فإن المرجع إلى الله في الأحكام؛ الحكم لله، العبادة لله، الأمر لله، النهي لله؛ نرجع إليه، إلى شرعه لا إلى رأي فلان وفلان، ولا إلى قانون فلان وفلان، ولا إلى نظام فلان وفلان وإنما نرجع إلى الله؛ كذلك نرجع إليه في الآخرة، الرجوع إلى الله في الآخرة وسوف يحاسب كل إنسان على ما عمل ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البقاء لله؛ لأنه إذا كان مرجع كل الخلق لزم من ذلك أنه سيبقى عز وجل؛ ليكون مرجعًا لجميع الخلق.