تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿٨٢﴾
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾،﴾ ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾؛ يعني من أمم هؤلاء الأنبياء، ولا تَرِد هذه الشرطية على الأنبياء؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شهدوا على أنفسهم وشهد الله معهم، لكن إنما ترد هذه الشرطية على مَن؟
* الطلبة: أتباعهم.
* الشيخ: على أتباعهم؛ يعني فمن تولى من أتباع الأنبياء بعدما ذُكِّر من هذا الميثاق العظيم فهو فاسق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يطلق على الكفر؛ ومن شواهد ذلك ما ذكرناه في الدرس ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ١٨ - ٢٠]
* ومن فوائد الآية: أن من تولى قبل قيام الحجة عليه لم يُحكم عليه بفسق؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾.
* ويتفرع على هذا فائدة مهمة وهي: أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، الشرائع لا تلزم قبل العلم؛ وهذه مسألة عظيمة، مسألة عظيمة جدًّا اختلف فيها العلماء اختلافًا طويلًا عريضًا؛ لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة وتأمل أيضًا ما لله من صفات عظيمة تبيَّن له أن الشرائع لا تلزم قبل العلم؛ لأن الله كتب على نفسه أنَّ رحمته سبقت غضبه؛ ولو قلنا بوجوب الشرائع قبل العلم لكان الغضب سابقًا على الرحمة؛ لأننا نُلزم الإنسان بشيء لم يعلمه، لكن ربما يكون من الإنسان تفريط في السؤال ما يسأل، يعني لا يسأل فحينئذ قد نُلزمه قبل أن يعلم من أجل أيش؟ من أجل تفريطه. أما لو لم يكن مفرطًا كإنسان نشأ في بادية ولا يعلم شيئًا عن الدين، وليس عنده عالم، ولا طَرَأَ على باله فكان يصلي على جنابة بدون اغتسال وبقي على هذا عشر سنوات أو أكثر فجاء يسأل، ماذا نقول له؟
* طالب: هذا جاهل لا يعرف.
* الشيخ: نقول: ليس عليك شيء؛ لأنك لم تعلم بوجوب الغسل من الجنابة، لكن لو كان في البلد ويسمع ويستطيع أن يسأل فربما نلزمه بقضاء ما مضى؛ ومن ذلك ما يحدث لكثير من النساء التي تبلغ وهي صغيرة، تبلغ بالحيض وهي صغيرة ولكنها لا تصوم بناء على أنها صغيرة وأن الصوم لا يلزم إلا من تم لها خمس عشرة سنة؛ ثم تأتي تسأل فإذا علمنا من حالها أنها معذورة بالجهل فإننا لا نلزمها بقضاء ما فات من الصيام؛ لأنها معذورة، وهذا في الذي ينتسب للإسلام نعذره ونحكم بإسلامه ونصلي عليه إذا مات؛ أما من لا ينتسب للإسلام فهذا كافر، كافر في الدنيا، وأما في الآخرة فعلمه عند الله؛ فالقوم الذين لم تبلغهم الدعوة وهم كفار هؤلاء كفار في الدنيا لو ماتوا ما نصلي عليهم ولا ندعوا لهم لكن في الآخرة الصحيحُ أنَّ أمرَهم إلى الله وأن الله تعالى يمتحنهم بما يشاء من تكليف فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار؛ أرجوا الانتباه لهذه المسألة، أما من ينتسب للإسلام ولكنه على حال تكفِّرُهُ مِن تركِ واجبٍ أو فعلٍ مُحَرَّم وهو لم يبلغه الشرع، فإن القول الراجح أنه لا يُحكم بكفره لأنه معذور؛ ولهذا تجد نصوص الكتاب والسنة كلَّها أو غالبها مقيَّدًا ببلاغ الرسالة بالعلم بالتبيُّنِ وما أشبهَ ذلك، وهذا، كما قلت لكم، هو مقتضى صفة الله عز وجل وهي أن رحمته سبقت غضبه -والحمد لله رب العالمين- ولهذا يقول: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾.
وأما من قال: إن ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إن هذا القيد من أجل عِظَمِ الشناعة عليهم، وإنَّ مَن تولَّى وإنْ لم يتبيَّن له الأمر فهو فاسق لكن قيَّدَهُ بالبَعْدِيَّةِ من أجل عظم الشناعة عليهم فهذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن ما قُيِّد بوصف فالوصف عائد له نفسه لا إلى شيء آخر، وهنا الذي قُيِّدَ بالبعدية ما هو؟ التولي؛ فإذا تولَّى بعد أنْ بلَغَه العلم فهو فاسق.
ثم قال عز وجل: ﴿