تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿٨٠﴾
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران ٨٠] يعني وما كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يقول لكم: كونوا عبادًا لي فإن هذا مستحيل غاية الاستحالة أن يمنّ الله على شخص بالكتاب والحكمة، ثم يأمر الناس بعبادته أو يقول: اعبدوا الملائكة والنبيين اتخذوهم أربابًا هذا شيء مستحيل.
وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ الملائكة جمع (ملَك) وأصله (مَأْلَك) من (الأَلُوكة) وهي الرسالة، فصار قُلِب على وجه الإعلال الصرفي إلى (مَلْأَك)، فُزحزحت الهمزة إلى مكان اللام وقُدّمت اللام إلى مكان الهمزة، وأصل (الأَلُوكة) هي الرسالة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١].
للمرة الثانية نقول: الملائكة جمع (ملَك) وأصله من (الألوكة) وهي الرسالة، وعلى هذا فيكون أصلها (مَأْلك)، ثم نقلت الهمزة إلى محل اللام واللام إلى محل الهمزة فصار (مَلْأك) وملأك جمعه (ملائك) والتاء للتأنيث اللفظي، ثم خُفّفت أيضًا (ملأك) بحذف الهمزة فصارت ملكًا.
الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناسلون وإنما هم عباد لله مكرمون ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٧]، ولهم أعمال وأوصاف سبق لنا الكلام عليها بما يغني عن إعادته.
قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة: ﴿وَالنَّبِيئِينَ﴾ على تحقيق الهمزة.
﴿أَرْبَابًا﴾ جمع (ربّ) يعني أربابًا تعبد من دون الله وتُقصد من دون الله، فإن هذا مستحيل أن يقع ممن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة.
قال الله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٠] الاستفهام هنا للنفي؛ يعني لا يمكن أن يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون.
وفي قوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ قراءتان: ﴿يَأْمُرْكُمْ﴾ تخفيفًا، و﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ على الأصل، وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني بعد أن تقرر إسلامكم وثبت فإنه لا يمكن أن يأمركم بالكفر.
قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾.﴾ من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن فريقًا من أهل الكتاب يحرفون الكلم إما لفظًا وإما معنى.
* ومن فوائد الآيات: سوء مقصد هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، ما هو المقصد؟ لإضلال الناس ليحسبوه من الكتاب.
* ومن فوائدها: أن الله عز وجل يحب من عباده الهدى وأن يهتدوا، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] حتى لا يغتر الناس بهذا الليّ الذي حصل من هؤلاء.
* ومن فوائد هذه الآية: الحذر من الكفار، ومن زخارف القول التي تصدر منهم؛ لأنهم يلبسون الحق بالباطل ويريدون أن يضلّوا الناس.
* ومن فوائد هذه الآية أيضًا: الحذر ممن اتصف بصفاتهم من هذه الأمة فصاروا يلوون ألسنتهم بالكتاب، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي، وأصل الحديث في البخاري (٣٤٥٦) ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فإذا كان في أهل الكتاب من يلوون ألسنتهم بالكتاب فسيوجد في هذه الأمة أيضًا من يلوي لسانه بالكتاب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن أهل الكتاب منهم من يفتري الكذب على الله؛ ومن ذلك كذبهم في عقوبة الزاني المحصن، فإن عقوبة الزاني المحصن عندهم الرجم؛ أن يُرجم حتى يموت، ولكن لما كثر الزنا في أشرافهم عدلوا عن هذا وقالوا: كيف نقتل أشرافنا؟ إذن ماذا نعمل؟ قالوا: نسوّد وجهه ونطوف به هو والمرأة التي زنا بها على حمار يكون دبر أحدهما إلى دبر الآخر وهما راكبان على الحمار ونطوف بهم في العشائر بين الناس، ثم تنتهي القضية، فحرَّفوا وكتموا؛ حرَّفوا حيث ادعوا أن هذا هو حد الزنا للمحصن، وكتموا حيث قالوا: ليس في التوراة الرجم، ولهذا لما أنكروا أن يكون في التوراة الرجم طلب النبي ﷺ منهم أن يأتوا بالتوراة، فأتوا بها، فجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، لأيش؟ لأجل أن يخفيها، ولكن أُمِر أن يرفع يده، فلما رفع يده وإذا بآية الرجم تلوح بينة واضحة، فأمر النبي ﷺ برجمهما؛ أي رجم الزاني والزانية، فالحاصل أن من طريق أهل الكتاب أنهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون.
ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران ٧٩]. إلى آخره.
* فمن فوائد هذه الآية: الرد على النصارى الذين زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام له الحق في أن يُعبد من دون الله، ولهذا يقول الله له يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة ١١٦]، فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني لا يمكن أن أقول هذا، والنصارى يدَّعون أن من دينهم التثليث؛ أي: أن الله ثالث ثلاثة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالعلم النافع فإنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه فيقول: كونوا عبادًا لي من دون الله.
* ومن فوائدها: أن من ألزم الناس أو أراد منهم أن يتّبعوا قوله مهما كان فإنه قد أمرهم أن يتخذوه بل قد جعلهم عبادًا له؛ لأن طاعة الشخص من العبادة كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٩] فقال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟». قال: نعم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٢٦١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فقد لا يقول الإنسان للناس: اعبدوني اركعوا لي واسجدوا، لكن قد يقول: التزموا بما أقول، وهذا نوع من العبادة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالكتاب والحكمة والحكم والنبوة فإنه لا يأمر إلا بخير لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران ٧٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معلّمًا ربانيًّا لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أما ما يحصل من بعض الناس وهو أن يكون معلمًا لا ربانيًّا فإن علمه قاصر، قاصر جدًّا؛ لأن فائدة العلم وثمرته هو العمل والتأدب بآداب العلم، فإذا كان هذا الرجل يملأ أدمغة الطلاب علمًا ولكن ليس هناك سلوك وأخلاق وأعمال وعبادة فإن تعلميه ناقص جدًّا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على منكري الأسباب لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ والباء للسببية، ولا شك أن الأسباب ثابتة، ولكنها ليست مستقلة بالإيجاد أو الإعدام، بل هي مؤثرة بما أودع الله فيها من قوة التأثير، وبهذا ندفع شبهة من قالوا بنفي الأسباب محتجّين بأن إثبات الأسباب يستلزم إثبات خالق مع الله، ونحن نقول لهم: إننا نثبت الأسباب لكنها أيش؟
* طالب: غير مؤثرة بنفسها.
* الشيخ: لا تؤثر بنفسها، بل بما أودع الله فيها من القوة، والدليل على هذا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقي في النار قال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، ما تأثر بها مع أنها مُحرقة، قال أهل العلم: ولو قال الله تعالى: كوني بردًا ولم يقل: وسلامًا لأهلكته من البرد؛ لأنها تمتثل أمر الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعلم للناس يصح أن نسميه ربانيًّا؛ لأنه قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧٩]، ولهذا نجد في تراجم العلماء رحمهم الله نجد كثيرًا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني.
* ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران ٨٠] إثبات الملائكة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، فلا يتم إيمان العبد حتى يؤمن بالملائكة.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هذا الذي منّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لا يمكن أن يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يدعو الناس إلى عبادة نفسه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أمر غيره أن يكون عبدًا له فقد أمر بالكفر، ومن أمر أن تُتخذ الملائكة والنبيون أربابًا فقد أمر بالكفر لقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٠].
* ومن فوائدها: أن هذا الكفر مخرج عن الملّة لقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.