تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٨﴾
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨]. في الآية دليل على أن الأولويات تختلف، أي أن الناس يتفاضلون بالأولوية والولاية؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾، و(أولى) اسم تفضيل، والتفضيل يدل على مفضل وأيش؟ ومفضل عليه، ولا شك أن الولاية درجات، الولاية درجات، فأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعه، يعني القوم الذين اتبعوه في عهده؛ لأن القوم الذين اتبعوه في عهده اتبعوه في أصل الدين وفي فروع الدين، يعني في جليل الدين ودقيقه، اتبعوه، ولهذا قدم الذين اتبعوه على النبي والذين آمنوا؛ لأن النبي ﷺ والذين آمنوا لم يتبعوا إبراهيم في فروع الشريعة، بل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، لكن اتبعوه في أصل الدين والاستسلام له عز وجل، وإلا فلا شك أن النبي محمدًا ﷺ أفضل من الذين اتبعوا إبراهيم، بلا شك، بل وأتباع الرسول أفضل من أتباع إبراهيم.
* من فوائد الآية الكريمة: شرف النبي ﷺ ومن آمن معه، بكونهم أولى الناس بمن؟ بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم، كل أمة تقول: أنا أولى به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على اليهود والنصارى، حيث ادعوا أنهم أولى الناس بإبراهيم، فكذبهم الله.
من فوائدها: تشريف النبي ﷺ بالإشارة إليه من رب العالمين، في قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات نبوة الرسول ﷺ، وهذا أمر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، ثم قال في هؤلاء النبيين: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥] إذن فكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، بدليل آية النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله للمؤمنين في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الولاية كما قلنا آنفا ولاية خاصة، تقتضي عناية تامة، وكل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل.
(كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل) * هذه فائدة، من أين أخذناها؟
من قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه، هذه قاعدة مفيدة: كل حكم معلق بوصف فإن هذا الحكم يزداد قوة بقوة الوصف الذي علق عليه الحكم. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إلي؛ لأن المحبة علقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح ازدادت المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ علقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانا كانت ولاية الله له أتم وأخص.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويكمله بقدر استطاعته؛ من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليا.
نقول: الأمر سهل، حقق الإيمان يكن الله لك وليا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل، لا للدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة، والأسباب شرعية وعقلية وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة، هذا سبب شرعي ولّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي. العسل سبب للشفاء.
فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إليّ؛ لأن المحبة عُلقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح أيش؟ ازداد المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] عُلّقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كانت ولاية الله له أتم وأخص.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقّق إيمانه ويكمّله بقدر استطاعته من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليًّا، نقول: الأمر سهل؛ حقق الإيمان يكن الله لك وليًّا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحبَّ في الله، وأبغضَ في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تُنال ولاية الله بذلك هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل لا للدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة.
والأسباب: شرعية، وعقلية، وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببًا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة هذا سبب شرعي ولَّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي، العسل سبب للشفاء، هو قدَري علمنا به من طريق الشرع؛ يعني من طريق الوحي، كون الماء سببًا لنبات الأرض المطر؟ سبب حسي.
* طلبة: شرعي حسي.
* الشيخ: نعم، هو أخبر الله به، لكن نحن نشاهد، لو فرض أنه ما في قرآن يدلنا على هذا شاهدنا بأنفسنا فهو سبب حسي.
الأدوية الطبيعية التي تستخرج بالتجارب أسباب حسية، أما الأسباب العقلية فهي كثيرة جدًّا، كل شيء يترتب على شيء عقلًا فهو أيش؟ سبب عقلي، والأسباب الشرعية والحسية والعقلية كلها مؤثرة بذاتها حيث أودع الله فيها التأثير.
وإنما قلت ذلك؛ لأن بعض الناس غالى في التنزيه فقال: إن الأسباب لا تؤثِّر بذاتها، وإنما يكون التأثير عندها لا بها، فقالوا مثلًا: إن الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن حصل الإحراق عند تماس النار بما يقبل الاحتراق حصل الاحتراق، أما النار ما هي بتحرق، لو جعلت النار تُحرق وتقلب الشيء مما كان عليه من أول لأثبتّ مع الله خالقًا وصِرت مشركًا، من اللي يقلب هذا العود إلى رماد؟
* طلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: يقول: ما يقدر على هذا إلا الله، أنت لو قلت: إن النار هي اللي قلبت أشركت بالله، إذن لا تقول: النار أحرقت، احترق عندها. أخذت حجرًا فرميتَ به كأس زجاج فانكسر قال: لا تقل إن الحجر هو اللي كسره، من يستطيع يفصل بين هذه الأجزاء المتلاصقة إلا الله، فأنت إذا قلت: إن الحجر هو اللي كسرها كنت مشركًا، فإثبات تأثير الأسباب شرك، قال: انكسر عندها لا بها، انكسر عندها عند الحجر لا بالحجر، سبحان الله حط حجرًا ثقيلًا جدًّا جدًّا على الزجاج ينكسر ولَّا لا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: اضربوه بحجر صغير ينكسر، إذن كيف تقول: عندها؟ لو كان عندها كان لو حطينا حجرًا كبيرًا انكسر ولو ضربناه بحجر صغير ما ينكسر.
لكن نقول: الأسباب مؤثرة، لكن الله أودع فيها هذا التأثير، الله هو اللي أودع فيها هذا التأثير، لولا أن الله أودع فيها هذا التأثير ما أثرت، ولهذا لما ألقي إبراهيم في النار فقال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] أثَّرت؟ ما أثرت.
إذن عرفنا الآن أن الأسباب جعلها الله مؤثرة بذاتها ليست هي اللي تخلق أو خلقت بذاتها، ولكن الله أودع فيها هذه القوة التي يكون بها المسبَّب، واضح يا جماعة؟ وهذا هو المعقول، فنحن لا نغالي أيضًا في إثبات الأسباب ونقول: إن هذا يكون بدون الله ولا نغالي في التنزيه ونقول: إن الأسباب لا تؤثر، وإنما يحصل الأثر عندها لا بها، كلا الأمرين خطأ.
والوسط في الغالب يكون هو الحق؛ لأنك تجد المتطرفين كل واحد أخذ بجانب من الحق وترك جانبًا، والوسط يأخذ بالجانبين فيكون وسطًا.
* طالب: قلنا: إذا ازداد الإيمان ازدادت ولاية الله مثلًا (...) يقول: إن النبي ﷺ (...) تكرار شديد، كما قلنا أيضًا من زيادة الإيمان هو الحب في الله والبغض في الله، وبعدين ذكر في (...) أشياء لا يمكن للإنسان أن يزيد فيها ولا ينقص أن يؤمن بالله وملائكته؟
* الشيخ: لا، لا، لكن هل إيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله متساوٍ؟
* الطالب: لكن الآن ما أستطيع بالنسبة لي أنا كمؤمن فرداني شخص مؤمن بهذه الأمور كيف أزيد فيها؟
* الشيخ: لكن هل إيمانك مثل إيمان الثاني والثالث؟
* الطالب: لا، طبعًا لا.
* الشيخ: حتى إيمانك في يوم من الأيام ليس كإيمانك في يوم آخر.
* الطالب: لكن كيف أن أزيد فيها؟ الإيمان بالله.
* الشيخ: أنت تزيد فيها؛ يعني أحيانًا يأتي الإنسان مثلًا قوة إيمان كأنما يشاهد الأمر رأي العين وأحيانًا مع الغفلة ما يكون هكذا.
* طالب: هنا يقصد يا شيخ بالنسبة الآن قال النبي ﷺ حدد الأمور التي يؤمن بها؟
* الشيخ: طيب أن تؤمن بالله وملائكته إلى آخر الأركان الستة، هل الناس يتساوون في الإيمان بهذه الأمور الستة؟
* الطالب: لا يتساوون.
* الشيخ: إذن كلما قوي إيمانك بهذه ازدادت ولاية الله لك.
* الطالب: (...) الحب والبغض.
* الشيخ: نعم، الحب في الله لإيمانك بالله أحببت في الله.
* الطالب: يا شيخ، في الأسباب عندما يذهب أحد المرضى إلى المشعوذين نقول: إنه حصل الشفاء عنده لا به يعني بسببه، ما الفرق بين هذه وبين الأول؟
* الشيخ: لأن الله لم يجعل كلام المشعوذين سببًا، نقول: لا بد أن يشهد الشرع أو الحس أو العقل بأن هذا سبب، أما مجرد يجيء مشعوذ يتكلم عندنا ما نقبل، يعني لو أن واحدًا قال: أنا أدعو هذا الولي ويُستجاب لي، امرأة تقول ليست تحمل أبدًا وراحت لقبر هذا الولي وتمرغت عليه وأخذت منه ترابًا ووضعته في فرجها عند الجماع وأراد الله أن تحمل، نقول: حصل هذا بتراب هذا الولي؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لأيش؟ لأن هذا ليس سببًا شرعيًّا ولا حسيًّا ولا عقليًّا، فلا بد من أن يثبت كون هذا الشيء سببًا، ولهذا كانت التمائم شركًا، لأيش؟ لأنها ليست سببًا حسيًّا ولا شرعيًّا ولا عقليًّا.
* الطالب: فيه كون الأنبياء اتفقوا في أصل التوحيد واختلفوا في فروع الدين، فاستدل بعض الناس بخلافهم في فروع الدين بجواز تعدد الجماعات الإسلامية إذا لم تختلف، أما إذا اختلفت؟
* الشيخ: اللهم نعم، أنا أوافقهم على تعدد الجماعات الإسلامية إذا كان كل رئيس لهذه الجماعات يقول: إنه نبي!! نوافقه على هذا!! إذا كان يدعي أنه نبي نقول: لا بأس، أما أن نبينا واحد وديننا واحد فلا يمكن أن نقر هذا المبدأ، تعدد الجماعات الإسلامية أبدًا، هؤلاء أنبياء مستقلون، فإذا كان هؤلاء يدعي رؤساؤهم بأنهم أنبياء فعلى العين والرأس لكن ما يدعون هذا، هم أبعد الناس عن هذه الدعوى.