×
آل عمرانالآية ٦٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿٦٧﴾

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ما كان متعصبًا كما أنتم متعصبون؟ * الشيخ: إي يعني ما كان على طريق اليهود والنصارى. * الطالب: كيف يعني ما كان متعصبًا؟ * الشيخ: يعني ما كان على طريقكم؛ يعني إن كنتم صادقين أنكم على طريق إبراهيم أو أن إبراهيم على طريقكم فاتبعوا محمدًا. * الطالب: بس قولهم: متعصب، كيف.. * الشيخ: يعني مثلًا الآن الذي يأخذ بمذهب قوم ما هو بينسب إليهم؟ * الطالب: بلى. * الشيخ: كذا ولّا لا؟ إذن هؤلاء اليهود متعصبون لدينهم، والنصارى متعصبون لدينهم، إبراهيم ما نقول: إنه كان يهوديًّا متعصبًا أو نصرانيًّا متعصبًا، إبراهيم عليه الصلاة والسلام مسلم لله، ما هو يتعصب ليهودية ولا نصرانية. * الطالب: بس قلنا: إنه لو كان أتى إلى وقت الرسول ﷺ لأسلم. * الشيخ: إي معلوم. * الطالب: هو مسلم أصلًا، كيف يسلم؟ * الشيخ: هذا إقامة الحجة على هؤلاء اليهود والنصارى. * الطالب: نعم أسلم بمعنى ترك شريعته واتبع شريعة محمد؟ * الشيخ: إي نعم يترك شريعته ويتبع محمدًا، إي نعم. * طالب: قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ لا تؤيد القول الثاني أي بزعمكم أنكم أنتم على دينه وليس هو على دينكم؟ * الشيخ: هو قال: تحتمل، تحتمل حتى على ذلك. * الطالب: يعني التوراة والإنجيل ما حدثت إلا بعد موته؟ * الشيخ: إي وكذلك اللي يقولون: نحن على طريقة إبراهيم، وإبراهيم يعني يقولون: يتعصب، ما يذهب عن دينه، هذا معنى قولهم: على طريقتهم. * الطالب: كيف يعني يتعبد إبراهيم معهم وهم يعني..؟ * الشيخ: هم يقولون: (...) عبادتهم الخاصة، يعني طريقتهم، يعني على طريقتهم. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ مع أنهم في كلا المسألتين عندهم علم، ولكن في الأولى يعني.. لو توضح يعني؟ * الشيخ: لا، في قضية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما عندهم علم؛ لأن اللي يقول عن إبراهيم: إنه على طريق اليهود والنصارى أو على دين اليهود والنصارى ما عنده علم بذلك، فهو جاهل، سواء قاله بجهل مركب أو بجهل بسيط، لو علم حقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لعرف أنه كان حنيفًا مسلمًا. * الطالب: ممكن يكابر يا شيخ يعني يعلم أن هذا..؟ * الشيخ: ربما بعضهم، ربما بعضهم أنه يكابر. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا يا شيخ، قلت: لو كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عايش لترك دينه واتبع محمدًا، أليس دينه هو نفس دين محمد؟ * الشيخ: يختلف المنهاج، أصل دين الأنبياء كلهم واحد؛ التوحيد أصول الدين كلهم واحد الأنبياء، لكن الله قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] وتلوناها في أثناء الدرس، لكن لأنك (...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. نكمل الكلام على آخر الآية الكريمة: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، فهو في محل رفع، بل هو مرفوع، النبي بدل من اسم الإشارة، واسم الإشارة كما نعلم مبني على السكون. قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بمن؟ آمنوا بهذا النبي، والإيمان بالنبي ﷺ يتضمن الإيمان بكل شريعته، وهذا الإيمان أيضا يستلزم القبول وأيش؟ والإذعان؛ أن يقبل بما جاء به النبي ﷺ وأن يذعن له. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولي كل مؤمن؛ هؤلاء وغيرهم، كل مؤمن فالله سبحانه وتعالى وليه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وهذه الولاية ولاية خاصة تقتضي أن ييسر المؤمن لليسرى ويجنب العسرى، وهناك ولاية عامة شاملة لكل أحد، فالله تعالى ولي كل أحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] فجعل الله تعالى مولى لهؤلاء وهم كفار، لكن هذا بالولاية العامة. والولاية العامة هي ولاية التصرف، التصرف في الكون والتدبير، والولاية الخاصة ولاية العناية بالمولى عليه، أن الله تعالى يعتني به وييسره لليسرى ويجنبه العسرى. في هذه الآيات الكريمة كثير من الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ هذا مبتدأ الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: توبيخ هؤلاء، أعني أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: علو شأن إبراهيم ومنزلته بين جميع الطوائف؛ اليهود والنصارى والمسلمين. * ومن فوائدها: بيان الاحتجاج بالعقل؛ لقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ فكيف تحاجون به مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا خلاف العقل. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص، فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط، طرف غالى فيه حتى قدمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء في أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص، وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون على العقل ويدعون السمع، مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات، ما فيه دلالة، لكن هم يظنون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلى السمع، ومن ذلك من؟ الأشاعرة، من ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، كل من نفى صفة أثبتها الله لنفسه بحجة أو بشبهة عقلية على الأصح -ما هي حجة، شبهة عقلية- فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل. ومن الناس -الطرف الثاني- من أنكر الاعتماد على العقل بالكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم، أو أي خبر، فأنكروا القياس، وذلك مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائيا وقالوا: لا يمكن أن نرجع إلى العقل في شيء. ومن الناس من هم وسط، رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع فإن الله تعالى يحيل عليه في مسائل كثيرة، مثل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] ومثل هذه الآية: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. واستدلال الله تعالى على إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به على نظيره الذي لا يخالفه تماما. فالحاصل أن في هذه الآية اعتبار العقل دليلا، ولكن كما قلت: بشرط ألا يخالف الشرع، فإن خالف الشرع فالأصح أن نقول: إنه ليس بعقل، الأصح أن نقول إنه ليس بعقل؛ لأن صحيح المنقول لا يعارض صريح المعقول أبدًا. لكن إذا ظن أن العقل يخالف السمع فإما أن يكون لا مخالفة، وإما أن يكون السمع غير ثابت، وإما أن يكون العقل غير صحيح ملوث بالشبهات والشهوات. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. فإن قال قائل: كيف تستدلون بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله، مع أن الفعل هنا ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ﴾ يعني كيف يستقيم الاستدلال بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل من عند الله نازل من عند الله مع أن الفعل، كمِّل. * طالب: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: الفعل مبني للمجهول. * الشيخ: الفعل مبني للمجهول، كذا؟ طيب ما الجواب على هذا؟ * الطالب: من قوله: من عنده * الشيخ: من أين علمت به؟ * الطالب: (...) الله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، لأن المخاطب هو الله عز وجل، المتكلم هو الله، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: شيخ، هو النزول يجيء من العلو، والعلو ما يجيء إلا بإذنه تبارك وتعالى. * الشيخ: ما هو هذا، لا ما هو هذا. * طالب: نقول: القرآن يفسر بعضه بعضا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة ٤٤]. * الشيخ: القرآن يفسر بعضه بعضا هذا صحيح، وفي هذه السورة نفسها في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران ٣] في نفس السورة، إذن فالمنزل للتوراة والإنجيل هو الله، وحينئذ نقول: بني الفعل للمجهول للعلم بالمنزل، وهو الله، فإذا قيل: من أين علمت أنه منزل؟ قلنا: من نفس السورة في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] من الخالق؟ الله، لكن حذف للعلم به، ولكن لما كان الضعف صفة نقص بني الفعل هنا للمجهول، كما بني للمجهول في قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، الشر ما أضافوه إلى الله مباشرة، قال: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ والرشد أضافوه إلى الله مباشرة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ إذا ثبت الآن أن الإنزال من عند الله، فالنزول لا يكون إلا من أعلى. هل يمكن أن نستفيد من هذه الآية: أن كلام الله متعلق بمشيئته؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، كيف؟ * الطالب: أن حدث إنزال التوراة بعد إبراهيم وهذا بمشيئة الله عز وجل. * الشيخ: وهذا بمشيئة الله نعم، ولا شك أن التوراة منزلة من عند الله، لكن الله كتب التوراة، ولهذا قال بعض أهل العلم: لا نستطيع أن نثبت بأن التوراة من كلام الله، لكن الله كتبها بلا شك وهي نازلة من عنده، أما الإنجيل فهو كالقرآن، ما فيه أن الله تعالى كتبه، قال: أنزله، وهو كلام فيكون كلامه، أما التوراة فقال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥]. * من فوائد الآية الكريمة: النداء على بني إسرائيل بالسفه، وأن تصرفاتهم كما هي مخالفة للمنقول فهي مخالفة للمعقول، ومن أراد أن يعرف سفاهة هؤلاء القوم فليرجع إلى كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم، ذكر أشياء عجيبة من سفه الأمة الغضبية والأمة الضالة، الأمة الغضبية هم اليهود والأمة الضالة هم النصارى، ذكر أشياء عجيبة، ولو لم يكن إلا أن الله تعالى نعى عليهم عقولهم في هذه الآية وفي آية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] فاليهود أمة غضبية، جاهلية، في أبعد ما يكون عن الرشد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشادة بالعقل، وأن العقل لا يحمل صاحبه إلا على السداد والصواب؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والمراد بالعقل هنا كما ذكرنا في التفسير عقل الرشد يعني عقل التصرف، عقل التصرف الذي به الرشد، لا عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف؛ لأن هؤلاء اليهود والنصارى عندهم عقل، العقل الذي هو عقل إدراك الذي هو مناط التكليف هذا ثابت عند اليهود والنصارى، ولولا ذلك ما كلفوا. ثم قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾.* من فوائد الآية الكريمة: التنزل مع الخصم، يعني فرضنا أنه قبلت منكم المحاجة فيما لكم به علم، ولكن لا تقبل منكم المحاجة فيما ليس لكم به علم. * ومن فوائدها: ذم المحاجة بغير علم؛ لقوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وما أكثر هذا الواقع المؤسف المر في زمننا هذا، كثير من الناس اليوم يحاجون فيما ليس لهم به علم، بل بما تقتضيه عقولهم القاصرة، فيقول مثلًا: لم صار كذا ولم صار كذا، لماذا كان هذا حراما وكان هذا حلالا، لماذا كان هذا واجبا وكان هذا غير واجب، وما أشبه ذلك، فيحاجون فيما ليس لهم به علم، وكثير من العامة الذين عندهم لسن وبيان -والبيان من السحر- كثير منهم يجادل طالب العلم في أمر لا يعلمه هو، بل مجرد مجادلة ومراء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم، ولكن بشرط أن يكون قصده حسنا، بحيث يريد بالمجادلة الوصول إلى الحق، يكون مقصوده الوصول إلى الحق فيثبت الحق ويبطل الباطل. أما الذي يجادل ولو فيما ليس له به إذا كان قصده إبطال الحق وإثبات الباطل فلا شك أنه مذموم، ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى ١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المحاجة فيما ليس له به علم ليس عنده علم ولو حاج؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بل ليس عنده عقل أيضا، لأن المحاجة فرع عن العلم، فمن حاج بغير علم فلا عقل له، كما أنه لا علم عنده. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله في الحاضر، ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والأصل في المضارع أنه موضوع للحاضر والمستقبل، وربما يتمحض للماضي، وربما يتمحض للمستقبل، يتمحض للماضي إذا دخلت عليه (لم)، ويتمحض للمستقبل مع السين وسوف، يعني هذا على سبيل المثال، وإذا خلا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ يعني أن علمه عز وجل مستمر دائم وأنتم لا تعلمون ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصارى أو من طريق اليهود والنصارى؛ لأننا ذكرنا أن الآية لها معنيان، فيها قولان، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس يتدين بدين اليهود؛ لأن دين اليهود من بعده، ولا بدين النصارى؛ لأن دين النصارى من بعده، كذلك أيضا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس كالنصارى واليهود يتعصبون لما هم عليه بحق أو بباطل، بل كان حنيفًا مسلمًا منقادًا لأمر الله، يأتمر بأمر الله وينتهي بنهي الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن لم يتصف بوصف أن يبين براءته منه، ولو كان هذا الوصف في أصله محمودًا، لكن إذا كان لم يتصف به فالواجب أن يبين؛ لأن الله نفى أن يكون إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا، مع أن اليهودية والنصرانية بعد بعثة موسى بالنسبة لليهودية وبعثة عيسى بالنسبة للنصرانية كانت حقا قبل أن تنسخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وجه الثناء عليه أنه وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي نوع من الشرك؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ما اشتهر عند الناس من أن التخلية قبل التحلية، يعني البداءة بالنفي قبل الإثبات؛ لأن النفي تخلية والإثبات تحلية يعني: إثبات، فهنا بدأ بالنفي وهو ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ثم أثبت في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. والظاهر أن هذا الترتيب موافق للطبيعة؛ لأنك تخلي الشيء مما يشينه أولا، ثم تضيف إليه ما يزينه، أنت عندما تريد أن تنظف ثوبا وسخا ماذا تصنع؟ أزيل الوسخ أولا، ثم أضيف ما يكون به الكمال، وفي الحديث؛ في حديث الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٤) من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة.]]. فالمباعدة ألا أمارس الذنوب والخطايا، والتنقية أن يزال هذا الأذى، والغسل أن يطهر وينظف، واضح الترتيب هذا؟ وأضرب مثلًا يتبين به: إنسان معه أذى يريد أن يضعه على بساط الصلاة، فأقول: لا تضعه، هذه مباعدة، أليس كذلك؟ مباعدة، ما يضعها، آخر جاء به فوضعه فقلت: انزعه، هذه تنقية. المرتبة الثالثة: لما نزعه قد يكون في مكانه أثر، أقول: اغسله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾، والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾؛ لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الإسلام، والإسلام هو إثبات الاستسلام لله عز وجل، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. التوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي، والعلة ظاهرة، التعليل ظاهر جدا؛ لأن النفي تعطيل، والإثبات بدون نفي لا يمنع المشاركة، والجمع بينهما إثبات مع نفي المشاركة. نضرب مثلًا: إذا قلت: ليس هنا أحد قائم، هذا نفي، فيه إثبات ولّا ما فيه؟ إذا كان فيه أحد قائم الآن؟ ليس هنا أحد قائم، هذا تعطيل، يعني صفة القيام الآن معطلةلم يتصف به أحد. إذا قلت: زيد قائم، هذا إثبات أن زيدا قائم، فأثبت القيام الآن لواحد من الناس، لكن هل هذه العبارة تمنع أن يكون غير زيد قائما؟ ما تمنع، قد يكون فيه واحد آخر غير زيد قائم، ولهذا إذا قلت أنا: زيد قائم، فقلت أنت: وعمرو قائم، هل يعتبر قولك هذا ردا على كلامي أو إضافة إلى كلامي؟ إضافة إلى كلامي. فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، هذا فيه نفي وإثبات، حينئذ حصل التوحيد، صار المتفرد بالقيام من؟ هو زيد، فتبين أن لا توحيد إلا بنفي وإثبات، ولهذا هنا قال سبحانه وتعالى عن وصف إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، أو إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وجهه أن الله وصف إبراهيم بالإسلام، وهو كذلك، فالإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، وإذا اقترنا افترقا، صار الإسلام علانية والإيمان في القلب. في حديث جبريل اجتمعا فافترقا، ولهذا فسر النبي ﷺ الإسلام بشيء وفسر الإيمان بشيء آخر. في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] اجتمعا فافترقا، فصار الإيمان الذي ادعوه غير الإسلام الذي أثبته الله لهم ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] اجتمعا فافترقا، الإخراج لم يكن إلا للمؤمنين، لكن البيت بيت مسلمين، كيف هذا؟ الذي أخرج من؟ لوط وأهله إلا زوجته، إلا امرأته، فصار الذين أخرجوا هم المؤمنين الخلص. البيت يشتمل على أهله الذين آمنوا إيمانا خالصا، وعلى امرأته التي خانته، فهي مسلمة وليست مؤمنة، إذا البيت كله باعتبار الكل مسلم، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان واستدل بالآية فقد أبعد النجعة؛ للفرق بين التعبيرين ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: من المسلمين قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. إذن الإسلام هنا الذي في الآية الكريمة ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ يشمل الإيمان ولّا لا؟ * طلبة: يشمل. * الشيخ: لماذا؟ لأنه أفرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، ولهذا قال: لم يكن من المشركين ولم يقل: لم يكن مشركا، فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره، وهكذا ينبغي لكل مؤمن ألا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا: من صفات المشركين الشرك واضح، من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، ولّا لا؟ المشركون يكرهون التوحيد؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم وينكرونه، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرا. ثم قال عز وجل: ﴿