×

آل عمران

الآية ٥١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴿٥١﴾

إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ لما أمرهم بتقوى الله ذكر ما هو كالسبب في ذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ والرب: هو الخالق المالك المتصرف، وتوحيد الله بالربوبية أن نؤمن بأنه لا خالق ولا مالك ولا مدبر إلا الله سبحانه وتعالى، وما يضاف من الخلق أو الملك أو التدبير لغير الله فإنه على وجه النقص ناقص، من حيث الشمول ومن حيث التصرف، فمثلًا الخلق يُضاف إلى غير الله، وقد مر علينا قريبًا أن عيسى قال: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران ٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] وقال الله في الحديث القدسي: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] وقال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩ / ٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وقال عليه الصلاة والسلام: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦)من حديث عائشة.]]، ولكن الخلق المضاف إلى غير الله عز وجل خلق ناقص ليس إيجادًا حقيقة، ولكنه تغيير لصورة، فمثلًا الإنسان يخلق من الخشب بابًا، هل هو خلق الخشب؟ ومن الحديد سيارة، هل خلق الحديد؟ أبدًا، ولكن غيَّر، حوّله من حال إلى حال فصار هذا خلقًا، لكنه ليس هو الذي أوجد الحديد أو الخشب حتى يقال: إن خلقه كخلق الله، أيضًا خلق الإنسان أو البشر عمومًا ليس عامًّا شاملًا؛ لأن كل إنسان يخلق ما صنع فقط، وما لم يصنعه فليس من خلقه، كذلك الملك ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩]. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون ٨٨]، والآيات في إثبات الملك لله وحده كثيرة، ومع ذلك أضاف الله إلى غيره الملك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، فهل نقول: إن هذا الملك كملك الله؟ لا، لا من حيث الشمول ولا من حيث التصرف، أما من حيث الشمول فلأن كل إنسان لا يملك أكثر مما تحت يده، ولذلك لا تملك كتابي، ولا أملك كتابك، أما ملك الله فهو عام شامل، وأما من حيث التصرف، فملك غير الله قاصر، لأن الإنسان لا يملك التصرف المطلق كما يريد، وإنما يتصرف حسب ما تقتضيه شريعة الله وحسب ما يأذن به الله، لو أراد الإنسان أن يمزق كتابه، هل يملك ذلك؟ * طالب: ليس له ذلك. * الشيخ: لا يملك ذلك، حرام عليه، يأثم، ولو أراد أن يمزق كتاب غيره كان حرامًا من وجهين: من وجه إفساد المال، ومن وجه العدوان على الغير؛ فالحاصل أن ملك الإنسان قاصر من ناحيتين: هما. * طالب: ملك (...). * الشيخ: لا ملك الإنسان قاصر * الطالب: ملك الإنسان إي نعم، (...). * الشيخ: نعم، فهو قاصر في التصرف. * الطالب: من حيث الشمول. * الشيخ: فهو قاصر من حيث الشمول طيب، أما التدبير فكذلك، الذي هو المعنى الثالث للربوبية التدبير، فالتدبير أيضًا يكون لغير الله، لكنه تدبير ناقص من حيث الشمول ومن حيث التصرف أيضًا، فالإنسان لا يُدبر كل شيء، لا يدبر إلا ما يملك تدبيره، ومع ذلك فتدبيره له تدبير ناقص على حسب ما يقتضيه به الشرع، لو أراد أن يدبر بعيره على وجه يشق عليه، يمشيها مع الوحل، يمشيها على النار وما أشبه ذلك هل يجوز؟ * الطلبة: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، فهو ناقص، لو أراد أن يرسل عليها شواظًا من نار يملك؟ * الطلبة: ما يملك. * الشيخ: ما يملك، لكن الله عز وجل يملك، يملك هذا كله، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولا معارض له، المهم أن الربوبية هي انفراد الله بالملك بالخلق أيش؟ والملك والتدبير، ولا يعني ذلك أن لا أحد يشاركه في خلق أو ملك أو تدبير، لكن على وجه لا يماثل ما يثبت للخالق من ذلك، فالإنسان قد يخلق، يقال: إنه خلق، ويقال: إنه ملك، ويقال: دبر، لكنه -كما سمعتم- ناقص. قوله: ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بدأ بنفسه ليكون أول مذعن لهذا الرب عز وجل؛ لأن الرب خالق مالك مدبر فبدأ بنفسه ليكون هو أول من يذعن وينقاد لهذا الرب. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ (الفاء) هنا عاطفة وتفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربًّا فاعبدوه، ولهذا نقول: إن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، وأن من أقر بتوحيد الربوبية وأنكر توحيد الألوهية فقد تناقض، ولذلك سفَّه الله المشركين الذين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ثم ينكرون توحيد الإلهية فيقول: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]، ﴿أَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة ٧٥] وما أشبه ذلك مما يدل على أنه من السفه أن يقر الإنسان بأن الله وحده هو الخالق المالك المدبر، ثم يعبد غيره! فنقول مثلًا للمشرك: ألست تؤمن بالله؟ سيقول: بلى، أنه الخالق؟ بلى، أنه المالك؟ بلى، أنه المدبر؟ بلى، أنه لا خالق معه ولا مالك ولا مدبر؟ بلى، أؤمن بهذا كله، إذن كيف تجعل معه إلهًا تعبده؟ ومن كان غير الله فهو معبود أو عابد؟ * الطلبة: عابد. * الشيخ: عابد مربوب، هو عبد مربوب لله عز وجل فكيف تجعله معبودًا مع الله؟! ولهذا قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فالفاء إذن عاطفة تفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربي وربكم اعبدوه وحده. ما هي العبادة؟ العبادة مأخوذة من الذل (عَبَد) بمعنى (ذَلّ)، ومنه قولهم: طريق معبد؛ أي: مذلل لسالكيه، فأصلها الذل، لكنها بالنسبة لله عز وجل ذُل مقرون بمحبة وتعظيم، فكل من تعبد لله فإن تعبده هذا مقرون بهذين الأمرين؛ المحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون الطلب وبالتعظيم يكون الهرب؛ فالإنسان إذا أحب شيئًا طلبه، وإذا عظم شيئًا هابه وهرب منه وخاف منه، ولهذا كانت العبادة مبنية على الرجاء والخوف. والعبادة تطلق أحيانًا على هذا المعنى الذي ذكرنا باعتبارها مصدرًا، ما هو الذي ذكرناه؟ التذلل لله مع المحبة والتعظيم، وتطلق أحيانًا على اسم المفعول أو على الشيء المتعبد به، وحينئذٍ نقول: إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فالصلاة مثلًا؟ * الطلبة: عبادة. * الشيخ: عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، وهكذا، فأحيانًا تطلق على الفعل، وأحيانًا تطلق على المفعول، على الفعل فنفسرها بماذا؟ بأنها التذلل لله عز وجل حبًّا وتعظيمًا، وباعتبار المعمول أو المفعول اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه مما أمر به ورسوله. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا المشار إليه إما أقرب مذكور أو كل ما سبق، من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا﴾ أي: تقوى الله، وطاعة رسوله، وتحقيق العبادة له صراط مستقيم أي: طريق، ولا يسمى الطريق صراطًا إلا إذا اجتمع فيه السعة والاعتدال؛ لأنه مأخوذ من (السَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، وإن شئت فقل: من (الزَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، والطريق الواسع المستقيم يبتلع سالكيه بسرعة؛ لأن الضيق لا يمشي الناس فيه إلا أيش؟ * الطلبة: ببطء. * الشيخ: رويدًا رويدًا ببطء، وغير المستقيم لا يُوصل إلى الغاية إلا ببطء سواء كان انحرافه عن يمين وشمال، أو من حيث الصعود والنزول؛ فإنه إذا كان صاعدًا نازلًا أتعب السالك ولَّا لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: فإذا قدرنا مثلًا أن جبلًا طوله خمسون مترًا وعرضه خمسون مترًا، كم يكون ما بين عرضه وعرضه الآخر؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لا، صاعده الإنسان صاعده. * الطلبة: مئة. * الشيخ: لا، مئة وخمسين، مئة وخمسين، عرضه خمسون، وطوله خمسون في السماء ارتفاعه، بيصير مئة وخمسين، الصعود خمسون، والنزول خمسون، والمسطح خمسون، فإذا كان الصراط مستقيمًا في انحرافاته يمينًا وشمالًا وكذلك في الصعود والنزول اختصر الطريق، وهكذا أيضًا الصراط إذا قدَّرنا أن الغاية تصل إليها بالطريق المستقيم في ثلاثين مترًا، وهذا فيه تعاريج، كل تعريجه عشرة أمتار، وفيه عشر تعاريج، كم تصل إلى الغاية في المتر؟ بمئة، فالحاصل أن الصراط قال العلماء: لا يكون صراطًا إلا إذا كان واسعًا مستقيمًا وهو مأخوذ من (السَّرْط) أو (الزَّرْط)، والزرط تعرفون معناه عندكم في الأكل، أعطيته لقمة وحطها في فمه على طول بلعها وأيش يقول؟ * طالب: ازرطها. * الشيخ: يقول: ازرطها. ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ مستقيم؛ يعني لا اعوجاج فيه، ووصفه بالاستقامة بعد أن قلنا: إن الطريق هو الواسع المستقيم الذي ليس فيه اعوجاج من باب التوكيد كما تقول: هو رجل رجل، كيف رجل رجل؟ وأيش معنى رجل رجل؟ يعني جامع لمعاني الرجولة، كذلك طريق مستقيم جامع لكل معنى الطريق، هذا صراط مستقيم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ في هذه الآية من الفوائد: تعظيم شأن مريم عليها الصلاة والسلام؛ حيث أمر الله نبيه أن يذكر قصتها لهذه الأمة، لأنّا قلنا: ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر إذ قالت. * ومن فوائدها: فضيلة مريم، حيث خاطبتها الملائكة لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره. ومن فوائدها على ما ذهب إليه بعض أهل العلم: أن مريم نبية؛ لأن الملائكة أوحت إليها، وقالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأنه ليس بصريح في أنها نُبِّئت، ومجرد خطاب الملائكة لها لا يثبت نبوتها؛ لأن النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون، بل لمن أوحي إليه بشرع، وهي لم يُوحَ إليها بشرع، فالأمر ليس بصريح، ولدينا آية تدل على أنه لا يُبعث من النساء نبي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف ١٠٩]. إلا رجالًا: و(إلا) تفيد الحصر فتدل على أنه لا يمكن أن تكون امرأة من النساء نبية، وكذلك أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بلغه أن الفرس أمَّرُوا عليهم بنت كسرى قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. وإذا كان القوم لا يفلحون مع الانتخاب فإنهم هم الذين انتخبوها وولَّوها، فكيف يمكن أن يُرسل الله تعالى امرأة ليفلح الناس على يدها؟! صحيح أن المرأة تكون عالمة، تكون داعية، كما هو الواقع، أما أن تكون نبية يوحى إليها لتتولى السلطة -كما يقولون التشريعية والتنفيذية- فهذا بعيد، فالصواب: أن مريم من الصالحات القانتات، وليست من الأنبياء والرسل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الله تعالى يصطفي من الناس من يشاء لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك اختيارًا لم يشاركها فيه أحد؛ لأنها صارت خادمة لبيت المقدس مع أنه لا يخدمه عندهم إلا الرجال، فهذا نوع من الاصطفاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغِيًّا لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾. ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًّا؛ لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، واليهود -قبحهم الله- اعتدوا على مريم وابنها، فقالوا في مريم: إنها بغي، وقالوا في ابنها عيسى: إنه ولد زنا وكذبوه، وقتلوه إثمًا لا حقيقة، كيف قتلوه إثمًا لا حقيقة؟ لأنهم أمضوا هذا الأمر الذي يظنون أنهم قتلوا به عيسى وصلبوه، وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٥٧]، فكانوا قتلة إثمًا لا حقيقة؛ لأن عيسى باقٍ إلى الآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة؟ أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل المعنيين، إما أن المراد: نساء العالمين في زمنها، ويكون قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسْيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري دون لفظ «وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» أما حديثها فهو حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٣٢)، ومسلم (٢٤٣٠/ ٦٩) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظ: «خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ».]]، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلغت مريم ما بلغت به. * ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار أو جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، واضح؟ ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله عز وجل وهي: أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفاتُ الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمال، كمالات، وصفات النفي نقائص، تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها، مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة. ثم قال عز وجل: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: بيان أنه كلما من الله على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أمرتها بأيش؟ بالقنوت والسجود والركوع، فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة والخشوع والاشتغال بالطاعة عما سواه؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت: دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع أنه من القنوت، لكن لفضيلتهما نص عليهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر، وهو قوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدم فيها السجود وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع؟ تقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نص على السجود بدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع، كما ذكرناه في أثناء التفسير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبَّاد من الرجال أكثر من العبّاد من النساء، وأكثر لقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء؛ ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ».]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إلّا بلى، هذا في الصراط اللي يوم القيامة. * طالب: كيف يسمى صراط؟ * الشيخ: نعم، يسمى صراطًا؛ لأن السالكين فيه ينفذون بسرعة بعضهم مثل لمح البصر، وبعضهم مثل البرق، ما في عائق يعوق، مع أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دَحْض ومَزِلَّة[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهذا يدل على أنه طريق واسع كالعادة، والعلماء -مر علينا في التوحيد- أنهم مختلفون هل هو طريق عادي أو أنه كما جاء في صحيح مسلم -أنا أظنه عن أبي سعيد بلاغًا-: «أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ»[[أخرجه مسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري بلاغًا.]]. * طالب: (...). * الشيخ: ويش الأصل؟ ما الأصل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إيه، لكن ما هو الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله؟ أن يكون فعله هو أو فعله غيره؟ * الطالب: (...). * الشيخ: خلها قاعدة عامة: الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أنه قائم به، هذا هو الأصل، وذكرنا لكم أن العلماء قالوا: إن الله خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا عام أريد به الخاص، (...) وأيضًا الرسول قال: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٠٤) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]]، فهذا مما جهله الناس، يعني: ربما يكون عند الله له دواء ما ندري عنه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: اختلاف الضميرين؛ لأنه قال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء ٩١]. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني قصدك الطيور؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أنا ظننت قصة مريم، الطيور، اقرأ آية المائدة. * الطالب: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]. * الشيخ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وهنا قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إذا حاول الإنسان وجود فرق معنوي واتضح له فهو الفرق، وإن لم يوجد فإنه يكون من باب اختلاف التعبير، يعني: لأن (هيئة) صالحة للتذكير والتأنيث، ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يعني: مثل هيئة الطير، ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ أي: في الهيئة، أو تنفخ في المِثْل، فعلى تقدير أنه ينفخ في المثل يكون؟ * طالب: ﴿فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فِيهِ﴾، أو ينفخ في الهيئة؟ * طلبة: ﴿فِيهَا﴾. * الشيخ: يكون ﴿فِيهَا﴾. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عندما قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ ثم قال: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يقل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟ * الشيخ: لأن هذا علم، صفة فيه، وهذاك شيء متعدٍ إلى غيره، هذا خلق وإبراء، وإحياء. * الطالب: وكذلك. * الشيخ: لا هذا العلم، كلٌّ يعرف، اللي في البيت يعلم، اللي في بيت الإنسان يعلم ما أكله وما ادخره. * طالب: على كده يا شيخ يترجح القول بأنه كان يستعين كما استعان سليمان عليه السلام بالجن؟ * الشيخ: لا، ما يتوجه؛ لأن هذا من باب الوحي. * طالب: هل يوجد تفاضل بين أركان الصلاة في الركوع والسجود؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني التفاضل بينها هي نفسها؟ * الشيخ: إي نعم، هي نفسها. * الطالب: كيف ذلك؟ * الشيخ: الركوع أفضل من وجه، والسجود أفضل من وجه، من جهة أن الساجد أقرب ما يكون لله، وقد وضع أعز ما فيه على الأرض يكون السجود أفضل. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]