×

آل عمران

الآية ٥٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٥٠﴾

وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ هذه معطوفة على ما سبق؛ يعني أنها تكون منصوبة على الحال؛ يعني: وجئتكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة، وما بين يدي هو ما سبقه، ويطلق ما بين اليدين على ما سيأتي، فما بين اليدين يُطلق على ما مضى ويطلق على ما يستقبل، فإن قُرن بالخلف فهو للمستقبل، وإلا فإنه صالح للمستقبل والماضي، ففي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] المراد؟ * الطلبة: المستقبل. * الشيخ: المستقبل لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. وفي هذه الآية: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أي: لما سبقني من التوراة، وتصديقه للتوراة له وجهان: الوجه الأول: أنه يقرر صدقها ويقول: إنها كتاب حق. والوجه الثاني: أنه يصدق ما أخبرت به، فإذا كانت أخبرت به، ثم بعث كان مصدقًا لما فيها. وقوله: ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﷺ وهي أصل الكتب المنزلة على بني إسرائيل وأعظمها، بل هي أعظم الكتب -فيما نعلم- بعد القرآن. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ يعني: وجئتكم أيضًا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قوله: ﴿لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي﴾ ولم يقل: كل، والمحرم عليهم ذَكره الله في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]، فلما حُرِّمت عليهم هذه الطيبات بظلمهم وعدوانهم، وبعث الله عيسى ﷺ أحل لهم بعض ما حرم عليهم، ولم يُذكر في القرآن بيان هذا البعض، فيكون باقيًا على إطلاقه، ولو كان لنا مصلحة في تعيين ذلك لبينه الله. وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الفعل هنا مبني للمجهول، ولكن فاعله معلوم، من هو؟ * الطلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كرر هذا مرة بعد قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾، فإما أن يقال: إن الآية التي ذُكرت هنا ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ تقتصر على تصديقه لما بين يديه من التوراة وعلى إحلاله بعض الذي حُرّم عليهم، وحينئذٍ لا يكون في الآية تكرار، وإما أن يقال: إن قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ يشمل كل ما جاء من الآيات، ويكون من باب التأكيد وإقامة الحجة عليهم، فكرر مجيئه بالآيات احتجاجًا عليهم بما كذبوه. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ اتقوا الله: يعني اتخذوا وقاية من عذابه؛ لأن التقوى مأخوذة من أي شيء؟ * الطلبة: من الوقاية. * الشيخ: من الوقاية، فبماذا تكون الوقاية من عذابه؟ تكون بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا هو المعنى الشامل للتقوى عند الإطلاق، وإذا قُرنت التقوى بالبر صار المراد بها اجتناب المحارم مثل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]. وقد عرَّف أهل العلم التقوى بعدة تعريفات لكن يجمعها ما ذكرناه من أنها اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ أطيعون فيما أمرتكم به، وفيما نهيتكم عنه، وطاعته من التقوى بلا شك لكن نص عليها؛ لأنها تقوى خاصة فيما جاء به عيسى؛ لأن التقوى يُؤمر بها كل إنسان فإذا قال: أطيعون صارت تقوى خاصة في طاعة هذا الرسول الذي بُعث إلى قومه. والطاعة قال العلماء في تفسيرها: إنها موافَقة الأمر تجنبًا للنهي وفعلًا للمأمور، فمن تجنب النهي ناويًا بذلك امتثال الأمر فهو مطيع، ومن فعل الأمر ناويًا بذلك امتثال الأمر أيضًا فهو مطيع، أما من ترك النهي -أو بعبارة أصح المنهي عنه- عجزًا عنه، فإن هذا ليس بمطيع، بل إذا سعى في أسبابه حتى عجز كان كمن فعله لقول النبي ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٦) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. ثم قال: ﴿