×
آل عمرانالآيات ٤٤–٤٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٤٤﴾

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك. وأيضا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، كأنه حاضر، وهو كذلك، بل كما قلنا فيما سبق: إن إخبار الله عز وجل أشد ثبوتا وحقيقة مما يُرى في العين. ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾، يعني: اذكر إذ قالت الملائكة: يا مريم، وهل المراد جنس الملائكة أو الملائكة كلهم؟ الظاهر الأول أن المراد الجنس؛ لأن القائل واحد، والمشهور أنه جبريل. قال لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ سبق أن معنى البشارة في الأصل: الإخبار بما يسر، وأنها قد تطلق على الإخبار بما يسوء؛ بجامع أن كلا مما يسر وما يسوء يغير البشرة ويؤثر فيها. ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تحتمل وجهين: الوجه الأول: أن الكلمة هي المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، بشرته بولد، فتكون الكلمة هي المبشر به. والوجه الثاني: أن المراد بالكلمة هنا الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي: يبشرك بشارة عن طريق النطق بها، عن طريق النطق، كما تقول: بشرته بالقول، لا بالكتابة. فأنت مثلا تبشر الإنسان إما بواسطة النطق، وإما بواسطة الكتابة، وإما بواسطة الإشارة، فقوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أي أن الوسيلة التي حصلت بها البشارة هي الكلمة، يعني أن الله قال سبحانه وتعالى كلمة فيها البشرى بالمسيح عيسى ابن مريم. فالوجهان محتملان، الوجه الأول ما هو؟ أن المراد بالكلمة عيسى، يعني المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، أو أن المراد بالكلمة الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي أن البشارة حصلت من الله بالقول، كما تقول: بشرته بالنطق، بشرته بالكتابة، بشرته بالإشارة. فأما على الاحتمال الثاني فلا إشكال، لا إشكال أن تقع البشارة بالنطق، لكن على الاحتمال الأول أن الكلمة هي المبشر به، فكيف يكون المبشر به كلمة مع أنه إنسان؟ أجاب العلماء عن ذلك بأنه أطلق عليه الكلمة لأنه كان بالكلمة، لا بالوسائل الحسية المعلومة؛ لأن الولد في العادة يأتي بواسطة النكاح، لكن هذا لم يأت بالنكاح، أتى بالكلمة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، فلهذا صح أن يطلق عليه الكلمة. وفي هذه الآية إشكال آخر: إذا قلنا: إن قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تعني المبشر به، وهو قوله: ﴿مِنْهُ﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فإن (من) لها معانٍ، منها: التبعيض؛ كما قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة: بَعِّــضْ وَبَيِّــنْ وَابْتَــدِئْ فِــــيالْأَمْكِنَــــــــــهْ ∗∗∗ بِمِــــــــنْ وَقَــــدْ تَأْتِــــي لِبَــــدْءِالْأَزْمِنَــــــــــــــــهْ الشاهد قوله: (بعّض)، فإن (من) تفيد التبعيض، فهل معنى ذلك أن عيسى بعض من الله كما قال ذلك النصارى؟ الجواب: لا، الجواب ليس بعضا من الله، لأن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولا يتبع أحد هذه الآية ويدعي التبعيضية أو يدعي البعضية، إلا من في قلبه زيغ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧]، والنصراني كما اتبع المتشابه في هذه الآية اتبع المتشابه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] قال: هذا كلام الله يقول: ﴿إِنَّا﴾ وإنا تفيد الجمع، فاتبع المتشابه انتصارا لرأيه الفاسد، ولا يخفى على كل ذي لب أن المراد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وما أشبهها التعظيم، لا التعدد. كذلك هنا ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ لا يقتضي أن يكون عيسى بعضا من الله عز وجل؛ لأنك إن ادعيت أنه بعض من الله فلتدع أنه كلمة الله، ومعلوم أنه لا أحد يدعي أن عيسى كلمة، عيسى بشر، له جسم وروح، يأكل ويشرب، وهل الكلمة كذلك؟ لا. فأنت إن ادعيت أنها من الله فادع أن عيسى كلمة، ومعلوم أن عيسى ليس بكلمة. إذن فيتعين أن تكون (من) إما ابتدائية وإما بيانية، يعني: بكلمة صادرة من الله عز وجل بأن قال: كن فكان. نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، هل يدعي أحد أن ما في السماوات وما في الأرض بعض من الله؟ لا، لا يدعي، حتى النصراني ما يدعي ذلك، ولكن هنا (من) إما للابتداء، يعني ابتداء التسخير من الله، أو للبيان، بيان مَن المسخر، أو من أين جاء هذا التسخير. قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، اسم: مبتدأ، و﴿الْمَسِيحُ﴾ خبر، و﴿عِيسَى﴾ خبر ثانٍ، و﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ خبر ثالث، وإنما قلنا ذلك لأنك لو أفردت كل واحد عن الآخر لاستقام الكلام، لو قلت: اسمه ابن مريم صح؟ اسمه عيسى، اسمه المسيح صح، وعلى هذا فكل واحد منها خبر، وقيل: بل الثلاثة خبر واحد، كقولك: البرتقال حلو حامض، هنا لا يصح أن تقول: حلو خبر وحامض خبر؛ لأنك لو أفردت أحدهما عن الآخر فسد المعنى، لو قلت: البرتقال حلو ما صح، لو قلت: البرتقال حامض، ما صح، ما أدى المعنى الذي يؤديه قوله: حلو حامض؛ لأن حلو حامض يعني: جامع بينهما، يعني: مز، كذا؟ فلهذا نقول في قول القائل: البرتقال حلو حامض، حلو حامض جميعها خبر، لكن في الآية التي معنا: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يستقيم هذا المعنى فيها، وبناء على ذلك نقول: إن كل واحد منها خبر. مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦] خمسة أخبار. هذه الأخبار الثلاثة جمعت أنواع العَلَم التي أشار إليها ابن مالك في قوله: وَاسْمًــــــــا أَتَــــــــى وَكُنْيَــــــــةًوَلَقَبَــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَأَخِّــــــــرَنْ ذَا إِنْ سِــــــــوَاهُصَحِبَــــــــــــــــــــا معلوم؟ أين الاسم؟ طلبة: عيسى. * الشيخ: اللقب؟ طلبة: المسيح. * الشيخ: الكنية؟ طلبة: ابن مريم * الشيخ: وإذا كان هذه الكلمات الثلاث قد جمعت أنواع العلم الثلاثة: الاسم، واللقب، والكنية، يبقى عندنا إشكال في قول ابن مالك: (وأخرن ذا) يعني اللقب (إن سواه صحبا)؛ فإنه في الآية الكريمة قدم اللقب، فيبقى إشكال، فهل نأخذ بقول ابن مالك ونقول: القرآن شاذ؟ حاشا حاشا، نقول: ابن مالك وألفيته الشاذة ولا يشذ القرآن. إذن كيف نجمع بين هذا الكلام من هذا العالم في النحو وبين الآية؟ من المعروف أن علماء النحو رحمهم الله لا تضييق عليهم أبدا، ولهذا يقولون في ضرب الأمثال: حجة نحوي، أو يقولون: حجج النحاة كبيوت اليرابيع، واضح؟ حجج النحاة كبيوت اليرابيع، أيش معنى هذا؟ اليرابيع جمع يربوع، وعندنا باللغة العامية: جرابيع، طيب اليربوع من ذكائه يتخذ جحرا في الأرض له باب، وإذا بلغ منتهاه خرق الأرض متعليا إلى فوق، فإذا بقي قشرة رقيقة وقف؛ من أجل إذا دخل عليه أحد من باب الجحر خرج من هذه النطاقة؛ كما يقولون، نطق. أقول: النحويون رحمهم الله لا تضييق عليهم، قالوا: الجواب عن الآية: هو أن اللقب إذا اشتهر به الإنسان حتى صار كالعلم، أو كالاسم، جاز أن يقدم، جاز أن يقدم، ولهذا نجد في كلام العلماء: الإمام أحمد بن حنبل، المسيح عيسى ابن مريم، على أوزان المسيح عيسى ابن مريم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فيقدم الإمام مع أنه لقب، لماذا؟ للاشتهار، إذن لا إشكال الآن. قال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ واختار الله تعالى له اسم المسيح لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لكثرة مسحه الأرض وسيره فيها، أو من المسحة وهي الجمال، والمعنى الأول أشهر، يعني أنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، فهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، وهذه الأمور لا تتم لكل أحد، بل لا تتم لأحد أبدا إلا بإذن الله عز وجل. ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ولم ينسبه إلى ذَكر؛ لأنه لا أب له، وأظن ذلك واضحا أنه لم ينسبه إلى أب لأنه لا أب له، لكن لماذا نسبه إلى أمه؟ إشارة إلى ألا يقول قائل: إنه ينسب إلى كافله زكريا، يعني لئلا يقول قائل: ما دام هذا الطفل ليس له أب فلينسب إلى كافله حتى يُعرف به، فبدأت الملائكة وبينت أن هذا الرجل ينسب إلى أمه ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ هذه منصوبة على الحال، من أين؟ حال من أين؟ طلبة: من عيسى. * الشيخ: أو المسيح، حال كونه وجيها في الدنيا، والوجيه هو ذو الجاه، وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاها في الدنيا والآخرة هم أولو العزم، كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]، وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضا لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.. وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا؛ فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاهًا في الدنيا والآخرة هم؟ * طالب: أولو العزم. * الشيخ: أولو العزم كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]. وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضًا؛ لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة، ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ هذا وصف ثالث أنه من المقربين إلى مَنْ؟ * الطلبة: إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إلى الله عز وجل، من المقربين إلى الله في الدنيا ولَّا في الآخرة؟ * الطلبة: في الدنيا والآخرة. * طالب: كلاهما. * الشيخ: في الدنيا والآخرة؛ لأن المقرب يكون مقربًا في الدنيا ويكون كذلك مقربًا في الآخرة، فعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام كان وجيهًا في الدنيا والآخرة وكان من المقربين إلى الله، وهل هذا الوصف حاصل لغيره من الأنبياء؟ الجواب: نعم، أولو العزم من الرسل لا شك لهم وجاهة في الدنيا والآخرة وأنهم مقربون إلى الله. * طالب: شيخ، في الآية السابقة ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ منه زائدة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. * الشيخ: زائدة؟ أيهم اللي زائدة؟ * الطالب: ﴿مِنْهُ﴾. * الشيخ: الحرف هذا الجر والضمير كلها؟ * الطالب: نعم، (...) منه. * الشيخ: كيف يكون التقدير؟ * الطالب: يعني كلمة اسمه المسيح. * الشيخ: معناه زادت الهاء ضمير. * الطالب: هذه مضاف إليه. * الشيخ: يعني بأيش؟ * الطالب: بكلمته (المسيح). * الشيخ: ما يستقيم؛ أولًا: أن (مِن) لا تزاد إلا في النكرة، ولا تزاد إلا بعد نفي أو شبهه، وثانيًا: أنها لا تزاد مع الضمير أبدًا. وثالثًا: أنه لا محظور فيه. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لتقدير الفعل (اذكر) هل كان النبي ﷺ يعرف أن الله (...)؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: يُذكر الناس. * الشيخ: إيه، أمره الله أن يذكرها للناس. * الطالب: يعني كان من قبل عنده علم؟ * الشيخ: لا، ما يعلمها إلا بوحي الله. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر؟ * الشيخ: لا، نعم. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر، يعني كان عنده علم؟ * الشيخ: إيه، نعم. * الطالب: أو ما كان عنده علم سابق؟ * الشيخ: لا، ما كان عنده علم سابق. * طالب: طيب تصلح أن نقول اذكر؟ * الشيخ: إيه، يصلح، لو قلت لك أنا: اذكر للناس كذا وكذا، وأنت ما تدري عنها بالأول. * الطالب: بمعنى بلِّغ؟ * الشيخ: بمعنى بلِّغ، إيه. * الطالب: المنازل اللي يأخذونها الأنبياء أولي العزم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: المنازل اللي عند الله لأولي العزم من الرسل، يعني هل المؤمنين في الجنة يصلون إلى هذه المنازل يعني؟ * الشيخ: إيه يصلون، لكن ليس يصلونها على سبيل السكنى. * الطالب: الزيارة يعني. * الشيخ: إيه ما فيه شك، يعني المؤمنون -اللهم اجعلنا جميعًا منهم- يزورون حتى الله عز وجل، الله أكبر! * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك شيخنا، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران ٤٤] ألا نقول يا شيخ أقلامهم هي الأسهم، والدليل على ذلك أن العرب عادتهم إذا كانوا يلقون الأصنام يلقون الأسهم، فيكون قصُّه دليل على هذا؟ * الشيخ: إيه لا، نحن نقول: ما دام أن الله قال: أقلام، والأقلام في اللغة العربية معروفة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم ١] معروفة لماذا نعدل عن الظاهر؟! يمكن العرب أنهم يجعلون السهام؛ لأنهم أميون لا يكتبون ولا يقرؤون، وهناك فيما سبق يقول: أقلام. * طالب: شيخ، (المسيح) ذكره فعيل، وهذا فاعل؟ * الشيخ: وبعضهم أبدى المناسبة في مسألة الأقلام؛ لأنهم يكتبون بها الكتب المنزلة. * طالب: نقول: المسيح هل هو بمعنى (فاعل) ولَّا بمعنى (مفعول)، المسيح؟ * الشيخ: لا، بمعنى (فاعل) إلا على قول من يقول المراد بذلك المسحة من الجمال، فهذا يكون بمعنى (مفعول). * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بالنسبة للفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: وردت الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١] ما الفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: التسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به، والذكر: الثناء عليه بما يستحق. * طالب: شيخ، قلنا: إن الله عز وجل نسب عيسى إلى مريم، وقلنا: لا ينسبه إلى غيرها حتى لا (...) بالنسبة (...) هو يقول: (...). * الشيخ: لا، هو ذكرنا لماذا يعني هم بادروا بأن ينسب إلى أمه ابن مريم، بادروا بذلك لأن لا يُنسب إلى أحد غيرها. * طالب: لماذا قلنا: رب (...). * الشيخ: لا، كونه ابنًا لا شك أنه رد على النصارى سواء نسب إليها أو إلى غيرها، لكن كونهم يبادرون بهذا بأن يُنسب إلى أمه لأن لا يقول القائل: ننسبه للرجل؛ لأن هذا العادة بالنسبة وأقرب من ينسب إليه زكريا. * طالب: أولو العزم يعني أيش المقصود بالعزم؟ * الشيخ: أولو العزم؛ معنى العزم يعني الحزم في الأمور والصبر عليها وملاحاة الناس مثل ما نقول: إن فلانًا صاحب عزيمة؛ يعني قوي مصمم على تنفيذ ما يريد. * الطالب: مختصين بهذا عن بقية الرسل. * الشيخ: إي نعم، هذا هو المشهور أن قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥] أن (مِن) للتبعيض، وأن أولو العزم هم الخمسة المذكورون في آيتين من القرآن، وبعضهم جعل (مِن) بيانية، فعلى هذا يكون جميع الرسل من أولي العزم، لكن المشهور الأول. ذُكرت في آيتين من القرآن ما هما؟ * الطالب: إحداهما. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: في الشوري: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣]. * الشيخ: نعم، هذه واحدة، وفي الأحزاب؟ * الطالب: في الأحزاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب ٧]. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: قلنا يا شيخ: إن هذه للبداءة والمعاينة؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: البداءة والمعاينة؟ * الشيخ: المعاينة، بيانية. * الطالب: بيانية، طيب يا شيخ فيه آية: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يعني كيف المخرج من مفهوم الآية؟ * الشيخ: أيهم الثانية ولَّا الأولى؟ * الطالب: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. * الشيخ: إيه يعنى جبريل. * الطالب: يا عم الشيخ، يرد علينا أسئلة وإحنا لا نستطيع..، نريد حجة يا شيخ دامغة لهؤلاء. * الشيخ: نسأل الله، الله يعينك، أيش عندك؟ * الطالب: إرسال ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يقولون هذا. * الشيخ: طيب صحيح، نحن نقول هذا، إن جبريل عليه الصلاة والسلام تمثل لها بشرًا سويًّا ليمتحنها. * الطالب: رجل؟ * الشيخ: رجل، رجل، فهمت؟ ولهذا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم ١٨] وأيش قال لها؟ ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم ١٩] الآيات متواصلة، ما هو بس جاء بشر وحملت، بيَّن أنه رسول الله. * طالب: الإشكال يقولون: إن هذا بشر؛ يعني رجل (...) يعني قد يقولون: إنها حملت منه أو كذا. * طالب آخر: هذا القول يا شيخ (...). * الشيخ: هم قالوا هذا، ولهذا هم قالوا من أول ما جاءتهم ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] وأيش معنى هذا؟ هذا تعريض بأنها زانية، يقولون: كيف جئت بالزنا وأبوك ما كان امرأ سوء وما كانت أمك بغيًّا، لو كان هذه وراثة ما استغربنا، لو كان أبوك امرأ سوء أو كانت أمك بغيًّا زانية -والعياذ بالله- قلنا: هذه مثل آبائها، هذا تعريض، لكن وأيش اللي حصل؟ أشارت إليه، انظر الآية، فدافع عن نفسه. * طالب: شيخ، فيه إرسال يا شيخ، فيه إشكال؟ * الشيخ: ما فيه إشكال يا أخي، ما فيه إشكال، هذا الرجل، هذا جبريل عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى ليمتحنها، ولهذا لجأت إلى الله ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ ما فيه إشكال. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، أنت قلت: قدمت ثلاثة أقوال في اسم المسيح فإنه إذا مسح المريض بالعمى يبرأ؟ * الشيخ: ذا عاهة. * الطالب: ذا عاهة يبرأ، وأنه يمسح الأرض (...). * * * * طالب: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٤٥ - ٤٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهذا قرأناه. قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ (الواو) حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق. ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حال الصغر، وأصل المهد أو الْمِهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه. وقوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في الفراش وهو صغير، وهذا من آيات الله عز وجل؛ لأن العادة التي أجرى الله سبحانه وتعالى البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، وفي المهد لم يتكلم إلا ثلاثة؛ منهم المسيح عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٧ - ٢٩] فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا؟ ﴿قَالَ﴾ يعني حين سمعهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ٣٠ - ٣٣] كلام من أفصح الكلام وأعظمه وهو في المهد، وهذا من آيات الله عز وجل الدالة على قدرته، ولهذا كان آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر، حول خوارق العادات في الأمور الكونية، فهو نفسه آية خُلق بلا أب، وكلم الناس في المهد، وهذا من الآيات، يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخه فيكون طيرًا، يبرئ الأكمه والأبرص، ولا أحد يبرئهما من الأطباء، يحيي الموتى ويخرجهم من القبور. قال أهل العلم: لأنه بُعث في زمن ترقى فيه الطب ترقيًا عظيمًا فجاء بآيات من جنس الأعمال التي يعملونها ليكون ذلك أبلغ في الإعجاز كما جاء موسى عليه الصلاة والسلام بالعصا واليد التي تُبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد ﷺ بكلام أبلغ الكلام وأفصحه لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده حتى يعجز هؤلاء البلغاء، ويتبين أنه ليس من كلام البشر. قال: ﴿