تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴿٤٠﴾
قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ ﴿٤١﴾
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا عليه الصلاة والسلام ما شك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين؛ لأن خبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين، فهنا سأل ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني تعجبا من قدرة الله عز وجل؛ أن يكون له غلام وقد بلغه الكبر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا بلغ الكبر يقل إنجابه، وربما عدم بالكلية، والعقر إلى النساء أقرب منه إلى الرجال، ولهذا تكون المرأة عاقرا قبل أن يكون الرجل عاقرا.
* ومن فوائد الآية الكريمة نقول: إن الإنسان يملك ولده؟
طلبة: ﴿لِي﴾..
طلبة آخرون: اللام.
* الشيخ: اللام، تأملوا.
* طالب: اختصاص.
* الشيخ: أو نقول: اللام لا تتعين للملك؟
* طالب: لا غلط.
* الشيخ: إي ما تتعين، اللام لا تتعين للملك، قد تكون للاختصاص؛ لأن الإنسان لا يملك ولده كما يملك عبده، لو أراد أن يبيع ولده ما صح، وأما قول النبي ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ له.]] فالمراد بذلك المنافع، أو أن المراد بذلك المبالغة؛ لأن هذا الرجل لما جاء يشكو إلى الرسول ﷺ أن أباه اجتاح ماله -يعني: أخذه- قال له: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، فيكون هذا إما من باب المبالغة أو أن منافعك لأبيك كما أن مالك لأبيك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان، لا القدح والعيب؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران ٤٠]؛ لأنك لو وصفت المرأة بأنها عاقر لكرهت ولّا سرت؟ كرهت، معلوم، لو تقول لها: أنت لك أربعين سنة ربت، نعم كيف عاد تقول: أنت عاقر، لكن إذا كان المراد بيان الأمر على وجهه دون العيب والقدح فإن هذا لا بأس به، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ قال: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس. ]]، لكن هذا من باب المشورة، ولكن لم يقصد الرسول ﷺ أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان معه على بصيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات فعل الله؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠].
ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره، أفعال الله الاختيارية يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره، مثل: الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين: الفعل الخاص به عز وجل الذي لا يتعداه إلى غيره، والفعل الذي يتعداه إلى غيره، ويقولون بلا شك: إن الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل.
غالب الأشاعرة إن لم أقل: كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي، ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره... إلى آخر ما يقولون في نفي الأفعال الاختيارية.
علتهم أوهى من أي علة كانت، العلة قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي أبدي، فيقال لهم: أولا: من قال لكم هذا: إن الحوادث لا تكون إلا بحادث، من قال هذا؟! عندكم بذلك وحي، أو مجرد قياس عقلي فاسد ذكرتموه؟!
الحقيقة أن هذا قياس عقلي فاسد؛ فإن الحوادث لا يلزم ألا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدث سابق على الحدث، وإذا كان المحدث سابقا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدث حادثا؛ أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث متى؟ وقت حدوثه، وأنت موجود من قبل، فالرب عز وجل يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها، وهو لم يزل موجودا، لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله سبحانه وتعالى لا يفعل أي فعل، معطلا عن الأفعال، وهذا عيب ولّا كمال؟ عيب؛ لأن من يفعل أكمل ممن لا يفعل باتفاق الناس، وليس يعتري الله عز وجل من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه.
والآيات كثيرة في إثبات فعل الله ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠]، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٦]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]، والنصوص في هذا كثيرة ولله الحمد، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الجمع على الواحد، أو ما يصلح؟ قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من القائل؟ الله؟ إن كان هو الله فهذه الفائدة لاغية، وإن كانت الملائكة فهذه الآية تدل على أن القائل واحد وأن قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩] يعني واحدا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله.
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: وأين؟
* الطالب: ﴿مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ صح، ولكن كل شيء قيده الله بالمشيئة فهو؟
* طالب: فهو بحكمة.
* الشيخ: مقرون بالحكمة، ما دليلك على هذا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* الشيخ: نعم فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فدل على أنه لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، وهو كذلك.
إذا قال قائل: يشكل على هذا: أن الله قد شاء الخير والشر، فما الحكمة من الشر؟ تأملوها إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
* طالب: يا شيخ فيه فائدة (...) فأجاب دعاءه؛ لأنه قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (...) الدعاء؟
* الشيخ: إي نعم يقول: فيها فائدة سرعة إجابة الله تعالى الدعاء؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ فإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب. وعند محمد الواصل فائدة هنا، ما هي؟
* الطالب: في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ جواز إطلاق الكلمة الواحدة على الكلام الكثير؛ لأن يحيى عليه الصلاة والسلام ليس مصدقا بكلمة واحدة، وإنما مصدق بجميع كلام الله عز وجل.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي صدق بها يحيى؟
* الطالب: الكلمة التي صدق بها؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...) في قصة عيسى.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي في قصة عيسى؟
* الطالب: نسيتها، هي الآية التي في سورة آل عمران.
* طالب: نقول يا شيخ: الكلمة فعلا كلمة؛ لأن الكلمة هي: ﴿كُنْ﴾.
* الشيخ: صحيح، يقول: إن الكلمة هي قوله تعالى في عيسى: ﴿كُنْ﴾ لكن إطلاق الكلمة على الكلام هو الأصل في اللغة العربية؛ أن الكلمة يراد بها الكلام ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] كم قال من كلمة هو؟ أربع كلمات، أربع جمل أيضا هو قائلها، وقال النبي ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة. ]].
(ألا كل شيء ما خلا الله باطل) كلمة ولّا كلمات؟ كلمات، فقول ابن مالك رحمه الله:
............................. ∗∗∗ وَكِلْمَــــةٌ بِهَــــا كَــــلَامٌ قَــــدْيُــــــــــــــــــــــــؤَمْ
يعني باصطلاح النحويين، لا بمقتضى اللغة العربية، اللغة العربية لا تطلق الكلمة إلا على الكلام المفيد، لكن النحويون رحمهم الله أطلقوا الكلمة على القول المفرد.
* طالب: جزاكم الله خيرا، فيه بعضهم يقول: إن من يأكل الربا إنه لا يدعو الله لأنه لا فائدة من دعائه، لأنه لو دعا لن يجاب له (...)؟
* الشيخ: إيه، والله مشكل كأنه كبير، أقول: هذا مشكل يعني: مشكل حقيقة، هذا مشكل، لكن الرسول ﷺ استبعد ولم يقل: إنه مؤكد، قال: «أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]] يعني استبعد الإجابة، ليس معناه أنه قطعا لا يجاب، ولكن الذي يأكل الربا نقول: هل تحب أن الله يغفر لك؟
* الطالب: سيقول: نعم.
* الشيخ: يقول: نعم لكن ما أنا بداع والله ما يجيبني، نقول: اترك الربا، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله في الرجل العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة إما أن يأكل منها أو يموت؟ قالوا: يموت ولا يأكل منها، ولكن الله ما أحل الميتة للمضطر؟ هم يقولون: لا يمكن، ولا تحل له، وأيش يسوي؟ يموت؟ قالوا: يموت، لكن هنا شيء قبل الموت يقدره وهو أن يتوب، نقول: تب وكل، إذا كنت قاطعا تذكرة لتروح لبلد تفجر به الغِ التذكرة وكل.
يصلي ركعتين الرباعية ولّا ما يصلي؟ ما يصلي ركعتين الرباعية، فيه خلاف على كل حال القائلين بأنه لا يجوز، قال: وأيش أسوي يا جماعة أنا مسافر؟ نقول: تب وصل ركعتين.
كاد يهلك من العطش في رمضان وهو مسافر وقال: هل أفطر؟ ماذا نقول له؟ لا تفطر، قال: يا جماعة، أنا مت من الظمأ، نقول: مت. وأيش الطريق؟
طلبة: تب إلى الله.
* الشيخ: نقول: تب واشرب.
* طالب: يا شيخ يقال لهم: تب وبعدين ادع؟
* الشيخ: إي نعم يقول: تب وادع الله.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعض الناس -أحسن الله إليكم- إذا دخل المسجد والناس يتسننون في المسجد يسلم عليهم، علما كثير من الناس تخفى عليه (...) الرد بالإشارة، وبعض الناس إذا دخل على مكان خالٍ كغرفة أو ما شابه ذلك ما فيه أحد سلم وقال: أنا أسلم على الملائكة؟
* الشيخ:كلاهما لا أصل له، لكن السلام على المصلي لا بأس به أحيانا؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون هذا مع النبي ﷺ ولا ينهاهم.
* طالب: شيخ، لكن الناس ما يعرفون ما يردون..؟
* الشيخ: على كل حال أحيانا لا يجعله دائما.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٤]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن بقي علينا فوائد من؟
* طالب: إن الله شاء الخير والشر..
* الشيخ: إي نعم، إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] وبينا أن المشيئة المطلقة مقيدة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، ليست مجرد مشيئة ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة. وذكرنا أنه يستفاد من العموم ﴿مَا يَشَاءُ﴾ الشمول للخير والشر، ولكن الشر لا يضاف إلى الله؛ كما قال النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب. ]]، ولهذا جاء في الثناء على الله: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٢٨)، وابن ماجه (٢٢٣٥) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، ولم يقل: والشر؛ لأن الشر لا ينسب إليه، وإنما الشر في المفعولات البائنة منه، أما فعله نفسه -يعني نفس الفعل- فليس فيه شر؛ لأن الله لا يفعل شيئا فيه شر إلا لخير، فمثلا الشر يشاؤه الله عز وجل ومشيئته له ليست شرا، بل هي خير، لوجوه متعددة؛ الأول: أنه لا يمكن أن يتبين الخير إلا إذا وجد الشر، إذ لا تتبين الأشياء إلا بضدها، ولو كانت كل مفعولات الله خيرا ما عرف الشر، ولا وجد الشر أصلا، فلا يتبين الخير وخيريته إلا بوجود ما يقابله وهو الشر، هذه من الحكمة.
ومن الحكم أيضا: ابتلاء الناس وامتحانهم؛ فإن الطريق لو كان كله خيرا ما حصل في ذلك ابتلاء وامتحان، إنما يكون الابتلاء والامتحان إذا وجد طريقان، أحدهما خير وقيل للناس: اسلكوه، والثاني شر وقيل للناس: لا تسلكوه، تبين بذلك الصادق من الكاذب، ولا يمكن الامتحان إلا بذلك.
ومنها -من الحكم في إيجاد الشر- أنه لا يستقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فضلت به هذه الأمة إلا بوجود الشر، حتى يؤمر بالخير الذي يقابله وينهى عن الشر الذي هو مفسدة، لو كانت كل الأمور خيرا ومعروفا لم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأن الإنسان لا سبيل له إلا هذا المعروف الخير، فلا يمكن أن يؤمر بشيء لا سبيل له إلا هو.
ومن الحكم أيضا: إقامة الجهاد في سبيل الله، فإنه لولا الخير والشر ما قام الجهاد في سبيل الله؛ إذ إن الجهاد صراع بين أولياء الله القائمين بالخير وأعداء الله القائمين بالشر، ولولا هذا ما حصل الجهاد في سبيل الله.
ومن الحكم في ذلك: بيان قدرة الله عز وجل بخلق الأشياء المتضادة، فإن خلق الأشياء المتضادة لا شك أن فيه دليلا على قدرة الله سبحانه وتعالى، ولولا هذه المتضادات خلقها وإيجادها لم يتبين كمال القدرة؛ لأن خلق الشيء مع ضده أبلغ في القدرة من خلق الشيء الذي لا ضد له.
ومن حكم إيجاد الشر: أنه حافز إلى لجوء الإنسان إلى ربه، وكثيرا ما يحمل الناس على اللجوء إلى الله والأوراد والاحترازات وجود الشر، ولولا وجود الشر ما لجأ الناس إلى الله؛ لأنهم في خير.
ومنها -أي من حكم إيجاد الشر- أن الإنسان يعرف به قدر نعمة الله عليه، حيث يجد أناسا كثيرين من أهل الشر والفساد، وقد منّ الله عليه هو بالخير والصلاح والإصلاح، فيعرف بذلك قدر نعمة الله عليه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة التي منّ بها عليه بمحبة الخير والسعي فيه، ثم يحمد الله مرة ثانية أن نجاه من الشر والفساد وأهله، والنجاة من الشر والفساد وأهله لا شك أنها نعمة عظيمة ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون ٢٨].
ومن الحكمة في خلق الشر: إظهار ضعف الإنسان وعجزه أمام قوى الشر، فإن الإنسان تؤرقه عن منامه وتقض مضجعه بعوضة، بعوضة من أوهن المخلوقات تمنعه من النوم، وإذا كان شابا ثقيل النوم منعته من لذة النوم، يمكن ينام لكن يتحقرص؛ تقرصه مرة مع اليد، مرة مع الرجل، مرة مع الوجه، فتحرمه من لذيذ النوم، وهي ما هي؟ شيء ضعيف بعوضة، فيعرف الإنسان بذلك قدر نفسه، وأنه ضعيف أمام قوى الشر، حتى لا يتكبر ويتعاظم.
ولهذا ذكر أن ملكا من الملوك الجبابرة كان يتحدث مع قومه ويسخر ويقول: ما الحكمة من خلق الذباب؟ الذباب يحمل الجراثيم ويحمل الأمراض وما أشبه ذلك فما الحكمة منه؟ فقال أحد الحاضرين: الحكمة منه أن يذل أو أن يرغم أنوف الجبابرة مثلك. نعم لأن هذا الذباب المهين يقع على أنف هذا الرجل الجبار الذي لا يدخل البشر إليه إلا باستئذان وله حاجب من وراء حاجب، وهذا الذباب المهين يأتي ويقع على أنفه، وربما يصيبه بعذرته أيضا، نعم إذا جاءه وهو نائم وكان ثقيل النوم يمكن الذباب يكيف عليه.
على كل حال هذا أيضا من حكمة الله سبحانه وتعالى في خلق الشر، وهناك حكم ربما يظهر للمتأمل منها شيء كثير.
وبهذا نعرف كمال حكمة الله سبحانه وتعالى وربوبيته، ومن عرف الله ازداد في عبادته، كما قيل: من كان بالله أعرف كان منه أخوف وله أطوع.
قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] ثم قال الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
من فوائد هذه الآية: جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، بل قد نقول: وجوب البحث عما يزيد به الإيمان؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يقوي إيمانه بكل وسيلة.
ومن فوائدها -من فوائد الآية الكريمة- تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بخوارق العادات، فإن كون زكريا عليه الصلاة والسلام لا يكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه، هذا من آيات الله، ولهذا قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قد تكون على عكس ما طلبت له، فهي قد طلبت لتحقق الوجود فيما بشر به، والآية كانت على العكس، كانت إعدام موجود، وهو أيش؟ الكلام، كان قادرا على الكلام فمنع من الكلام، كان في الأول كبير السن وامرأته عاقر فوُجد له الولد، فالآية وما كانت آية له بينهما أيش؟ تضاد، هذا وجود وهذا عدم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: كيف يعني من أين تؤخذ؟
* الطالب: ألا تكلم الناس إلا رمزا.
* الشيخ: ما هي الفائدة اللي قلنا؟
* الطالب: تكلم الناس بالإشارة.
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الإشارة تقوم مقام العبارة.
* الشيخ: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ... إِلَّا رَمْزًا﴾ وهذه الفائدة مبنية على أيش؟
* طالب: فائدة (...)
* الشيخ: إيه لكن مبنية على أي شيء بالنسبة لتفسير الآية؟
* الطالب: مبنية على قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠].
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
* طالب: على أساس أن الاستثناء متصل.
* الشيخ: نعم، مبنية على أن الاستثناء متصل، فتكون الإشارة من الكلام.
وفائدة أخرى: أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من أين تؤخذ قبل وبعدين نشوف وجه المأخذ؟
* طالب: قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: وجه المأخذ؟
* الطالب: نأخذ القول الثاني على أن الاستثناء هنا منقطع فلا يكون كلاما.
* الشيخ: فلا يكون كلاما لكنه يكون مقامه عند؟
* الطالب: عند العجز.
* الشيخ: عند العجز عنه. وكلا الأمرين حق، فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام، ولاسيما عند العجز، وذكرنا في التفسير أمثلة لمفارقة الإشارة للكلام، وأمثلة لموافقة الإشارة للكلام، أتستحضرونها الآن؟
مثال لمفارقة الإشارة للكلام؟
* طالب: (...)
* الشيخ: نعم يعني أنها ليست كلاما.
* الطالب: كما لو أشار في الصلاة.
* الشيخ: نعم كما لو أشار في الصلاة؛ فإن الإشارة لا تبطل الصلاة والكلام يبطلها. طيب مثال؟
* الشيخ: مثال لقيام الإشارة مقام الكلام؟
* طالب: في قول مريم (...): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٩] (...) أشارت إليه، الإشارة هنا..
* الشيخ: لما عرّضوا بقذفها أشارت إليه، وغير؟
* طالب: حديث المرأة التي قتلها اليهودي[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٦١٣٤) من حديث أنس.]]، عندما سألوها فأشارت إلى اليهودي.
* الشيخ: ما أشارت إلى اليهودي.
* الطالب: أومأت.
* الشيخ: أشارت حين ذكر اسمه.
* طالب: في قصة ذي اليدين حين قال النبي: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فأومؤوا أن نعم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٩)، وأبو داود في سننه (١٠٠٨) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: بعضهم، وبعضهم قالوا: نعم.
إذن نقول: الآية على الوجهين تدل على أن الإشارة تقوم مقام العبارة مطلقا أو عند الحاجة إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله، من قوله لما منع من الكلام مع الناس وصار لا يكلمهم إلا رمزا، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يكلم الناس إلا رمزا سوف لا يكون حريصا على مكالمتهم لئلا يتعب أو يتعب، أمره الله قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١].
* ومن فوائدها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر ينبغي أن يكون مقرونا بالتسبيح، إلا ما ورد النص بإفراد أحدهما عن الآخر؛ لأنه قال: اذكر ربك وسبح، ولكن الذكر قال: ﴿كَثِيرًا﴾، والتسبيح قال: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ فهل نقول: إن الذكر لا يتقيد بالعشي والإبكار، أو نقول: إنه متقيد لكن يكثر منه؟
يحتمل هذا وهذا، لكن الآيات الأخرى تدل على أن الإنسان مأمور بأن يذكر الله كثيرا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وقال تعالى في وصف أهل الصلاح: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥]، وعلى هذا فالذكر يكون أكثر من التسبيح، لكن القرن بينهما أيضا فيه فائدة وهو أنه يجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائص.