تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿٣٩﴾
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة، وقد سبق عن قريب شيء من الكلام عليهم، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله عز وجل لما أعدهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم عز وجل، كأن ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]]. الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملا ثقيلا.
* طالب: الصريح يا شيخ ولا الصرير؟
* الشيخ: الصرير، «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
ففي هذه الآية: ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إثبات الملائكة، ما حكم إنكار الملائكة؟
حكمه الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول: فيه ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير والشياطين قوى الشر، فأجعلهم معاني لا ذوات.
نقول: وهذا أيضا إنكار لهم؛ لأن الله قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] كيف تكون قوى؟ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩].
* ومن فوائدها: جواز تكليم المصلي؛ لقوله: ﴿نَادَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكلم بعضهم بعضا في الصلاة، لكن المكلم وهو يصلي لا يخاطب الآخر، لكن يفهم ما يقول ويجيبه بالإشارة، لكن هل هذا على إطلاقه بالنسبة لجواز الكلام مع المصلي؟
الجواب: هذا الأفضل تركه إلا لحاجة؛ وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه، وربما ينسى ويخاطب كما يقع هذا كثيرا.
* من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران ٣٩] وهذا أمر مشروط في نوعه وجنسه، ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، إسماعيل قال الله فيه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، وإسحاق ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات ٢٨].
وهل من البشارة ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس.]]، أو هذا من باب التحدث بنعمة الله؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: هذا هو الأصل، الثاني، أنه من باب التحدث بنعمة الله هو الأصل.
ومن فوائد الآية الكريمة..
* طالب: البشارة بالجنس.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: النوع والجنس.
* الشيخ: البشارة بالجنس أن الإنسان يبشر بأي خير كان، بأي شيء كان جاءت به السنة من مفهوم قوله ﷺ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤ / ٣٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، فإن هذا يدل على إدخال السرور على المسلم، وهو كذلك، سواء كان ببشارة أو بغيرها.
قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٣٩] إلى آخره، يستفاد من هذا أيضا: جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهو كذلك، أنه يجوز أن يسمي الإنسان مولوده من ذكر أو أنثى قبل اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مهيأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدق المرسلين؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود، حتى في الأمور الدنيوية، إذا صدقت من قامت البينة على صدقه فهذا لا شك أنه خير، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال؛ أن تصدق من قامت البينة على كذبه.
فالأحوال ثلاثة: من قامت البينة على كذبه فتصديقه خبال وسفه في العقل وضلال في الدين، ومن قامت البينة على صدقه فتصديقه كمال يحمد الإنسان عليه، ومن لم تقم البينة على صدقه ولا كذبه فتصديقه استعجال؛ لأن مثل هذا الخبر ينبغي أن يتأنى الإنسان فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] لم يقل عز وجل: ردوه ولا اقبلوه، نتبين حتى ننظر؛ لأنه قد يكون صادقا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن يحيى عليه الصلاة والسلام سيكون سيدا؛ وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى عليه الصلاة السلام مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه بالإضافة إلى ذلك كان ممنوعا من سوء الأخلاق؛ لقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾، فإن أصح وأعم ما قيل فيها أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصهم بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، إذا ذكرت جميعا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعا صار الصلاح عاما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ -عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ- فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
﴿