تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴿١٩١﴾
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يعني: يذكرون الله على كل حال.
﴿قِيَامًا﴾ وهي أعلى ما يكون الجسد قائمًا، ﴿وَقُعُودًا﴾ وهي مرتبة بين القيام والاضطجاع، والثالثة: ﴿عَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله بأي شيء؟ يذكرون الله سبحانه وتعالى بالتأمل في هذه المخلوقات، كلما رأوا شيئًا استدلوا به على كمال حكمة الله وقدرته وعلمه، وهذا ذِكر، يذكرون الله بألسنتهم بالتهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن وغير ذلك، يذكرون الله بجوارحهم بالقيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة، بالطواف بالبيت، بالوقوف بمزدلفة، بالوقوف بعرفة، بالوقوف بمنى، برمي الجمار، كل عبادة تتعبد لله تعالى وهي عبادة فعلية فهي من أيش؟ من ذكر الله؛ لأنك تريد بها وجه الله، وبذلك تكون ذاكرًا له.
وقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يذكرون الله على جنوبهم بالقلوب والجوارح؛ لقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين.]].
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ التفكر: إعمال الفكر، يعني: إعمال المخ كما يقولون، يفكر في خلق السماوات والأرض لأي شيء خلقت؟ وكيف خلقت؟ وكيف رفعت السماء؟ وكيف سطحت الأرض؟ وما أشبه ذلك. المهم أنهم يعملون أفكارهم، ثم يتفكرون هل هذه السماوات والأرض خلَقَت نفسها أم كانت مخلوقة؟ يستنتجون بهذا التفكير أن السماوات والأرض كانتا مخلوقتين؛ لأنهم بالتفكير يطَّلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ﴾ هذه الجملة مقولٌ لقول محذوف، يعني: يقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلًا، يعني بعد أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض تحصُل لهم هذه النتيجة المباركة: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ هذه نافية، وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ حال لازمة لو حذفت لفسد الكلام، وعلى هذا فتكون لازمة، والقاعدة في الحال اللازمة هي التي لو حذفت لفسد الكلام، لو حُذِفت ﴿بَاطِلًا﴾ لكان اللفظ: ربنا ما خلقت هذا، مع أنه خلقه، وكم من جملة حالية أو مفرد حال صار لا بد منه في الكلام، وتسمى هذه: حال لازمة.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ يعني: يا ربنا، فهو منادى منصوب بياء النداء المحذوفة، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ سبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوف، والتقدير من حيث المعنى: نسبحك تسبيحك، أي: ننزهك تنزيهك اللائق بك، وأصل التسبيح: التنزيه والإبعاد عن السوء، ومنه قولهم: سبَح فلان، يعني أبعد، ونزل في الماء يَسْبَح.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك أن تخلق هذه السماوات والأرض باطلًا، وقد بين الله في آية أخرى أن من ظن أن الله خلق شيئًا باطلًا فقد أخذ بظن مَن؟ بظن الكفار، ما الدليل؟ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، ولهذا قال: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء هذه مُفَرِّعة للجملة الثانية عن الأولى.
و(قِ): فعل أمر مكون من حرف واحد؛ لأنه أيش؟ فعل ناقص وأوله حرف علة، والفعل الثلاثي الناقص الذي أوله حرف علة يكون عند الأمر أو الجزم على حرف واحد، فتقول: (قِ): مأخوذ من (وقى)، (عِ): من (وعى)، (دِ): من الدية من (ودى)، ولها أمثلة كثيرة ذكرها الخضري رحمه الله في حاشيته على شرح ابن عقيل على الألفية، وهذه الحاشية -أعني حاشية الخضري على شرح ابن عقيل- من أحسن الحواشي التي كتبت على شروح ألفية ابن مالك؛ لأنه متأخر وجمع أقوال من سبقه، وله تحرير جيد في بعض الأشياء التي يحررها، فأُشير بها على كل من أراد أن يقرأ ألفية ابن مالك وشرحها لابن عقيل، فإن هذه الحاشية مفيدة، وقد ذَكر عدة أمثلة للفعل الثلاثي المبدوء بحرف علة المختوم بحرف علة بأنه تُحذف منه أيش؟ العلتان.
النحويون يقولون: ما أوله حرف علة فهو مثال، وما وسطه حرف علة فهو أجوف، وما آخره حرف علة فهو ناقص أو مقصور كذا؟ نعم.
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (قنا) مأخوذ من (الوقاية)، أي: قنا عذاب النار بما تشاء؛ إما بعدم إدخالها، يعني أن لا ندخلها أصلًا، أو بإخراجنا منها بالشفاعة؛ لأن المؤمن الفاسق يستحق دخول النار على فسقه ثم بعد ذلك يُخرج منها، وقد يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
نذكر فوائد هاتين الآيتين:
* من فوائد الآية الأولى: الحث على تدبر خلق السماوات.
* طالب: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩].
* الشيخ: ما شرحناها؟
* الطالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: الفوائد، الآية التي قبل هاتين.
* من فوائد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أن ملك السماوات والأرض خاص بالله عز وجل، ووجهه تقديم الخبر، والقاعدة: أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر.
* ومن فوائدها: أن الملك المطلق لله وحده؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾، وتقييدنا الملك بالمطلق ينفي توهم التعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ حيث حصر الملك له وحده وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور ٦١]، وجهه: أن الملك المضاف إلى المخلوق ملك مقيد ليس ملكًا مطلقًا، ودليل هذا: أن هذا المالك من المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعًا من هذا ولا يملكه، والله جل وعلا يملك مُلكًا عامًّا شاملًا يستغني به عن غيره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع؛ لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوَكالة، يتقيد بما أيش؟ بما أُذن له؛ ولهذا لو وكّلت شخصًا على بيع بيت لم يملك أن يؤجره؛ لأنه إنما وكِّل على البيع فقط وهو المالك، والمالك الذي يملك البيت لم يأذن له في التأجير إنما أذن له في البيع، فنحن باعتبار ما ملكت أيماننا لا نملكها ملكًا أيش؟ مطلقًا نتصرف فيها كيف شئنا، وإنما تملكنا لها تملك مقيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيء العام للخلق ليس ملكًا لأحد، الذي أخرجه الله عز وجل وليس من صنع إنسان فهو غير ملك لأحد إلا من سبق إليه بمقتضى النصوص الشرعية، ووجه ذلك: أن الله جعل السماوات والأرض ملكهما لمن؟ له، فإذا كان له فإنك لا تملك شيئًا من أرضه إلا على الوجه الذي أذن فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأنت إذا قرأت هذه الآية وطبقتها على ما يورده بعض أهل الباطل من التشكيك في الشريعة فإنك تستريح، مثلًا يقول بعض الملحدين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يقول: كيف يعود الإنسان إنسانًا بعد أن كان أيش؟ ترابًا. وجوابنا على هذا سهل، أن نقول: إن هذا من قدرة الله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: أن من آمن بهذا -أي: بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، كيف ذلك؟ لأن الإنسان قد يُصاب بمرض مثلًا فييأس من بُرئه بعد العلاج، فيقال له: لا تيأس؛ إن الله على كل شيء قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقى المرض بك فقد يكون خيرًا لك؛ لأنك تكسب أيش؟ مِن ورائه الثواب من الله عز وجل: «فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ لَهُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] يعني: من ذنوبه، فأنت لا تيأس إذا أصابك مرض لا يرجى زواله مثلًا، لا تيأس؛ فإن الله على كل شيء قدير.
* ومن فوائدها: أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأمور التي يستبعدها العقل فإنها حق؛ لأن الله على كل شيء قدير، واضح يا جماعة؟ فمثلًا لو قال: كيف ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش؟ فنقول له: الله على كل شيء قدير، وليس لك أن تعارض ما أخبر به رسول الله ﷺ عن ربه في أحاديث متواترة بمجرد وهم.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التأمل في خلق السماوات والأرض؛ لأن الله ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي العلامة، وكلما ازدادت الآيات وضوحًا ازداد الإيمان قوة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجوه التي ذكرناها في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لا يذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عز إلى ذل، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أصحاب العقول؛ لأن الله جعل هذا الاختلاف آية لمن؟ لذوي العقول، أما من لا عقل له فإنه لا ينتفع بهذه الآيات ولا يعتبر بها، وتمر عليه وكأنها مَظَاهر طبيعية لا علاقة لفعل الله تعالى بها، وهذا -والعياذ بالله- من الطمس على القلوب وعمى الأبصار؛ لأن هذا الكون المنظم على هذا النظام البديع لا يمكن أبدًا أن يقع إلا من رب حكيم عز وجل، ولا يمكن أن يقع من فاعل على وجه السَّفهِ أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرب عز وجل أظهر آياته لخلقه مع أن مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينًا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله عز وجل: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، فالإنسان قد يكون مؤمنًا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على العقل، وهو عقل الرشد أو عقل التكليف؟ عقل الرشد؛ لقوله عز وجل: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم؛ لقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والحكم المعلق على وصف يثبت أيش؟ بثبوته ويعدم بعدمه، فإذا كان أصحاب العقول هم الذين ينتفعون بهذه المخلوقات ويستدلون بها على الخالق عز وجل وعلى ما له من صفات الكمال، فإن مَن عقله عقل بهيمي لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأنه ليس من ذوي الألباب.
فإن قال قائل: العقول هِبة من الله عز وجل، هبة، فكيف يذم الإنسان على فقدها أو يمدح على وجودها؟
فالجواب: أن العقل -أعني عقل الرشد- نوعان: عقل غريزي، وعقل اكتسابي أو كسبي، فالعقل الغريزي لا يحتاج إلى تأمل وتفكر، وأما العقل المكتسب فإنه يحتاج إلى تأمل ونظر وتفكر؛ لأنه كلما ازداد تفكره ازداد إيمانه ويقينه ورشده.
هل يؤخذ من الآية الكريمة: الثناء على ذوي العقول؟ نعم؛ لأن الله جعل هذه الآيات نافعة لمن؟ لهم؛ لأولي العقول، وعلى هذا فينبغي لك أن تُكرس جهودك على التأمل المبني على العقل حتى يكون عندك عقل غريزي وعقل مكتسب.
ثم قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى آخره.
* طالب: شيخ، قول لله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقيد بعض العلماء القدرة هنا بما تعلقت بممكن فهل هذا الإمكان هو الإمكان العقلي أو الإمكان الواقعي؟
* الشيخ: لا، العقلي، الواقعي قد يكون الشيء غير ممكن وقوعًا لوجود الموانع لكنه عقلًا ممكن.
* طالب: تعريف النحاة الحال بأنها فضلة ما يعارض (...)؟
* الشيخ: لا، المراد بالفضلة ما تستغني عنه أركان الجملة.
* الطالب: كل جملة بحسبها؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران ١٩٢ - ١٩٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أين خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
* طالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ كيف تكون خبرها وهي بالكسرة؟
* الطالب: ﴿لَآيَاتٍ﴾ منصوبة بـ(إن) وعلامة نصبها الكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: مبتدأ مؤخر.
* الشيخ: سبحان الله! ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ﴾ مبتدأ مؤخر منصوب!
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: كيف خبر مؤخر؟
* طلبة: اسم (إن).
* الشيخ: اسم (إن)، أنا أسأل عن الاسم (إن) أين؟ هو فأجاب.
* طلبة: خبر (إن).
* الشيخ: كيف؟
* طلبة: عن الخبر، عن خبر (إن).
* الشيخ: على كل هذا هو أجاب بالصواب أن ﴿آيَاتٍ﴾ اسم (إن).
قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ محله من الإعراب ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ عطف بيان.
* الشيخ: ولا تصلح صفة؟
* الطالب: تصلح صفة.
* الشيخ: تصلح صفة.
قوله: ﴿قِيَامًا﴾ منصوبة على أي شيء؟ منصوبة على أيش؟
* طالب: على الواو.
* الشيخ: لا، ﴿قِيَامًا﴾ ما فيها (واو) أبدًا.
* طالب: على الحال.
* الشيخ: من إيه؟
* الطالب: ﴿قِيَامًا﴾ يعني: حال كونهم قيامًا.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟ الحال تحتاج إلى صاحب.
* الطالب: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ هم.
* الشيخ: أين صاحب الحال؟
* الطالب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ يعني: هم يذكرون الله، مِن ﴿الَّذِينَ﴾.
* الشيخ: من ﴿الَّذِينَ﴾؟
* طالب: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: من واو الجماعة في: ﴿يَذْكُرُونَ﴾، تمام.
قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ محل الجملة من الإعراب؟
* طالب: معطوفة.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: ما محلها من الإعراب؟
* طالب: إذا قلنا: إن (الذين) صفة لـ﴿خَلْقِ﴾ قلنا: مجرورة.
* الشيخ: كيف مجرورة؟
* الطالب: يعني: المعطوف على المجرور مجرور.
* الشيخ: أين المجرور؟ ما قلت على ﴿يَذْكُرُونَ﴾؟
* الطالب: (الذين) إي، إي نعم، ﴿يَذْكُرُونَ﴾ حال، طيب تكون حالية.
* الشيخ: حالية، منصوبة على الحال.
* طالب: لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول.
* الشيخ: إي، هذه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول، وصلة الموصول ليس لها محل من الإعراب.
قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ ما محلها من الإعراب؟
* طالب: منصوبة على مقول القول.
* الشيخ: مقول القول المحذوف؛ يقولون: ربنا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله عز وجل من لوازم العقل ومقتضياته؛ لقوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله عز وجل على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، وكان أبلغ مَن وفَّى بهذا حقه رسول الله ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه»[[أخرجه مسلم (٣٧٣ / ١١٧) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائدها: جواز ذكر الله تعالى للجنب، أي: أنه يجوز للجنب أن يذكر الله؛ لدخوله في العموم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يُعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن إذا قرأتها على جنب، وقد ثبت أن النبي ﷺ: «كان يقرأ القرآن متكئًا في حجر عائشة وهي حائض رضي الله عنها»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١ / ١٥) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التفكر في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولكن التفكر المقرون بقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات؛ لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا لكنه لا يفيده في الآخرة، لا بد أن يكون التفكر هذا مُنتجًا هذا القول والإقرار: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أُثني على المتفكرين في الخلق فالمتفكرون في الشرع من باب أولى؛ لأن الشرع ليس أمرًا محسوسًا، فالتفكر فيه أبلغ في الإيمان من التفكر في الخلق، الخلق أمر محسوس كل إنسان يدركه، لكن حكم وأسرار الشرائع ليس كل أحد يدركها.
* ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، وأكثر ما يكون التوسل به من أسماء الله في الدعاء هو الربوبية؛ لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير، فلهذا نجد أن أكثر ما يُدعى به الربوبية؛ اسم الربوبية أو وصف الربوبية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الباطل في خلق الله نفيًا مطلقًا، من أين يؤخذ؟ ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وإذا انتفى الباطل نفيًا مطلقًا ثبت الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
* ومن فوائدها: إثبات ما أثبته أهل السنة من أن من صفات الله ما هو منفي أو ما هو سلبي؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، والقاعدة عند أهل السنة: أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها النفي مع إثبات كمال الضد؛ لأنه لثبوت الكمال الضد انتفى هذا الوصف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإقرار من هؤلاء العقلاء بأن الله هو الخالق: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ وهو من تقرير توحيد أيش؟ الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾؛ لأنه لو خلقها باطلًا لانتفت الحكمة، فإذا انتفى الباطل ثبتت الحكمة، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن أفعال الله وشرائع الله كلها لحكمة، ليس فيها شيء عبثًا إطلاقًا، وما خفيت علينا حكمته فهو لقصور أفهامنا وليس لانتفاء الحكمة فيه، عرفتم هذا؟ لأن الله قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، ونحن نؤمن بأن الله عز وجل لا يحكم بشيء حكمًا كونيًّا ولا قدريًّا إلا لحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص، مأخوذة من قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، والذي ينزه الله عنه شيئان: النقص، والثاني أيش؟
* طالب: العيب.
* الشيخ: النقص والعيب، هو العيب.
* طالب: مماثلة المخلوقين.
* الشيخ: مماثلة المخلوقين، حتى فيما هو كمال في المخلوقين فإن الله منزه عن مماثلتهم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، فكل نقص قد تعالى الله عنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء بالوقاية من النار؛ لقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله من قوله: ﴿فَقِنَا﴾؛ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني: أننا نتوسل إلى الله عز وجل بتنزهه عن النقص أن يقينا عذاب النار؛ لأننا نحن مؤمنون، يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾؛ لأنه من المعروف في اللغة العربية أن (الفاء) تدل على أيش؟ تفرع ما بعدها على ما قبلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة؛ لقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
في الآية الكريمة كلمتان لا يجوز فصل إحداهما عن الأخرى أين هما؟
* طالب: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* الشيخ: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ لو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ وسكت أوهم معنًى فاسدًا؛ ولهذا يجب الوصل: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء ٤٣] لا بد أن تصل تقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ لو قلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ فقط فسد المعنى، ومثل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] لا بد أن تصل فتقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ وذلك لأنك لو سكت لأوهم أن الوعيد لمن يصلي.
نحن أعربنا ﴿بَاطِلًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من إيه؟ من (ذا)؟ من (هذا)؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من (هذا) ﴿هَذَا بَاطِلًا﴾، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: خلقًا باطلًا، إي نعم.
ثم قال الله عز وجل: ﴿