×

آل عمران

الآية ١٩٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿١٩٠﴾

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿خَلْقِ﴾ الخلق هو: الابتداع على غير مثال سبق، يعني: إيجاد الشيء على غير مثال سبق يسمى خلقًا. وفي خلق السماوات والأرض آيات من عدة أوجه: الوجه الأول: من جهة الكِبر والسعة. الوجه الثاني: ما فيهما من الحسن والبهاء والجمال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥]، والذي يطَّلع على ما صوره العلماء من هذه الآيات العظيمة يتبين له عظمة الله عز وجل في هذا الخلق. كذلك في خلق السماوات من جهة إتقانها وعدم تخلخلها، قال الله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٣، ٤]. في خلق السماوات بما أودع الله فيهما من المادة؛ المواد المتعددة المختلفة الأنواع والأشكال والمنافع، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] يعني: متجاورات بعضها إلى جوار بعض ولكن بينها من الاختلاف ما لا يعلمه إلا الله. فيهما أيضًا: ما فيهما من المنافع العظيمة للخلق، فالشمس فيها خير عظيم، والقمر كذلك، والأشجار وغيرها، كلها فيها خيرات عظيمة من آيات الله عز وجل، فأنت ترى النخيل على أرض واحدة وتسقى بماء واحد، ويفضل الله بعضها على بعض في الحجم واللون والمذاق والادخار، وهي جنس واحد لكنها مختلفة. والآيات في هذا كثيرة، لو أن الإنسان جلس يتدبر ويتأمل ويكتب كل ما يَعِن على خاطره لجمع آيات كثيرة في هذا، ونحن مأمورون أن نتدبر: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الروم ٨] مأمورون بأن نتدبر ما في السماوات والأرض من الآيات لنستدل بها على كمال قدرة الله عز وجل وما في ذلك من الحكم العظيمة والرحمة. وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا التعبير القرآني غالبًا أن الله يذكر السماوات مجموعة إلى الأرض مفردة، ولم يأت في القرآن الكريم التصريح بعدد الأرض بخلاف السماء، فقد جاء التصريح بأنها سبع سماوات كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، أما الأرضون فجاءت مشارًا إليها بأنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد لا في الكيفية ولا في الماهية، وجاءت السنة صريحة في هذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) ولفظه له بزيادة: «ظلمًا» من حديث سعيد بن زيد بن عمرو.]]. وقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أيضًا هذا فيه آياتٌ اختلافُ الليل والنهار، يعني أي وجهٍ من الاختلاف يراد؟ الجواب: أنه يراد اختلافهما من وجوه شتى: أولًا: من جهة أن الليل ظلمة والنهارَ نور، وهذا من آيات الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص ٧١ - ٧٣]، فهذا من آيات الله، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء ١٢]. كذلك أيضًا اختلافهما من جهة الطول والقصر: أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان، ولا أحد يستطيع أن يقوم بهذا، فهو من آيات الله. ولو أن أهل الأرض كلهم اجتمعوا على أن يُدخلوا من الليل جزءًا في النهار ما استطاعوا، ولا العكس، فهذا من آيات الله. ويدخل في هذا: اختلاف الليل والنهار، يدخل فيه اختلافهما حرًّا وبردًا، أحيانًا يكون هذا حارًّا وهذا باردًا، وأحيانًا يتساويان. ومن ذلك أيضًا: اختلافهما في الرخاء والشدة، أحيانًا تمر بك الأيام رخاء، وأحيانًا تمر بك الأيام شدة. ومنها أيضًا؛ من هذه الآيات: اختلافهما في العز والذل، والنصر والخذلان؛ يُنْصَر أحيانًا أقوام ويخذل هؤلاء الأقوام في آن آخر، وهكذا. فإذنْ الليل والنهار فيهما آيات في اختلافهما، في ذاتهما، وفيما يقع فيهما، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، ولو تأمل الإنسان لوجد أكثر مما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار. وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آيات) جمع، الآيات هنا؛ لأنها متنوعة ومتعددة، ولكنها لا يفهمها ولا يتخذها آياتٍ إلا أولو الألباب؛ ولهذا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لأصحاب العقول، وسُمي العقل: لبًّا؛ لأنه خالص الإنسان، كما أن اللُّب خالص الحبة مثلًا، فالإنسان بعقله وليس بفكره، والعقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر لأذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو الرشد في التصرف، كلما كان الإنسان أسدَّ رشدًا وتصرفًا كان أعقل، وليس كلما كان أذكى فهو أعقل لا، لا يمكن؛ لأنه قد يكون من الأذكياء من هو أبعد الناس عن العقل. ولهذا يمكن أن نقول لصناديد الكفرة الممتلئين ذكاءً نقول: إنهم غير عقلاء وإن كانوا أذكياء، قال الله لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] مع أنهم عندهم عقل، فأصحاب الألباب هم الذين يعرفون ما في هذه الأشياء الأربعة من الآيات العظيمة: خلق السماوات، خلق الأرض، اختلاف الليل، اختلاف النهار. ثم بين الله تعالى ما يتصف به هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ وهذه صفة مبيِّنة، يعني لنا أن نجعلها عطف بيان، ولنا أن نجعلها صفة مبينة لحالهم، ﴿