×

آل عمران

الآية ١٥٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿١٥٧﴾

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ﴾ عندكم كذا؟ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ ؟ * الطلبة: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾. * الشيخ: فيها قراءتان: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ بالكسر، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ قراءتان، إذن ففي الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان، الأولى قال: ﴿مِتُّمْ﴾ مأخوذة من مات يمات، وإذا أُخذت من مات يموت كيف نقول؟ ﴿مُتُّمْ﴾ بضم الميم. أو من مات يمات؟ * الطلبة: ﴿مِتُّمْ﴾ . * الشيخ: ﴿مِتُّمْ﴾ مات يمات، يعني كلها لغة عربية، تقول: (مات الرجل، يمات الرجل)، (مات الرجل، يموت الرجل)، (مات) كـ(يخاف)، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، هذا أصلها، كخاف يخاف أصلها: خَوِفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب: فرِح يفرَح. خوِف يَخْوَف، فيقال فيها: خَوف يَخْوَفُ، نقول فيها أيش: ﴿مِتُّمْ﴾ كما تقول: خِفتم. الثاني يقول: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ هل في الآية التفات؟ * طالب: نعم، القراءة الثانية. * الشيخ: أيهم الياء ولّا التاء؟ * الطالب: الياء. * الشيخ: الياء فيها التفات، وعلى قراءة التاء لا؛ لأن الآية كلها للخطاب. وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ ...﴿أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . اجتمع في الجملة قسَمٌ وشرط، أيهما السابق؟ * طالب: القسم يا شيخ ﴿وَلَئِنْ﴾. * الشيخ: أيهما السابق؟ * الطالب: الواو، واو القسم. * الشيخ: وإذا تقدم القسم فأيهما يحذف جوابه: الشرط أو القسم؟ * الطالب: القسم. * الشيخ: القسم؟ * طالب: جواب المتأخر على الشرط. * الشيخ: جواب المتأخر، الشرط أو القسم، قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (واحذف لدى اجتماع شرط وقسم) يعني عند اجتماع الشرط والقسم في الجملة، احذف (جواب ما أخرت فهو ملتزم). هنا المتقدم أيش؟ القسم، إذن الذي يحذف جواب الشرط وهو كذلك، الآن في الآية هو كذلك، ولهذا جاء الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، جاء الجواب جواب قسم ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، فاللام هنا واقعة في جواب القسم، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئة للقسم، وجواب الشرط محذوف. فإن قال قائل: كيف يُحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وُجد ما يسد مسده، وهو جواب القسم. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، بمعنى: قُتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قُتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قُتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قُتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله. الجهاد جهاد الكفار، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، بيان الحق؛ لأن الجامع بينها أن هذا قُتِل وهو يدافع عن أيش؟ عن دين الله عز وجل، فالذي يُقتل في سبيل الله يقول الله عز وجل: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ خير من الدنيا وما فيها. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ هل نقول: إن المعنى: أو مِتم في سبيل الله، فيكون المراد به من مات في الجهاد، أو مِتم مطلَقًا؟ الظاهر الثاني؛ لأن الله عز وجل لو أراد الأول لقال: ولئن قُتلتم أو مِتم في سبيل الله، فلما أخر (مِتم) عن القيد عُلم أنه غير مراد في الجملة الثانية. ولهذا يقول العلماء: إن الوصف أو الشرط إذا تعقَّب جملًا عاد إلى الكل، وإن توسط جملًا فهو للأول، فهو لما سبقه. ما هي القاعدة؟ كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره -كل قيد- إذا تعقَّب جملًا -أي صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبقه فقط دون ما تأخر عنه، إلا ما دل عليه الدليل. وعلى هذا نطبق قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٤، ٥]، هذه الآية فيها قيد بالاستثناء تعقَّب الجمل الثلاثة، فهل يعود إلى الثلاث؟ نقول: أما الأولى فلا يعود إليها بالإجماع، وأما الثالثة فيعود إليها بالإجماع، وأما الوسطى ففيه خلاف. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، الجملة الأولى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، الثانية: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، الثالثة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الاستثناء لا يعود إلى الأولى بالاتفاق، فلو أن القاذف تاب فإن حق المقذوف لا يسقط، يُجلد ثمانين جلدة ولو تاب، وإذا تاب القاذف زال عنه وصف الفسق بالاتفاق. وإذا تاب القاذف فهل تُقبل شهادته أو لا؟ في هذا خلاف؛ منهم من قال: تُقبل، ومنهم من قال: لا تُقبل. يقول عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ المغفرة فيها النجاة من المكروه، والرحمة فيها حصول المطلوب. وقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي مما يجمعون من الدنيا كلها، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]. * طالب: في التشبه، لو كان الشيء مشتهرًا بين المسلمين، يعني يفعله طائفة من المسلمين ليس مختصًّا بالكفار، ولكن يفعله الشخص ليس لأن المسلمين يفعلونه ولكن لأن الكفار يفعلونه يعنى يقلدهم في الصفة.. في الأكل مثلًا، لا يأكل هذا لأن المسلمين يأكلونه بل يأكله لأن أهل أوربا يأكلونه أو كذا؟ * الشيخ: لا، لكن الظاهر ما يعتبر من التشبه. * الطالب: أو اللباس، بعض الألبسة؟ * الشيخ: يعني هذا ما يتصل بنفس الإنسان، الأكل والآلات وشبهها، لو قال واحد: أنا باذبح بسكاكين من سكاكين الكفار، لكن ليس في قلبي تعظيمهم، فلا بأس، وأما قول الرسول ﷺ: «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» » فليست العلة أنه مدى الحبشة، لكن العلة أن إطالة الظفر من فعل الحبشة من أجل أن ينحروا به. الحبش يغذون أظفارهم حتى تكون كالسكاكين، وبدل من أن يحمل السكين في جيبه يقول: السكين جاهز في الأصبع. لأن هذا لو أن الناس اعتادوه خرجوا عن الفطرة التي هي تقليم أيش؟ * الطلبة: الأظافر. * الشيخ: تقليم الأظفار، إي نعم. * طالب: في بعض البلدان أكثر العلماء يلبسون ثيابًا تشبه ثياب الأساقفة والرهبان، فيكون هذا من التشبه بهم؟ * الشيخ: الظاهر أنه من التشبه، ما دام الإنسان إذا رآهم قال: هؤلاء من الأساقفة فهو تشبه. مع أن المسألة ربما يقال: إن السبق في هذا اللباس للمسلمين. * الطالب: لماذا لا يلبسون لباس أهل البلد؟ * الشيخ: لكن ما تظن أن هذا اللباس سابق للمسلمين أنه خاص بالعلماء؟ * الطالب: لا يا شيخ، الأساقفة سابقين. * الشيخ: سابقين؟ مشكلة هذه، هذه ما هي مضاهاة للنصارى. * الطالب: ولكن يا شيخ هم لا يعلمون ولا يقصدون؟ * الشيخ: إي لكن معروف، يعني من عرف لباس الأساقفة قال: هذا أسقف. * الطالب: هم يقلدون العلماء من قبلهم، وما يعلمون أنهم يتشبهون؟ * الشيخ: نحن قلنا: إن التشبه لا يُشترط فيه القصد. * طالب: أقول -أحسن الله إليك يا شيخ-: بعض النساء عندهم قصات معينة ويفعلها الكفار، لكن هم ما قصدوا التشبه، بل عادة؟ * الشيخ: أبدًا، ما دام أن هذا لم ينتشر بين المسلمين ويكن من لباسهم أو من هيئاتهم فهو تشبه حرام. * الطالب: ما قصدوا؟ * الشيخ: ولو ما قصدوا؛ لأن الذي يقصد التشبه قلت لك: إن هذا خطر؛ لأنه لن يقصد التشبه إلا وفي قلبه تعظيم لهم ومحبة لهم. * طالب: اشترطتم يا شيخ المغفرة والرحمة على مجرد الميت؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾. * الشيخ: يعني معناه أن من مات -وعلى كل حال ما بعد وصلناها- لكن معنى من مات فإنه لن تفوته المغفرة، ثم هو إذا مات انتقل إلى خير مما كان عليه، يعني هؤلاء الذين يموتون في سبيل الله ينتقلون إلى ما هو أفضل، ولهذا يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا لا ليعيشوا فيها ولكن ليُقتلوا مرة ثانية في سبيل الله، كذلك الموت، الله المستعان، كررنا عليكم مرارا: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤]، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] أتظن أن المؤمن إذا مات يندم على أنه مات من أجل فوات محبوب له؟ لا، من أجل العمل، يتمنى أنه باقٍ ليزداد عمله، لا ليتمتع بالدنيا؛ لأنه ينتقل إلى دار أفضل، ما دام -نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- ما دام يُفسح له في قبره مد بصره ويأتيه من نعيم الجنة وروحها، هذا ما له نظير في الدنيا. * طالب: في قول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾...﴿أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ نريد توضيح القسم من أداة القسم والمقسوم؟ * الشيخ: (والله لئن) هذا أداة القسم، (والله لئن). * طالب: ﴿وَقَالُوا﴾ للماضي، و﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ للمستقبل، ما فيه إشكال؟ * الشيخ: إي، وعلى كل حال فيه شيء من الإشكال، ما هو الإشكال اللي يمكن أن يرد؟ ﴿وَقَالُوا﴾ ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾، بعض العلماء قال: إن (إذا) هنا لا يراد بها الاستقبال، إنها سُلِبت الدلالة عن المستقبل، وإن المراد بها مجرد الظرف، وإنه يشبه قول: وقالوا إذ ضربوا في الأرض، وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض أو كانوا غزى. قالوا: والدلالة على المعنى قد تُسلب الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] هل المعنى: كان في الأزل ثم لم يكن الآن غفورًا رحيمًا؟ لا، سُلبت الدلالة على الزمان، كذلك (إذا) هنا سُلِبت الدلالة على المستقبل وصار المراد بها مجرد الزمان فقط. * * * * طالب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران ١٥٩]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا يسأل يقول عن الذين يُعَلِّقون على مصاحف المسجد؟ اللي يحب يعلق القراءات يشتري مصحف ويعلق عليه، هذا طيب، المصحف هذا معلق عليه القراءات، أما المسجد ما يجوز؛ لأنه ربما يأخذه عوام ما يعرفون، ثم هذا يُجَرِّئ الناس على تعليقات غير صحيح، لذلك انتبهوا ممنوع، التعليق على مصاحف المسجد ممنوع، أفهمتم يا جماعة؟ لأن أولًا: ما هي لنا حتى نعلق عليها، والثاني: اللي يقرؤه ناس ما يعرفون، عامة، أخشى من هذا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ هذه العبارة تكون في القرآن الكريم كثيرًا، أي أنه يجتمع قسم وشرط، القسم مستفاد من اللام في ﴿وَلَئِنْ﴾؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، أما الشرط فهو بـ (إن)، وإذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المتأخر، ويكون الجواب المذكور للمتقدم؛ لسبقه، قال ابن مالك في الألفية: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ في هذه الآية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ﴾ الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جواب قسم؛ لأنه اقترن باللام. في هذه الآية في قوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ قراءتان: قراءة بكسر الميم، وقراءة بضم الميم، أما ضم الميم فهي من مات يموت، وهذه قاعدة تنفعكم: إذا أُسند الفعل الماضي إلى ضمير الرفع فإنه على حسب المضارع، فمثلًا إذا كان المضارع مضموم العين فإن هذا يكون أيضًا مضمومًا: قام يقوم، تقول: قُمت، باع يبيع: بِعت، خاف: خِفت، لماذا؟ لأن أصله خوف يخوف مكسور، فتقول: خِفت، مات يمات: مِت، مات يموت مُت، إذن ﴿مُتُّمْ﴾ من مات يموت، ﴿مِتُّمْ﴾ من مات يمات، هاتان قراءتان. فيه أيضًا في قوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ فيها قراءتان ﴿يَجْمَعُونَ﴾: قراءة بالتاء: ﴿تَجْمَعُونَ﴾ وقراءة بالياء. هذا الكلام عن القراءات والكلام عن الإعراب. يقول الله عز وجل مبينًا ومسليًا لعباده المؤمنين: إنهم إذا خرجوا من ديارهم وقُتلوا أو ماتوا فإنَّ ما يُقبِلون عليه خير مما يرحلون عنه، وهذا متصل بما قبله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ إلى آخره. يعني يقول: لو متم أو قُتلتم فإن هذا ليس حسرة، هذا خير، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في الجهاد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون المعنى أعم من الجهاد في سبيل الله بالسلاح ليشمل الجهاد في سبيل الله بالدعوة إلى الله عز وجل والعلم، فمن قُتل لكونه داعية فإنه مقتول في سبيل الله؛ لأنه كالمجاهد بسلاحه. وقوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ يعني دون أن تُقتلوا في سبيل الله، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها، ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ لمن؟ لكم: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ لكم أيضًا. والفرق بين المغفرة والرحمة: أن المغفرة بها زوال المكروه، والرحمة بها حصول المطلوب؛ أي أنكم يحصل لكم مطلوبكم وتنجون من مرهوبكم، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، والرحمة صفة من صفات الله عز وجل لكنها تقتضي الإحسان إلى المرحوم والإنعام عليه. وفي قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إضافة المغفرة إلى الله تدل على عظمة هذه المغفرة؛ وذلك لأن الشيء يعظم بعظم باذله، فمثلًا إذا قلت: أعطاني الملك عطية، وقلت: أعطاني الصعلوك عطية، الصعلوك من هو؟ الفقير. ماذا يتصور الناس إذا قلت: أعطاني الملك عطية؟ أنها كثيرة. أعطاني الصعلوك عطية؟ أنها خمس وعشرون هللة، قليلة، فالشيء يَعْظُم بحسب ما أيش؟ ما يضاف إليه، فلهذا قال: ﴿مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي ابتداؤها منه، فهو الذي يبتدئ بها عز وجل ويتفضل بها. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني: منه ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أو ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن من قُتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها؛ لقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. * ومن فوائدها: منة الله عز وجل على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، فالإنسان يهمه فوات الدنيا، كلٌّ يحب أن يبقى في الدنيا، فإذا جاءت التسلية من الله وقيل: إنك إذا مِت أو قُتلت انتقلت إلى ما هو خير، فإن الإنسان يتسلى بهذا، ويقول: الحمد لله أنني إذا انتقلت إلى الآخرة فأنا أنتقل إلى خير من الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ إن بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بُعْدٌ تام؛ لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] وأبين من ذلك قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]. ثم قال الله تعالى: ﴿