تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٨﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٨]، هذا المشار إليه هل هو القرآن أو ما ذكر من قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٣٣]؟
في هذا قولان للمفسرين؛ منهم من قال: إنه عائد للقرآن؛ لجريان ذلك كثيرًا في كتاب الله، كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء ٥٠] وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها الإشارة التي تعود إلى القرآن نفسه، فيكون هذا - أي القرآن- بيانًا للناس.
ومنهم من قال: إنه عائد إلى أقرب مذكور، إلى ما ذُكِر؛ لأن اسم الإشارة والضمير كلاهما يعودان على أقرب مذكور، ولكن الأولى الأول؛ أن يكون عائدًا إلى القرآن كله، ومنه هذه الآية؛ لأن هذه الآية من القرآن، فإذا جعلنا هذا يعود على القرآن كله صارت من ضمنه ما ذكر في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ إلى آخره.
وقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، ﴿بَيَانٌ﴾ مصدر، بل اسم مصدر (بَيَّن، يُبَيِّن)، المصدر (تبيينًا)، مثل بدّل يبدّل تبديلًا، ولكن البيان اسم مصدر، مثل كلّم يكلّم تكليمًا، واسم المصدر كلام، وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ إذا قلنا إنه اسم مصدر فقد عبر باسم المصدر الذي هو البيان عن الموصوف بالبيان، وهذا من باب المبالغة أن يجعل الموصوف هو الصفة نفسها، حطوا بالكم، إذا عبرنا بالصفة عن الموصوف فهذا من باب المبالغة كأننا سلبنا اتصافه بها حتى جعلناه هو نفس الصفة، ولهذا يقولون: إن قول القائل: فلان عدل، أبلغ من قولهم: فلان ذو عدل، كأنه جعل هذا الموصوف هو الصفة، إذن فالقرآن ليس فيه البيان، بل هو نفسه البيان، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ مَن الناس؟ كل الناس، كل من قرأ القرآن تبين له ما دل عليه القرآن؛ ولكن هل كل من بان له ذلك يهتدي؟ لا، ولهذا قال: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هدى بمعنى دلالة يستدل به المتقي، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ بمعنى امتثال؛ لأن الموعظة هي تليين القلوب بذكر ما يُخاف منه، أو ذكر ما يُرغب فيه، فهو ﴿هُدًى﴾ يعني دلالة، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ يعني امتثالًا.
فوصف الله القرآن بثلاثة أوصاف: وصف عام، ووصفان خاصان؛ الوصف العام هو: بيان للناس، والخاصان: هدى وموعظة؛ فإنه لا يهتدي به إلا المتقون، ولا يتعظ به إلا المتقون، أما من ليس كذلك فهو عليهم عمى - والعياذ بالله - عليهم عمى، ولا يزدادون به اتعاظًا، بل يقول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾، أي نجاسة إلى نجاستهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥]، فسبحان الله كلام واحد يكون له هذا التأثير المتباين؛ في قوم هدى وموعظة، وعلى قوم عمى ورجس؛ لأن القلوب بمنزلة الأراضي، الأراضي منها أرض طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ وينتفع بها الناس، ومنها أرض صلبة لا تشرب الماء ولكن تحفظ الماء فينتفع به الناس، ومنها أرض سبخة قيعان تشرب الماء ولكنها لا تنبت، فيزيدها الماء ضررًا؛ لأنها إذا كانت يابسة أمكن السير عليها، وإذا كانت رطبة لا يمكن السير عليها تكون زلقًا ودحرًا، ومع ذلك لا ينتفع بها الناس لا بماء تحبسه ولا بنبات تخرجه، فهكذا القرآن، القرآن بالنسبة للناس منهم من ينتفع به ويزداد هدى وتقوى، ومنهم من لا ينتفع به بل لا يزداد إلا عمى وضلالة؛ لأنه كلما كذب بآية ازداد إثمًا وعقوبة.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران ١٣٩]، (لا) هذه ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها بحذف النون (تهنوا)، وأصله (تهنون)، فحذفت النون من أجل الجزم، ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ الخطاب لهذه الأمة وعلى رأسها نبينا ﷺ وأصحابه، والوهن الضعف، يعني لا تضعفوا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء ١٠٤] لا تضعفوا وتجبنوا، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما أصابكم، ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فذكر الله سبحانه وتعالى حال إقدامهم وحال إدبارهم؛ حال إقدامهم نهاهم عن الضعف، وهذا يعطيهم قوة وإقدامًا، وحال إدبارهم نهاهم عن الحزن، وهذا يعطيهم إعراضًا عما وراءهم وعدم التفات إليه، ومعلوم أن الحزن يكون فيما يسوء، والحزن على ما مضى لا يفيد الإنسان بل يفتر عزيمته ويقلق راحته ولا يستفيد منه بشيء، فلهذا نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عما يعوقهم حال الإقبال وعما يعوقهم حال الإدبار، كيف ذلك؟ أقول ﴿لَا تَهِنُوا﴾ هذا ما يعوق حال الإقبال والإقدام، فنهاهم عن الضعف، يعني أَقْدِموا لا تجبنوا لا تتأخروا، ﴿لَا تَحْزَنُوا﴾ عما يكون سببًا لتوقفهم في حال الإدبار؛ لأن الإنسان إذا حزن على ما مضى بقي قلقًا لا يحسن التصرف، فنهاهم عن هذا وهذا.
ثم قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، وقد اختلف المفسرون في الواو هنا هل هي حال أو استئنافية، ماذا ترون؟ إذا قلنا إنها حال صار هذا النهي منحطًّا على الأمة ما دامت هي العليا، يعني فإذا انخفضت فلها أن تهن ولها أن تحزن؛ لأنها ضعيفة، لا يمكنها أن تتقدم ولا يمكنها أن تتسلى عما مضى؛ لأنها تتسلى بأي شيء؟ أعرفتم إذا جعلناها حالًا ماذا يترتب عليه؟ إذا جعلناها الواو استئنافية، ولا تهنوا ولا تحزنوا فأنتم الأعلون صار فيها تشجيع للأمة بأن لا يضعفوا ولا يحزنوا لأنهم هم الأعلون، حتى لو أصيبوا بما يصابون به فيما تقتضيه حكمة الله بمداولة الأيام بين الناس فإن العاقبة لهم، وعلى هذا فيكون هذا الوجه الثاني أقرب إلى الصواب وإن كان الوجه الأول محتملًا.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ فيه إشكال من جهة الإعراب؛ لأن المعروف أن واو الجماعة يُضَمّ ما قبلها، فيقال: مسلمُون، ولا يقال: مسلمَون، وهنا قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ولم يقل: وأنتم الأعلُون؟
* طالب: الواو حُذِف الذي مضموم قبله، لأنه أصله أعلَوُون وبعده حُذف الواو، وبعد بُدل الواو الأول بالألف والألف حُذف لالتقاء الساكنين واللام مفتوحة فيدل على حذف الواو، لهذا يكون أعلَوْن.
* الشيخ: سمعتم؟ يقول: إن (الأعلَوْن) أصلها (الأعلى)، حُذفت الألف لالتقاء الساكنين، فالألف ساكنة والواو ساكنة، إذا حذفت الألف لالتقاء الساكنين يجب أن تبقى الحركة التي قبلها على ما هي عليه، والحركة اللي قبلها ما هي؟ فتحة؛ لأنك لو ضممتها لم يتبين أن هناك ألفًا محذوفة، لو ضممت اللام (الأعلُون) ما تبين أن هناك ألفًا محذوفة، فلا بد من إبقاء الفتحة لتكون دالة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، إذن زال الإشكال، كذا ؟ ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فيه بعض الناس يستدل بهذه الآية على جمع آثار السابقين، وينفق الأموال على الآثار ويسافر (...)؟
* الشيخ: يقول إن قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يستدل به بعض الذين مغرمون بجمع الآثار، فيأخذون القطعة الأثرية التي لا تساوي قرشًا بدراهم كثيرة، فهل يدخل في ذلك؟ الجواب: لا، لا يدخل فيه، حتى إن هؤلاء الذي يجمعون الآثار لا يقصدون بها الاعتبار وأن عاقبة من كانوا على هذا الوجه الدمار والهلاك، لكنها أشياء تميل إليها نفوسهم، كما أنّا سمعنا ونسمع كثيرًا أن من الناس من يجمع (...) أو طوابع البريد حتى إنه يشترى الطابع اللي بخمسة قروش يمكن بخمسين ريال.
* الطالب: ملايين الجنيهات الإسترلينية إذا اختلف الطابع عن.. الكامل يعني، ستين مليون جنيه إسترليني يا شيخ.
* الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ طيب على كل حال، اللي نرى أن هذه إن كان فيها مصلحة شرعية فلا بأس، وإلا فإن تركها أولى.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما الفرق بين السياحة والسير؟
* الشيخ: لا فرق بينهما.
* الطالب: السياحة هي السير؟
* الشيخ: إيه، السياحة في الأرض يعني السير فيها.
* الطالب: يعني ما فيها تقييد بأربعة أشهر إذا كانت هي نفسها؟
* الشيخ: لا لا، كما أقول سيروا في الأرض أربعة أشهر
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، من سار في الأرض لغرض شرعي كعلاج مثلًا لكن صاحبه أمر محرم هل يُمنع من السير؟
* الشيخ: إذا كان لا يمكن أن يسير للعلاج إلا بارتكاب هذا المحرم صار هذا حرامًا، وذلك لأن العلاج بالمحرم حرام، العلاج بالمحرم حرام؛ لأن ارتكاب المحرم ضرر محقق، والشفاء من المرض مصلحة متوقعة غير متيقنة، ولولا هذا لقلنا: إن من احتاج إلى أكل لحم الخنزير للعلاج جاز له أن يأكله مع أنه لا يجوز، وهذا هو الفرق بين جواز أكل لحم الخنزير للجوع وأكل لحم الخنزير للاستشفاء، فالثاني حرام والأول جائز؛ لأن أكل اللحم عند الجوع يفيد قطعًا، فإنه يدفع الجوع ويسد رمق الإنسان، لكن علاجه بالمحرم قد ينجح وقد لا ينجح، فهو يرتكب مفسدة محققة لتوقع مصلحة موهومة، وإن شئت فقل راجحة أيضًا، لكن ليس الراجح كالمتيقَّن، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٩٧)، وابن أبي شيبة (٢٣٨٣٩) من قول ابن مسعود.]]، وهذا حق، لكن لو فرض أن بعض الأدوية فيها شيء من لحم الخنزير إلا أنه لا يؤثر لا طعمًا ولا رائحة فهل يجوز أو لا؟
* طالب: يجوز.
* الشيخ: يجوز؟
* طالب: هل يعرف أن هذه الأدوية فيها لحم الخنزير؟ ما يجوز.
* الشيخ: إي يعرف، يعرف، لكنه جزء يسير لا يؤثر، ما يجوز أبدًا في أي حال من الأحوال؟
* طالب: يجوز.
* طالب: ما يؤكل هذا الدواء، يستعمل كصمامات للقلب، يوضع فقط ما يؤكل.
* الشيخ: إي نعم، قصدك النجس يعني.
* الطالب: هذا اللي نعرفه بالنسبة للخنزير، يستعمل منه للعلاج فقط يعني أنسجة للصمام بس توضع وضع، لا تؤكل يعني، يعني ما فيه دواء يوضع فيه أكل.
* الشيخ: أنا ضربته مثلًا، ولنفرض أن دواء فيه كحول، دعونا من لحم الخنزير، لكن هذه الكحول لا يظهر أثرها ولا طعمها، فهل تجوز؟ نقول: نعم، ونستدل لهذا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى طَعْمِهِ وَلَوْنِهِ وَرِيحِهِ»[[أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، من حديث أبي سعيد الخدري بدون الجملة الأخيرة المتضمنة الاستثناء، والاستثناء أخرجه ابن ماجه (٥٢١) من حديث أبي أمامة الباهلي.]]، وإن كان هذا الاستثناء ضعيفًا لكنه متفق عليه، متفق بين العلماء على حكمه أن الماء طهور لا ينجسه إلا ما غيّر ريحه، فإذا كان الماء لا ينجس ويجوز تتوضأ به وتشربه فكذلك غيره، لكن استعمال لحم الخنزير أو شحم الخنزير على وجه لا يتعدى، يعني لا يأكله الإنسان، هل هو جائز؟ نقول: نعم يجوز، فلو فُرِض أن شخصًا وُصِف له أن يدّهن بشحم الخنزير وادهن به، ولكنه إذا أراد الصلاة سوف يغسله، فإن ذلك جائز، وقد نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الفتاوى وهو صحيح، لأنه ما يضر، مثل دهن السفن بالشحم النجس وما أشبهه.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ما المراد بالسنن هنا؟
* طالب: السنن يعني الذي اتخذ الله (...) الرسول ﷺ.
* الشيخ: السنن يعني مثل صلاة التطوع وصيام التطوع.
* طالب: الأمم السابقة.
* الشيخ: الأمم السابقة، يعني السنن تطلق على الأمم، هذا رأي، الرأي الثاني؟
* طلبة: الطريق.
* الشيخ: الطرق، يعني مضت طرق الله عز وجل في المكذِّبين للرسل.
قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هل المراد سير القدم أو القلب؟
* طالب: كليهما.
* الشيخ: نعم كلاهما؛ سير القلب وسير القدم، طيب هل يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي للإنسان قراءة التاريخ؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن قراءة التاريخ سير في الأرض في الحقيقة، طيب قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، (في) هنا بمعنى؟
* طالب: بمعنى (على).
* الشيخ: بمعنى (على) ولا تكون (في) للظرفية؟
* الطالب: للظرفية لكن أجمع المفسرون على أنها بمعنى (على)؛ لأنه لا يمكن السير في داخل الأرض.
* الشيخ: يعني إذن هي للظرفية في الأصل، وتأتي لغير الظرفية بحسب السياق.
ما تقول في قوله ﷺ: «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا»؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢ / ١٥١) من حديث عبد الله بن عمر.]]
* الطالب: من أجل.
* الشيخ: للسببية؟
* طالب: نعم.
* طالب: تختلف حسب السياق.
* الشيخ: تمام.
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أين مفعول (انظروا)؟
* طالب: جملة (كيف كان).
* الشيخ: جملة (كيف)، وأين خبر (كان)؟
* الطالب: خبر (كان) مقدم عليها.
* الشيخ: أين هو؟
* الطالب: كيف.
* الشيخ: (كيف) مقدم، وهل التقديم هنا واجب أو جائز؟
* الطالب: واجب.
* الشيخ: واجب، لماذا؟
* الطالب: لأن (كيف) اسم استفهام، وأسماء الاستفهام لها الصدارة.
* الشيخ: نعم، صحيح، (كيف) خبرها مقدم وجوبًا؛ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له صدر الكلام.
قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، (هذا) المشار إليه؟
* طالب: القرآن.
* الشيخ: القرآن؛ فيها رأي آخر؟
* طالب: هناك رأي آخر أن الكلام الذي سبق هو بيان، والرأي الأول أنه القرآن بشكل عام.
* الشيخ: القرآن عمومًا؛ وأيهما أولى؟
* الطالب: الأقرب القرآن.
* الشيخ: الأولى أن نقول: القرآن؛ لأنه أعم، كلما كان أعم فهو أولى؛ لأنه أشمل، طيب لماذا فرق بقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾؟
* طالب: لأن البيان وصف عام فهو للمؤمن ولغير المؤمن، ولكن الله سبحانه وتعالى من يهديه يكون له هدى وموعظة، ومن لا يهديه يكون له بيانًا.
* الشيخ: إيه، يعني لأنه بيان للجميع، ولكن لا يهتدي به ويتعظ به إلا المتقون.
هنا أطلق البيان ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، إذا قلنا إنه القرآن في أي شيء يكون البيان، هل هو في كل شيء ولّا في مسائل العبادات فقط؟
* طالب: في جميع الأشياء في القصص وفي الأحكام وفي العقائد.
* الشيخ: في كل شيء، هل عندك دليل من القرآن على أنه عام في كل شيء؟
* الطالب: نعم.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ واضح.
طيب، قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن بيان للناس في كل شيء؛ فهو عام من حيث التبيين، عام من حيث المبيَّن له، المبين له نأخذ العموم من قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، والتبيين من كونه حذف المتعلَّق، وحذْف المتعلق يدل على العموم، هذا بيان للناس في كل شيء، ويؤيد هذا الآية التي ذكرناها آنفًا وهي قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
* من فوائدها: أن القرآن صالح للهداية من المؤمن والكافر؛ كقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ فهو يشمل المؤمن والكافر.
* من فوائدها أيضًا: أنه علم لكن للمتقين، يعني لا ينتفع به إلا المتقون؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن من لم يتعظ بالقرآن فليتهم نفسه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك؛ فإن فيك بلاءً، كما أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه، فإن صلاته قاصرة؛ لأن الذي أخبر بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر هو الله عز وجل، وخبره صدق مطابق للواقع، فإذا علم الإنسان من واقع نفسه أن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه؛ لأن خبر الله لا يُتهم، ولهذا قال بعض السلف: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فإنها لا تزيده من الله إلا بُعدًا».[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١٧٠٥)، وأبو داود في الزهد (١٣٤) عن عبد الله بن مسعود.]] نسأل الله العافية ونسأل الله أن يعيننا.
هنا إذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك بأنك غير متقي؛ لأن المتقي لا بد أن يتعظ بالقرآن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة التقوى، وأنها سبب للاهتداء والاتعاظ بالقرآن.
* ومن فوائدها: أنه كلما ازداد الإنسان تقوى ازداد هدى وموعظة، وجهه؟ أن الحكم المعلق بوصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه، فإذا كان الهدى والموعظة معلق بالتقوى فإنه لا بد أن يزداد ويقوى بالتقوى، ويضعف وينقص بعدم التقوى، واضح؟
ثم قال الله تعالى: ﴿