تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٤﴾
قال الله تعالى: (﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [العنكبوت ٤] الشرك والمعاصي، ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ يفوتونا فلا ننتقم منهم).
قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ (أم) هذه منقطعة؛ لأن (أم) تأتي في اللغة العربية على قسمين: متصلة ومنقطعة، فالفرق بينهما أن المتصلة بمعنى (أو)، وأنها تأتي بعد همزة التسوية، وأنها تأتي بين متقابلين، ثلاث علامات لها، مثالها قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] فهنا تجدون أن (أم) بمعنى (أو)؛ يعني: هذا وهذا سواء، وثانيًا تجدون أنها بعد همزة التسوية: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾، وتجدون أنها بين متقابلين (أنذرتهم، لم تنذرهم).
ومثلها قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، ومنها أيضًا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم ٢١]، فلها أمثلة متعددة.
أما المنقطعة فهي التي تأتي بمعنى (بل)، ما هي بمعنى الواو، ولا تقع بعد همزة التسوية، ولا بين متقابلين.
فهنا ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ بمعنى: بل أَحَسِب، وهذا الإضراب إضراب انتقال وليس إبطالًا؛ يعني بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى وأنكر على الذين حسبوا أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون انتقل سبحانه وتعالى إلى ذكر صنف آخر من الناس وهم الذين لم يقولوا: آمنا ولم يؤمنوا، بل هم يعملون السيئات ويظنون أن الله تعالى لن يحيط بهم.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني: يعملون الأعمال السيئة، والسيئ ما يسوء فاعله، وكل عمل محرم فإنه سيئ؛ لأنه يسوء صاحبه بما يجد فيه من العقوبة الحاضرة والمستقبلة.
وقوله: (الشرك والمعاصي) أفادنا المؤلف أن السيئات هنا تعم الصغائر والكبائر؛ الكبائر اللي أعلاها الشرك، والصغائر ما دون الكبائر وهي المعاصي، فهي تشمل كل ما يسوء فاعله من معصية الله تعالى بالشرك فما دونه.
﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ هذا مفعول ﴿حَسِبَ﴾، ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ (يفوتونا فلا ننتقم منهم)، والسبق بمعنى الفوات، كما تقول: سبقت فلانًا؛ يعني: فُتّه فلم يدركني، فهؤلاء يظنون -الذين يعملون السيئات- أن الله سبحانه وتعالى لا يدركهم، وأن الله لا ينتقم منهم، وهذا بلا شك سوء ظن بالله تبارك وتعالى؛ ولهذا قال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء حكمهم هذا؛ وهو حسبانهم بأن الله تعالى لن يدركهم.
يقول: (﴿سَاءَ﴾ بمعنى بئس)، و(بئس) فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم، فيحتاج إلى فاعل ويحتاج إلى مخصوص، والمخصوص دائمًا يحذف استغناء عنه، أو بعبارة: لدلالة الفاعل عليه؛ ولهذا قال المؤلف: ﴿سَاءَ﴾ بمعنى (بئس).
(ما) بمعنى (الذي)، فهي اسم موصول، (يحكمونه) قدَّر المؤلف الهاء؛ لتكون عائدًا إلى الموصول؛ ساء الذي يحكمونه، إذن (الذي) فاعل، أين المخصوص؟ قال المؤلف: (حكمهم هذا) هذا هو المخصوص، وكل فعل من الأفعال الجامدة التي للذم أو للمدح تحتاج إلى فاعل وتحتاج إلى مخصوص، تقول مثلًا: نِعْمَ دار المتقين الجنةُ، أين الفاعل؟ (دار)، (الجنة) هي المخصوص بالمدح.
و(الجنة) هذه إعرابها لك فيه وجهان: أحدهما أن تجعلها مبتدأ مؤخرًا، والجملة خبر مقدمًا، والثاني: أن تجعلها خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هي الجنة، أما الأول: نعم دار المتقين فهي فعل وفاعل على ما هي عليه.
يقول: بئس ما يحكمون حكمهم هذا، ولا ريب أن ما حكموه وظنوه لا ريب أنه ظن سوء لا يليق بالله؛ فإن الله تعالى يقول في آيات كثيرة: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر ٥١]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٤]، فهؤلاء الذين استمروا في عمل السيئات وظنوا أن الله تعالى لا يقدر عليهم ولا ينتقم منهم أضافوا -والعياذ بالله- شرًّا إلى شرهم.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت ٥] (فليستعد له، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال العباد، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم)، قال: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، وجواب الشرط على رأي المؤلف محذوف تقديره: فليستعد له، وسنناقشه في هذا الأمر.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ وقال المؤلف في تفسير ﴿يَرْجُو﴾: (يخاف)، وهذا صرف للفظ عن ظاهره، والرجاء غير الخوف؛ الرجاء أي الأمل، وهذا هو الصواب، المعنى ﴿يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ أي: يأمل أن يلقى الله عز وجل راضيًا عنه، ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]، وليس هناك ما يوجب صرف اللفظ عن ظاهره، بل إن المعنى: أيُّ إنسان يرجو لقاء الله وأنه يلقاه وهو راضٍ عنه فإن الأمر ليس ببعيد.
﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ أي: المدة التي جعلها الله سبحانه وتعالى حائلًا بينك وبين لقائه سوف تأتي؛ يعني سوف يأتي ذلك.
ويحتمل أن قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ أي: المدة التي قدرها للقاء، وهذا أحسن، المدة التي قدرها للقائه لا بد أن تأتي، (﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ به) أي: باللقاء؛ يعني: اللقاء مؤجل، كل شيء مؤجل لأجل معلوم.
﴿لَآتٍ﴾ اللام ويش إعرابها؟ هذه مرت علينا في الألفية.
* طالب: واقعة في جواب..
* الشيخ: لا، اللام للتوكيد؛ لأنها واقعة في خبر (إن)، ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ فهي للتوكيد، وقد ذكرنا لكم ونحن نشرحها في الألفية أن محلها أن تكون في أول الجملة، ولكنهم أخروها؛ لأن (إن) للتوكيد، فكرهوا أن يجتمع مؤكدان متواليين وزحلقوا اللام إلى مكانها في الخبر.
﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ و(آت) قلت: إنها خبر (إن)، ومع ذلك فهي مكسورة، والمعروف أن خبر (إن) يكون مرفوعًا، فكيف صح ذلك؟
نقول: إن (آتٍ) اسم ناقص أو منقوص؟ منقوص؛ لأن الاسم إما منقوص، أو مقصور، أو ممدود، أو صحيح الآخر. فهنا نقول: لأنها منقوصة، أصلها (لآتي) بالياء، فحذفت الياء وعوض عنها التنوين ﴿لَآتٍ﴾، وعلى هذا فنقول: ﴿آتٍ﴾ خبر (إن) مرفوع بها، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره؛ على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين.
﴿وَهُوَ﴾ -أي: الله سبحانه وتعالى- (﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوال العباد ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم) ﴿السَّمِيعُ﴾ يعني: ذو السمع الذي لا يخفى عليه شيء، كل شيء من المسموعات فإن الله تعالى مدركه، كما أن السمع -كما مر علينا- ينقسم إلى قسمين: سمع إدراك، وسمع إجابة، فالأول مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة ١]، والثاني مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، ومثل قول المصلي: سمع الله لمن حمده، فإن المعنى أنه استجاب.
وذكرنا فيما سبق أن سمع الإدراك ينقسم إلى أقسام: منها ما يقتضي التهديد، ومنها ما يقتضي النصر والتأييد، ومنها ما يقصد به مجرد الإدراك، فمثال الأول الذي للتهديد؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
* الشيخ: لا، نبغي شيئًا واضحًا ما يحتاج بالنسبة لكذا وبالنسبة لكذا.
* طالب: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١].
* الشيخ: نعم، هذا المراد به التهديد، ومثال المراد به النصر والتأييد؟
* طالب: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
* الشيخ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، إي نعم.
ومثال للمقصود به مجرد الإدراك الذي يراد به مجرد بيان أن الله تعالى محيط بالشيء سامع له؟
* طالب: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة ١].
* الشيخ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾.
وكونه تعالى سميعًا هل يلزم منه إثبات الأذن؟ الجواب: لا يلزم، كما أن كونه بصيرًا لا يلزم منه إثبات العين، ولكن العين ثبتت بدليل آخر، لولا أن الله أثبتها لنفسه بدليل آخر ما أثبتناها، فالسميع ما نقول: يلزم من كونه سميعًا أن يكون له أذن، كما لا يلزم من كونه متكلمًا أن يكون له لسان وشفتان، وما أشبه ذلك، فإننا نعلم أن الأرض تحدث أخبارها، ولا تحدث إلا بعد سماع، وهل لها أذن؟ ما لها أذن -فيما نعلم- ليس لها أذن، وهل لها لسان؟ ما نعلم أن لها لسانًا، فعلى هذا نقول: لا يلزم من إثبات السمع إثبات الأذن.
فإذا قال قائل: إنه ثبت في الحديث الصحيح: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٢ / ٢٣٣) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]؟
فالجواب: أن معنى (ما أذن له) أي: ما استمع له، ولا يلزم من هذا أيضًا إثبات الأذن؛ لأنه ما هو صريح، والصفات ما يمكن أن نثبتها بالاحتمال، لا بد من أن تكون المسألة واضحة وصريحة.
* طالب: (...) ما أذن (...)؟
* الشيخ: لا، (ما أذن) بمعنى قدَّر، لا، معناها استمع؛ لأنه معلق بصوت؛ «لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ»، إن الله أذن للناس من جهة الإذن الشرعي مثلًا أنه رخص لهم أو أباح لهم ما هو أعظم من هذا، فإن التوحيد وغيره مما هو أكبر من قراءة القرآن لا شك أنه يأذن به أكثر.
وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ يقول المؤلف: (بأفعالهم)، والحقيقة أن العلم يتعلق بالأفعال والأقوال أيضًا، فتخصيصه بالأفعال هذا فيه نظر؛ لأن الذي يختص بالأفعال إنما هو الرؤية، أما العلم فإنه أعم؛ يتعلق بالأفعال، يتعلق بالأقوال، ويتعلق بحديث النفس، ويتعلق بالجهر، بكل شيء.
يقول تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ قال المؤلف: (جهاد حرب أو نفس).
نسيت أن أقول: أين جواب ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾؟ المؤلف قدَّره بقوله: (فليستعد له) وجعله محذوفًا، وعندي أنه لا بأس أن نقول: إن جواب الشرط هو قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾، ويكون المعنى: أن الذي يرجو لقاء الله فإنه سيحصل له، ولا حاجة أن نقدر شيئًا محذوفًا؛ لأن الأصل عدم الحذف، وهذا الذي قدَّره المؤلف مثل ما قدَّره في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة ٩٧]، قد تقدم أن المؤلف قدَّره بقوله: (فليمت غيظًا)، وذكرنا هناك أنه لا حاجة لهذا التقدير.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يؤمل، لكن الأمل مبني على المحبة، أنت ما تؤمل الشيء إلا وأنت تحبه، فرجاء الشيء بمعنى الأمل على حصوله.
قال: (﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ [العنكبوت ٦] جهاد حرب أو نفس) أفادنا المؤلف من هذه العبارة أن الجهاد ينقسم إلى قسمين: جهاد حرب؛ وذلك بجهاد الأعداء، وجهاد نفس بأن تجاهد نفسك على فعل الطاعات وعلى ترك المحرمات.
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ قال في معناها: (فإن منفعة جهاده له لا لله)، فالذي يجاهد -والجهاد بذل الجُهد في الشيء- لا يجاهد لله وإنما يعمل لنفسه، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت ٤٦].
وقول المؤلف: (فإن منفعة جهاده له لا لله)، نعم له؛ لأنه مأجور، سواء جاهد نفسه أو جاهد غيره، مع أنه إذا جاهد غيره قد تكون المنفعة أيضًا للغير، فإن هذا الغير بالجهاد ربما يدخل في دين الله، وحينئذٍ يحصل له منفعة.
المهم أن الله سبحانه وتعالى لا ينتفع بهذا الجهاد؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ هذا كالتعليل لقوله: ﴿فإنما يجاهِدُ لنفسه﴾، فالله تعالى غني عنه؛ لا ينتفع بطاعته ولا يتضرر بمعصيته.
وقوله: (غني عنهم) ويش معنى الغني؟ معناه: الذي لا يحتاج إليهم لما عنده من الجود والسعة والتدبير للأمور، فهو لا يحتاج إلى العالمين كلهم، قال المؤلف: (﴿الْعَالَمِينَ﴾ الإنس والجن والملائكة) أيش بعده؟
* طالب: (وعن عبادتهم).
* الشيخ: (وعن عبادتهم) إي نعم، غني عنهم لا يحتاج إليهم، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات ٥٦، ٥٧].
كذلك غني عن عبادتهم؛ لأن عبادتهم إنما تكون لهم، أما الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينتفع بطاعة الطائعين، ولا يتضرر بمعصية العاصين.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ الجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟ باثنين وهما: (إن) واللام؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [العنكبوت ٧] بعمل الصالحات، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ﴾ بمعنى (حسن)، ونصبه بنزع الخافض؛ الباء، ﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهو الصالحات).
قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا في مقابل ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾، أما هنا فيقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والإيمان -كما تقرر كثيرًا- هو التصديق مع القبول والإذعان، وليس مجرد التصديق.
وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا في أعمال الجوارح، فالإيمان في القلب، وعمل الصالحات في الجوارح، والعمل يتناول الفعل والقول؛ ولهذا ليس قسيمًا للقول، كما يظنه بعض الناس فيقول: قول وعمل، بل إن قسيم القول هو الفعل، أما العمل فإنه يشمل القول ويشمل الفعل أيضًا، فـ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إذن يتناول الأفعال؛ مثل الركوع والسجود والصلاة والقيام والقعود فيها، ويتناول الأقوال؛ كقراءة القرآن والتكبير والتحميد، وغير ذلك.
وقوله: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: الأعمال الصالحات، فهو صفة لموصوف محذوف تقديره: الأعمال الصالحات، والعمل الصالح هو الذي جمع كم شرطًا؟
* طالب: الإخلاص والمتابعة.
* الشيخ: نعم، العمل الصالح هو الذي جمع شرطين هما: الإخلاص والمتابعة؛ فالإخلاص أن تقصد بعملك وجه الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة، والمتابعة أن تكون في ذلك متبعًا للنبي ﷺ، ضد الأول الإشراك، وضد الثاني البدعة، فلا تكون مشركًا ولا مبتدعًا.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِم﴾ هنا قال: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ﴾ والجملة جواب لقسم مقدر تقديره: واللهِ لنكفرن، فهي إذن مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم واللام والنون.
وقوله: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِم﴾ التكفير بمعنى الستر، ومنه الكُفُرَّى، وهي القشرة التي تستر طلع النخلة، فمعنى (نكفر عنهم سيئاتهم) أي: نسترها، والمراد بالستر لازمه وهو العفو، لكن نكفر عنهم سيئاتهم بماذا؟ بإيمانهم وعملهم الصالح؛ لأن الإيمان يهدم ما قبله، والعمل الصالح يقول الله فيه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء ٣١].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذه سترها؛ لأنها مأخوذة من الكفر وهو الستر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، صحيح، ومنه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ لأنها مأخوذة من التغطية، وتغطية السيئات معناها: إزالتها وعدم المؤاخذة عليها.
وقوله: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِم﴾، قال المؤلف: (بعمل الصالحات)، فأعمالهم الصالحة تكون مكفرة للسيئات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) من حديث أبي هريرة. ]]، وقال ﷺ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩ / ٤٣٧) من حديث أبي هريرة. ]]، فالأعمال الصالحة تكون بمنزلة الغلاف على الأعمال السيئة حتى لا يظهر لها أثر.
قال: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ﴾ نجزينهم، الجزاء بمعنى: المكافأة على الشيء، وقوله: ﴿لَنَجْزِيَنَّهم﴾ يقال فيها بالنسبة للتوكيد ما قيل في قوله: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ﴾.
وقوله: ﴿أَحْسَنَ﴾ قال المؤلف: (بمعنى حسن)، وكأنه فرَّ من إشكال قد يورد وهو: أن الآية تدل على أنهم يجزون أحسن الذي كانوا يعملون، والحسن يعني: العمل الصالح حسن وأحسن، فإذا كانت الآية أحسن ما كانوا يعملون معناه أن الحسن يجازون عليه ولَّا لا؟ ما يجازون؛ فلهذا أوَّل المؤلف (أحسن) بمعنى (حسن)؛ حسن ما كانوا يعملون، ولكن نحن نرى أنه لا حاجة إلى التأويل وأن ما دلت عليه الآية أولى مما قدره المؤلف؛ وهو أن الله يقول: لنجزينهم أحسن جزاء الذي كانوا يعملون، فهي على تقدير محذوف: لنجزينهم أحسن جزاء.
وأحسن الجزاء بيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١]، فهذا الجزاء أحسن جزاء ولَّا لا؟ أحسن جزاء؛ لأن الجزاء غايته أن يكون مثل ما فعل الفاعل، لكن هنا يجازى بأحسن وأعظم، وعلى هذا فيكون (أحسن) ليس منصوبًا بنزع الخافض كما قال المؤلف: (ونصبه بنزع الخافض؛ الباء) بل هو مفعول ثانٍ لقوله: (نجزي)، والمفعول الأول هو الهاء، والنون في قوله: ﴿لَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ للتوكيد.
هذا هو معنى الآية الكريمة؛ يعني: أن الله وعدهم بأمرين: بتكفير السيئات بالأعمال الصالحة، وبالجزاء على هذه الأعمال شنو به؟ أحسن جزاء يعطون، وذلك أن تكون الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
وقوله: ﴿أحسن الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من أين يقول المؤلف: (وهو الصالحات)، فهذه الأعمال الصالحة التي يعملونها يجازيهم الله عليها أحسن جزاء يجازون به.
ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت ٨] لما ذكر سبحانه وتعالى مجمل حقه وما توعد به المخالفين وما وعد به الموافقين قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ وصيناه بهم؛ أي: عهدنا إليه بهم، والوصية إنما تكون في الأمور الهامة، وقوله: ﴿بِوَالِدَيْه﴾ أي: أمه وأبيه.
﴿حُسْنًا﴾ قال المؤلف: (أي: إيصاء ذا حسن)، فعلى رأيه يكون قوله: ﴿حُسْنًا﴾ وصفًا لمحذوف؛ أي: إيصاء حسنًا، و(حُسن) -كما تعرفون- مصدر وليست حَسَنًا، فإذا كانت مصدرًا فإنه يجب أن يقدر لها مضاف، وهو: ذا حسن، هكذا قال المؤلف، ويحتمل احتمالًا قويًّا أن ﴿حُسْنًا﴾ هذه منصوبة بنزع الخافض؛ أي: عهدنا إليه بحسن، وأن الحُسن هنا بمعنى الإحسان، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف ١٥]، وهذا أقرب من تقدير المؤلف، والله أعلم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذا هو الظاهر بعينه، كما قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١٤] أي: بمرأى منا بأعيننا.
* طالب: الدليل من السنة (...)؟
* الشيخ: على من ظن أن الله تعالى لا يقدر على الانتقام منه بعمل السيئات؛ لقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾.
* ويستفاد منها أيضًا: تهديد عامل السيئات بأخذ الله لهم وأنهم لن يعجزوا الله.
* ويستفاد من هذا: تحريم ظن السوء بالله؛ لقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، فإن من ظن أن الله عاجز عن إدراكه..
(...) ثم قال تعالى: ﴿