تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ ﴿٦٧﴾
قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
(أما) شرطية، وجوابها قوله: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ﴾.
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾، التوبة تقدم لنا أنها الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته، وأن لها شروطًا خمسة: الندم، والإقلاع، والعزم على ألا يعود، وأن تكون قبل الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها[[أخرج أبو داود (٢٤٧٩) بسنده عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».]].
* طالب: والإخلاص.
* الشيخ: نعم، والإخلاص، وأن تكون في زمن تقبل فيه وهو قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها.
وقوله: (من الشِّرْك)، لعل المؤلف أوجب له أن يقيد التوبة هنا بالتوبة من الشرك في قوله: ﴿وَآمَنَ﴾؛ لأن الإيمان بعد الشرك، فإن العاصي مؤمن ولو كان عاصيًا، فهذا هو الذي أوجب للمؤلف أن يُقيِّد التوبة من الشرك.
وقوله: (﴿وَآمَنَ﴾ صدَّق بتوحيد الله)، هذا نقص في تفسير الإيمان؛ لأن الإيمان ليس هو التصديق في الشرع، صحيح أن الإيمان في اللغة يُراد به التصديق، لكنه في الشرع هو أيش؟
* طالب: التصديق.
* الشيخ: التصديق شرط أن يتضمن القبول والإذعان، فلا بد من قبول وإذعان، وإلا فليس بمؤمن، لا يصدق. فأبو طالب مثلًا مُصدِّق برسالة الرسول ﷺ، ومع ذلك فهو كافر؛ لأنه لم يقبل ولم يذعن[[أخرج البخاري (٣٨٨٤) ومسلم (٢٤/٣٩) من حديث المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: «يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله»، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك». فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.]].
وقول المؤلف: (صدَّق بتوحيد الله) أيضًا فيه قصور؛ لأنه ليس الإيمان هو أن تصدق بوحدانية الله، لكن أن تصدق بكل ما يجب الإيمان به، وقد بين الرسول ﷺ أن الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره[[كما في حديث جبريل الذي أخرجه مسلم (٨/١) عن عمر رضي الله عنه، وفيه: «قال: فأخبرني عن الإيمان». قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره...».]]. فلا بد من هذه الأركان الستة في الإيمان.
وقوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، قال المؤلف: (أدى الفرائض)، وفي هذا أيضًا قصور، بل المراد: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: عمل عملًا صالحًا يشمل الفرائض، وأيش بعد؟ والنوافل.
والعمل الصالح هو الذي جمع بين أمرين: الإخلاص والمتابعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة ٥]، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هذا الإخلاص. و﴿حُنَفَاءَ﴾ هذه المتابعة؛ لأن الحنيف الذي ليس بمائل، ومن خرج عن المتابعة فهو مائل.
فالعمل الصالح إذن: كل عمل تضمن الإخلاص والمتابعة، ضده: الفاسد، وهو الذي اشتمل على الشرك أو على البدعة، على الشرك أو البدعة، فهذا ليس بعمل صالح.
من جمع هذه الأوصاف الثلاثة: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.
﴿فَعَسَى﴾، (عسى) من أفعال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الترجي، من أفعال الترجي، لكنها بالنسبة لله سبحانه وتعالى ما تكون للترجي، تكون للتعليل، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: (عسى) من الله واجبة[[أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (٥٠٤٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عسى من الله واجب.]]؛ لأن العلة ملازمة للمعلول، فإذا وُجِدت العلة ثبت المعلول، فالعلة للفلاح هي التوبة والإيمان والعمل الصالح، فإذا وُجِدت هذه وُجِد الفلاح.
﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ أي الذي ﴿تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص ٦٧] ﴿مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ قال المؤلف: (الناجين بوعد الله) يعني الناجين بوعد الله، أي: بما وعدهم الله به. ولكن الفلاح ليس كما قال المؤلف هو النجاة فقط، بل النجاة من المرهوب والفوز بالمطلوب؛ هذا هو الفلاح: أن ينجو الإنسان مما يهرب وأن يحصل له ما يحب.
وقوله: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾، لو قلنا بأنها للترجي مثلًا، لكان تتضمن فائدة: وهي أن الإنسان وإن عمل هذا العمل فليكن راجيًا لا قاطعًا، فليكن راجيًا للفلاح لا قاطعًا به؛ لأنه لا يدري قد يكون هناك موانع أو خلل لا يحصل معه الفلاح، فكأن الآية ترشد إذا قلنا: إن (عسى) للترجي، (...)، للترجي باعتبار العامل لا باعتبار الجازم أنها للترجي، تكون الفائدة منها أيش؟ هو أن الإنسان وإن عمل فلا يقطع، بل يكن راجيًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠]، فهنا المقام ليس مقام جزم، بل هو مقام رجاء، فليكن راجيًا.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [القصص ٦٨].
هذه الآية تعليل لبطلان آلهة المشركين وإثبات الألوهية لله، وذلك عن طريق إثبات الخلق؛ فإن الخالق هو الذي يجب أن يُعبد؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، فإن هذا الوصف تعليل للأمر، فإن الخالق يجب أن يكون هو الإله المعبود، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، فإذا كانوا لا يخلقون كيف يستحقون أن يعبدوا؟ وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢].
هنا قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾؛ لإلزام هؤلاء المشركين بعبادته وحده.
وقوله: ﴿يَخْلُقُ﴾، الخلق هو الإبداع المبني على التقدير، الله سبحانه وتعالى يقدر، ثم يخلق، فخلقه مبني على الحكمة.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، ولم يقل: من يشاء، مع أن في المخلوقات ما هو عاقل، فلماذا قال: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ دون (من يشاء)؟ تغليبًا؟
* طالب: تغليبًا لغير العاقل.
* الشيخ: تغليبًا لغير العاقل؛ لأنه أكثر، ثم من أجل أن يشمل الأعيان والأوصاف، والأوصاف معلوم أنها ليست من العقلاء، وإذا رُويت الأوصاف أتي بـ(ما)، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: من ﴿طَابَ﴾، مع أن المنكوح عاقل، لكنه لما كانت المرأة تُنكح لصفاتها قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾، يعني معناه: راعوا الصفة. فهنا ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ عبر بـ﴿مَا﴾ تغليبًا لغير العاقل لكثرته، أيش بعد؟ وليشمل الأعيان والأوصاف، الله تعالى خالق كل شيء، الأعيان والأوصاف؛ ولهذا من مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق للعبد، ولأفعال العبد التي هي أوصافه، فالله تعالى يخلق ما يشاء.
وقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ أي ما يشاء خلقه، فالمفعول إذن محذوف، وهذه المشيئة كل ما ذكر الله تعالى عن فعل من أفعاله أنه تابع للمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ لأن من أسماء الله تعالى (الحكيم)، فلا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يحكم بشيء عبثًا، كل ما شاءه فهو مقرون بحكمة.
وقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ [القصص ٦٨]، قال المؤلف: (﴿وَيَخْتَارُ﴾ ما يشاء)، والاختيار: الأخذ بخير الأمرين، فهو سبحانه وتعالى أيضًا يأخذ بما يراه خيرًا من أفعاله وأحكامه، فتصوير الخلق عائد لأصل التكوين، والاختيار عائد للتعيين المبني على الإرادة التامة، فهو لا معقب لحكمة ولا راد لقضائه، فيختار ما يريد سبحانه وتعالى، يخلق الآدمي على هذا الوجه، اختار أن يكون على هذا الوجه، خلق البهيم المركوب، واختار أن يكون على هذا الوجه، نعم، كذلك أيضًا اختار أن يكون شرعه كذا -وإن لم يكن مخلوقًا - على هذا الوجه.
فإذن الاختيار أعم من الخلق من وجه؛ حيث يشمل المخلوق وغير المخلوق، فهو يختار سبحانه وتعالى ما يريده من شرع، أي أعم من هذا الوجه، وأما الخلق فإنه أعم من حيث إنه يشمل الأعيان والأوصاف.
وقوله: (﴿مَا كَانَ لَهُمُ﴾ للمشركين ﴿الْخِيَرَةُ﴾ الاختيار).
قوله: ﴿مَا كَانَ﴾ هل هي نافية أو اسم موصول؟ قال بعضهم: إنها اسم موصول يعني: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، يعني ما يكون فيه خير لهم، يختار الذي فيه خير لهم، وعلى هذا فقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ موصول بقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ لأنه مفعول به، وهذا القول ذهب إليه المعتزلة الذين يقولون: إنه يجب على الله فِعْل الأفضل أو الصلاح، فقالوا: إنه تعالى ما يختار إلا ما كان فيه الْخِيرة، أما ما لم يكن فيه خيرة فلا يختاره، وهذا معناه أنه سبحانه وتعالى يفعل ما هو أصلح أو ما هو صلاح.
ولكن أكثر المفسرين، وعلى رأسهم ابن عباس رضي الله عنهما يقولون: إن ﴿مَا﴾ نافية، وكما قال المؤلف والمعنى: لا يكون الخيرة لهؤلاء المشركين ولا لأصنامهم أيضًا، فأصنامهم لا تخلق ولا تختار، وكذلك هم ليس لهم حق الاختيار فيما أراد الله. وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا فيكون الوقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ تقف، ثم تبدأ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، وهذا هو القول الصحيح في هذه الآية: أن الله هو الذي له الاختيار المطلق وليس لأحد خِيَرة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]، فلا يختارون من أمرهم إلا ما اختار الله.
وقد تقدم لنا في كتاب العقيدة تفصيل القول: هل يجب على الله فعل الأصلح والصلاح أو لا يجب؟ وذكرنا أنه واجب عليه بمقتضى الحكمة وليس بمقتضى عقولنا، فإن الله تعالى بمقتضى كونه حكيمًا ما يفعل إلا ما هو صالح أو أصلح، لا يمكن أن يفعل ما ليس بصالح ولا أصلح؛ لأنه حكيم، ولكن هل معنى ذلك أننا نحن نُوجِب على الله ونقول: هذا أصلح من هذا ويجب أن يفعل كذا؟ لا، ولكنه سبحانه وتعالى يفعله وقد لا نعلم نحن بوجه الأصلحية أو بوجه الصلاحية، ما يلزم أننا نعلم، وكم من أشياء نظن أن الحكمة في مخالفة ما أمر الله به أو ما وقع قدرًا ويكون الحكمة فيما جاء به الشرع وقضى به الله تعالى في قدره.
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [القصص ٦٨]، ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: (الاختيار في شيء)، فسر المؤلف ﴿الْخِيَرَةُ﴾ بالاختيار، إذن فهي اسم مصدر، كذا؟ لماذا؟ لأن كل كلمة تضمنت معنى المصدر دون حروفه فهي اسم مصدر. ونظير ﴿الْخِيَرَةُ﴾ الطيرة؛ فإن الطيرة اسم مصدر بمعنى التطير، وهكذا ﴿الْخِيَرَةُ﴾ اسم مصدر بمعنى: الاختيار.
(﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص ٦٨] عن إشراكهم).
قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تقدم لنا أكثر من مرة أنها اسم مصدر بمعنى التسبيح، والتسبيح تنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به، والذي لا يليق به؟ ما الذي لا يليق بالله، ويجب أن يُنزَّه عنه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وغيره؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...)، النقص ومشابهة المخلوقين، مشابهة المخلوقين ممتنعة على الله، والنقص ممتنع عليه سبحانه وتعالى، فعليه ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيهًا لله عن كل ما لا يليق به من نقص أو مشابهة المخلوقين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه قد تكون صفة كمال، فإذا شابه الله بها صار نقصًا، وقد تكون المسألة ما فيها مشابهة للمخلوقين إطلاقًا ولا (...) الشبه يعني من الصفات الخاصة بالله، هذه الصفات الخاصة به مُنزَّه بها عن النقص؛ ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] فنص على نفي الناقص، وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] فنص على نفي النقص.
وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [القصص ٦٨]، يقول: (عن إشراكهم).
استفدنا من تقدير المؤلف أن (ما) مصدرية، فيكون التنزيه عن فعلهم، ويحتمل أن تكون (ما) اسمًا موصولًا ويكون العائد محذوفًا، والتقدير: عما يشركونه به، فيكون منزهًا عن الشركاء التي هي الأصنام.
وقوله: ﴿وَتَعَالَى﴾ [القصص ٦٨] مأخوذة من العلو، لكنها تفيد معنى التنزه مع العلو، يعني (تعالى) معناها ترفع وتنزه بعلو، فهي أبلغ من قولك: (علا)؛ لأن (علا) تفيد العلو، لكن (تعالى) تفيد مع العلو التنزه والتحاشي عما يشركونه به أو عن إشراكهم به، ولما بين الله تبارك وتعالى عموم خلقه، وأنه هو الذي له الاختيار المطلق وليس لأحد من خلقه اختيار، فالاختيار له وحده -وانتبهوا إلى قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص ٦٨] سيكون فيها نقاش إن شاء الله في ذكر الفوائد - ذكر أنه عالم بكل شيء؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، (تطير، يتطير، تطيرًا).
* الطالب: إذن؟
* الشيخ: اسم مصدر، معنى التطيُّر.
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ [القصص ٦٩]، ﴿وَرَبُّكَ﴾ الخطاب فيها وفي التي قبلها إما للرسول ﷺ، وإما لكل من يصح توجيه الخطاب إليه.
(﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تسر قلوبهم من الكفر وغيره).
﴿تُكِنُّ﴾ بمعنى: تسر وتخفي. ﴿صُدُورُهُمْ﴾ أي: قلوبهم، وإنما عبر عن الصدور؛ لأن القلب فيه، والقلب متصل بأي شيء؟ بالصدر؛ فلهذا الصدر هو الْمُكِنُّ للقلب الساتر له، وما في القلب أيضًا من الأشياء المستورة فالله تعالى يعلمه ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾.
وقول المؤلف: (من الكفر وغيره) صحيح، من الكفر وغير الكفر، فلا يخفى عليه شيء مما في القلب، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]. ﴿تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ أي: تُحَدِّث به، فهو سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، بل هو يعلم ما لا تعلم أنت أيضًا، يعلم مثلًا بأنك سوف توسوس في اليوم الفلاني بكذا وكذا قبل أن يقع منك، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: (﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص ٦٩] بألسنتهم من ذلك)، ﴿يُعْلِنُونَ﴾ يظهرون، وتخصيص المؤلف الإظهار بالألسن فيه قصور؛ لأن الإعلام قد يكون باللسان وقد يكون بغيره من الجوارح، قد يكون باللسان فيتكلم، وقد يكون بغيره من الجوارح فيفعل بيديه أو قدميه أو عينيه أو غير ذلك، فهو أعم ما قال المؤلف.
ثم قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص ٧٠].
﴿وَهُوَ﴾ الضمير يعود على (رب) يعني: وذلك الرب الذي يخلق والذي يعلم هو ﴿اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ أصلها الإله، حُذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، كما في (أُناس) فيُقال فيها: (الناس)، فتُحذف الهمزة للتخفيف، فـ﴿اللَّهُ﴾ تعالى معناها (الإله) أصله، ثم حُذِفت الهمزة للتخفيف وصارت: ﴿اللَّهُ﴾.
فما معنى الإله؟ (إله) بمعنى: (مألوه)، وليست بمعنى: آلِه، فهي بمعنى: مألوه، مثل (غراس) بمعنى: مغروس، (وبناء) بمعنى: مبني، و(فراش) بمعنى: مفروش، وأمثلتها كثيرة.
فـ(إله) بمعنى: مألوه، أي معبود؛ وسمي المعبود مألوهًا؛ لأن القلب يألهه، (يألهه) أي: يميل إليه، وتجدون أن (أله) موافِقة في الاشتقاق الأصغر لـ(أهل) ولَّا لا؟ موافقة للاشتقاق الأصغر لـ(أهل)، إذ إن فيها الهمزة والهاء واللام، ففي الألوهية -وهي العبادة- نوع من التأهل والاطمئنان؛ لأن الآلِه للشيء مطمئن إليه، فإذن (الإلَه) بمعنى المعبود؛ لأن العابد يألهه، أي: يميل إليه ويطمئن إليه الاطمئنان، وليس (الإله) بمعنى: الآله، حيث قال المتكلمون: إن الإله بمعنى الآله، أي القادر على الاختراع؛ يعني القادر على الخلْق، لكن هم عندهم تعبيرات فلسفية: القادر على الخلق. لو فسرنا الإله بمعنى القادر على الخلق، لكان المشركون الذين قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام مُوحِّدين، ولَّا لا؟ لأنهم يقولون: لا خالق ولا قادر على الخلق إلا الله، ولا ريب أن هذا يؤدي إلى إبطال الرسالة والتوحيد.
ومن ثم نعلم خطأ بعض المؤلفين الآن في التوحيد؛ حيث يُركزون على توحيد الربوبية، ويتناسون توحيد الألوهية، وهذا خطأ عظيم؛ لأن التوحيد ليس الإقرار بالخالق والاعتراف به فقط، إذ إن هذا حاصل من المشركين الذين استباح النبي عليه الصلاة والسلام دماءهم وأموالهم، لكن (الإله) بمعنى المعبود، وهو أمر فوق القادر أو الخالق.
ويقول تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص ٧٠]، لما قرر ألوهيته بصيغة الجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾، هذه جملة اسمية طرفاها معرفة، والمعروف عند البلاغيين أن الجملة الاسمية إذا كان طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر.
أكد ذلك بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فهذا حصر أيضًا للألوهية في الله وحده، فليس معه إله، قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون ٩١]، فدل هذا على أن الإله هو المعبود الذي يخلق؛ ولهذا قال: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾، ولا تظن أن هذه الآية تؤيد تفسير المتكلمين لما قال: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ أن هذا دليل على أن المراد بالإله الخالق، وإلا لقال: لذهب كل إله بمن عبده. لا، لكن؛ لأنه لما كان الإله الحق هو الإله الخالق قال: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾.
وهنا الحصر حقيقي ولَّا إضافي؟ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص ٧٠]؟ الحصر حقيقي، وقد يشتبه على بعض الناس فيقول: إنه إضافي؛ وذلك لأن هذا الحصر إذا جعلناه حقيقيًّا يُشكل عليه كثيرًا أن الله أثبت آلهةً سواه؛ حيث قال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]، وقال سبحانه وتعالى عن إبراهيم أنه قال لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات ٨٦].
وكذلك الكافرون قالوا للرسول ﷺ، قالوا فيه: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، فيظن الظان أننا لا يمكن أن نجمع بين هذه الآية وبين إثبات ألوهية الأصنام إلا إذا جعلنا الحصر إضافيًا؛ بمعنى أننا نثبت الألوهية لكن على وجه آخر، ويكون النفي هنا على وجه آخر مخالف لما أثبتنا، فنقول في ذلك: أصل الإله حقًّا هو الخالق، الإله الحق هو الخالق، وأما هذه الآلة التي عبدت من دون الله فهي آلهة باطلة كذب؛ ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾، فجعل ذلك إفكًا وليس بحقيقة، فهي وإن عبدت وأُلِّهَت فليست بآلهة؛ ولهذا تجدون أن الرسل صلى الله عليهم وسلم كل منهم يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ [المؤمنون ٣٢]، يعني من إله يُعبد ويستحق أن يُعبد، يُعبد بحق سوى الله عز وجل.
وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩]، أيش معنى ﴿آلِهَةً﴾؟ أي معبودة بحق، وإلا أثبت الله لها العبادة: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
على هذا نقول: إن الجمع بين هذا الحصر وبين ما ذكر من إثبات الألوهية للأصنام هو أن الإله هو المعبود بحق، هذا الإله هو المعبود بحق، وهذا لا ينطبق إلى على الله سبحانه وتعالى، وأما ما عُبِد بغير حق فهو وإن سُمِّي إلهًا، لكنه لا يستحق أن يكون إلهًا، وكما قال الله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٩].
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، هل هو ذكر على انفراده؛ بمعنى أنك يُشرع أن تقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؟ أو ليس ذكرًا على انفراده ما لم يسبق الضمير مرجع؟
* طالب: على مرجع.
* الشيخ: هذا هو المتعيِّن، ما يمكن تقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، إلا إذا سبق لهذا الضمير مرجع مذكور أو ملفوظ، مذكور مثل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة ٢٥٥]، أو ملفوظ مثل أن يأتي شيء من أفعال الله فتقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وأما ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ [الأنبياء ٨٧] فيصح؛ لأنك تخاطب الله، فهو متعيِّن.
وإنما قلنا ذلك في الأول، يعني: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا بد من مرجع، خلافًا للصوفية، الصوفية يقولون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فهم يعيدونه فيقولون: هو، هو، هو، هو... إلى آخره، فيعبدون الله، بلفظ، ويذكرون الله بلفظ الضمير فقط، ويحذفون ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فيظلون يقولون: هو، هو، هو، فإذا وجدتهم في مجتمعاتهم إذا هم يهزون الرؤوس ويضربون الطبول، ويغبرون بالأصوات ويقولون: هو، هو، وربما يجرحون أنفسهم من شدة الانفعال والغيبوبة، نسأل الله العافية.
الحاصل أن هذا لا يكون إلا بسبق مرجع.
قال: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ [القصص ٧٠] فقط. (...)
﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص ٦٧].
* في هذا: فضيلة هذه الأوصاف الثلاثة؛ التوبة والإيمان والعمل الصالح.
* ومن فوائدها: أن هذه الأوصاف الثلاثة سبب للفلاح؛ لقوله: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.
* ومنها: أن الفلاح مرتبة عالية لا ينالها إلا ذوو الأوصاف الحميدة: التائبون المؤمنون العاملون صالحًا.
* ومن فوائد الآية: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، وهو ما جمع شرطين كما سبق: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ.
وقوله: ﴿