تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قُلْ فَأْتُوا۟ بِكِتَـٰبٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿٤٩﴾
قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
* في هذه الآية من الفوائد: أنه مِن العدل التنزُّلُ مع الخصم إلى حال يُقِرُّ بها، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لا يمكن أن يأتوا بما طُلب منهم، أو لا؟ حين طلب منهم أنهم يجيبون كتاب أهدى مِن التوراة والقرآن، والله يعلم أنهم لن يأتوا بذلك أو لا؟ كيف يقول للرسول: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ مع أنه يعلم أنّه ما يمكن؟ هذا مِن باب التنزل مع الخصم إلى غاية ما يكون مِن العدل، كأنه جعلَه مع خصمه شيئًا واحدًا، فيقول: أنتم هاتوا كتابًا أهدى من التوراة والقرآن أتَّبِعه، أنا ألتزم باتباعه، فإذا لم يأتوا معناه: يلزمهم أن يتبعوا التوراة والقرآن، ولَّا لا؟ يلزمهم ذلك، يعني ما دام أنِّي أنا ملتزِم لهم بأنكم إذا أتيتم بكتاب أهدى منهما بأن أتبعه، فأنتم يجب عليكم أن تتبعوا ما دام ما وجدتم.
إذن فيه التنزل مع الخصم، وأن ذلك مِن تمام العدل في المناظَرة.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إفحام الخصم بالتحدي، ولو أنكم قرأتم آخر سورة الطور لوجدتم فيها شيئًا غريبًا من المناظرة، من قولِه: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩]، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور ٤٥]، تجِدون يعني آدابًا كثيرة مِن المناظرة: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور ٣٨]، إن كان الأمرُ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور ٣٣]، إن كان الأمر كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، فالمناظرة، يعني الله سبحانه وتعالى في ختام المناظرة يجعل الخصم مُفحَمًا بتحديه بما لا يستطيع، فهنا ما يستطيعون أن يأتوا بمثله فتقوم بذلك عليهم الحجة.
* ومِن فوائد الآية: أن التوراة والقرآن من عند الله، فيكون القرآن والتوراة كلامَ الله، لكن القرآن نَزَل وحيًا، والتوراة نزلت كِتَابةً، كتبها الله في ألواح ألقاها إلى موسى.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أنه لا يلزم الإنسان الانتقال عمَّا كان عليه إلى غيره، إلَّا إذا كان أهدى منه. أنا ما يلزمني الانتقال مثلًا من مذهب الحنابلة إلى مذهب الشافعية حتى أرى أنه أصوب؛ لأنه قال: ما يجب الاتباع إلا إذا كان ما جاءوا به أهدى منه، أما إذا كان مساويًا فأنتم لا تلزموني، وأنا لا ألزمكم إذا كان مساويًا، إنما الإلزام متى؟ حينما يكون ما جاء به الخصمُ أهدى مِمَّا أنا عليه. وهذه فائدة مهمة جدًّا، وهي: لا يَلزَم الإنسانَ الانتقالُ مما هو عليه مِن طريقة ومذهب إلا إلى مَن هو أصوب وأحسن وأهدى منها، أمَّا عند التساوي فإنه لا يُلزَم ولا يُلَام أيضًا إذا لم يَنتقل، وإما أيضًا إذا كان ما فيه غيره أدنى فإنه من باب أولى لا يلزم.
طيب، فالمراتب الآن ثلاثة: إما أن يكون ما تُدْعَى إليه أدنى مما أنت عليه، أو أهدى، أو مساويًا. إن كان أهدى، أيش الواجب؟ يلزَم الاتباع. وإن كان أدنى حَرُم الاتباع. بقينا إذا كان مساويًا هل يلزَم الاتباع أو يحرُم أو يُخَيَّر به الإنسان؟
العلماء يقولون في مثل هذه الحال: يُخيَّر الإنسان، قالوا: وإذا أفتاه عالمان ولم يكن أحدُهما عنده أرجح فإنه يُخيَّر في اتِّباع أيِّ القولين شاء. وربما يُؤخَذ مِن هذه الآية، ربما يُؤْخذ حكم هذه المسألة مِن هذه الآية؛ لأنه ما أوجب الله الاتباع إلا إذا كان أهدى، ومعلومٌ أنه إذا كان أدنى كان الاتباع محرمًا، فيبقى المُساوي ليس إلى جانب التحريم وليس إلى جانب الوجوب، وهذه مرتبة التخيير.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: الأمر أن التحدي أيضًا يكون بالوصف كما يكون بالفعل، ﴿فَأْتُوا﴾ [القصص ٤٩] تحدٍّ بفعل ما هم بآتين به، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تحدٍّ بالوصف، إن كنتم من الصادقين أن ما أنتم عليه حق فأتوا بهذا، وإلا فأنتم مِن الكاذبين، ولهذا قال: ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
قال الله تعالى: ﴿