×

القصص

الآية ٤٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ لَوْلَآ أُوتِىَ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ مُوسَىٰٓ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا۟ سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا وَقَالُوٓا۟ إِنَّا بِكُلٍّ كَـٰفِرُونَ ﴿٤٨﴾

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا﴾، الضمير يعود على مَن؟ يعود على مَن جاءهم الرسولُ عليه الصلاة والسلام. (﴿قَالُوا لَوْلَا﴾ هلَّا)، ويش معناه على هذا التفريع؟ * طالب: تحضيضية. * الشيخ: تحضيضية، وليست شرطية، هلا ﴿أُوتِيَ﴾ أي أُعطِي ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني (من الآيات)، مثلَما أُعطي موسى من الآيات، وهذا الجواب فيه إشكالٌ إذا جعلناه عائدًا إلى قريش؛ لأن قريشًا -كما هو معلوم- قوم أميون لا يعلمون عن الرسل شيئًا، فكيف يعارِضون بقصة موسى؟ أجاب المفسرون عن ذلك بأن قريشًا كانت عندما بُعِث الرسول عليه الصلاة والسلام تُراسِل اليهودَ وتقول: جاءنا رجلٌ يقول: إنه نبي، فما هي علامات الأنبياء عندكم؟ فتخبِرُهم اليهود بعلامات الأنبياء، ولهذا عارضت قريشٌ النبيَّ ﷺ بالآيات التي جاءت لموسى. ويَحتمِل أن قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨] عائدٌ إلى اليهود؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوثٌ إليهم، ويُؤَيد هذا الاحتمالَ قولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]. ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية. * طالب: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ﴾ [يس ٧١]، (...) المخلوق، وهي أن اليد هي آلة العمل. * الشيخ: نعم. * الطالب: هذا غير موجود في (...). * الشيخ: لا، ما نقدر نقول: غير موجود. * الطالب: ما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فيدل على أنه يفعل (...). * الشيخ: إي، لكن بس ﴿يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. (...) فمعناها حرف وجود الوجود أنها أشبه بالشرطية. ما المراد بالحق في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، أيش المراد بالحق؟ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨]، أيش يقول المؤلف في المراد بالحق؟ * طالب: المؤلف يقول: إن الحق محمد. * الشيخ: المؤلف يقول: إن الحق محمد. * الطالب: والصحيح أن الحق القرآن. * الشيخ: القرآن الذي جاء به محمد. طيب، قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، أيش معنى ﴿لَوْلَا﴾؟ * طالب: هلَّا. * الشيخ: هلَّا، والضمير في قوله: ﴿أُوتِيَ﴾ يعود إلى مَن؟ * الطالب: إلى موسى. * الشيخ: لا. * الطالب: الضمير؟ * الشيخ: إي، قال: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾؟ أي: محمد، ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ أي: محمد. قوله: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، ما المراد بـ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾؟ * طالب: التوراة. * الشيخ: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني التوراة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ويش المراد بالمثلية؟ ﴿مِثْلَ﴾ ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أتى بوحي مثلما أن التوراة وحي. * الطالب: محمد. * الشيخ: إي نعم، ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ بأيش؟ * الطالب: بالتوراة (...). * الشيخ: إي، وأيضًا التوراة في نزولِها جملة واحدة، هم قالوا: مِثل أوتي موسى مِن نزول الوحي جملةً واحدة ومِن الآيات (...)، فهمتم؟ طيب، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]، ما تقول: ﴿يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ﴾، الضمير يعود على مَن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَكْفُرُوا﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: وهل موسى مبعوثٌ إليهم حتى يؤنبوا على الكُفر به؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكن إذا كفر بها مَن لم تُرسَل إليه ما قال... * الطالب: (...). * طالب: الضمير يعود إلى الجنس. * الشيخ: المراد يعود إلى الجنس، يعني أن آيات موسى ما نفعت أيضًا، كفرَ بها مَن كفر من الناس، ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ أي جنس البشر ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، فاقتراحكم أن تكون آيات محمد ﷺ كآيات موسى ليس ذلك بموجِبٍ للإيمان؛ لأن آيات موسى كُفِر بِها. قوله: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ [القصص ٤٨]، فيها قراءة ثانية؟ ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾، وأيش القراءة اللي فيها؟ * طالب: ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾. * الشيخ: نعم، إذا كانت ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾ مَن تعني؟ * الطالب: تعني (...). * الشيخ: وإذا قال: ﴿سِحْرَانِ﴾، على قراءة ﴿سِحْرَانِ﴾؟ * الطالب: تعني (...). * الشيخ: وهما؟ * الطالب: القرآن والتوراة. * الشيخ: القرآن والتوراة، صح، نعم. قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، أيش معناها؟ * طالب: تعاونا. * الشيخ: أي: تعاونا. طيب، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [القصص ٤٩] ما المراد بالأمر هنا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ أمر، ما هو للاستفهام: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) هذا أمر. * الطالب: التعجيز. * الشيخ: التعجيز والتحدي. قوله: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص ٤٩]، ﴿مِنْهُمَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ * طالب: على التوراة والإنجيل. * الشيخ: الإنجيل؟! التوراة؟ * الطالب: على التوراة والقرآن. * الشيخ: والقرآن. طيب، وما معنى ﴿أَهْدَى﴾؟ * الطالب: ﴿أَهْدَى﴾ يعني أكثر هدايةً. * الشيخ: أكمل؟ * الطالب: أو أكمل هداية. * الشيخ: أكمل هداية. طيب، ما الذي جزَم ﴿أَتَّبِعْهُ﴾؟ * طالب: نعم؟ * الشيخ: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص ٤٩]، العين ساكنة مجزومة. * الطالب: نعم. * الشيخ: أيش اللي جزمها؟ * طالب: جواب الطلب. * الشيخ: وين الطلب؟ * الطالب: ﴿فَأْتُوا﴾. * الشيخ: ﴿فَأْتُوا﴾، نعم، فإذا جعلوا الغاية جوابًا للأمر السابق صار مجزومًا. قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]، ويش تقول؟ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، ﴿يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ في أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني ما يجيبون كتابًا مِن عند الله هو أهدى مِنهما، إي نعم. قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص ٥٠]، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾؟ * طالب: يعني ما أحد ﴿أَضَلُّ﴾؟ * الشيخ: لا أحد ﴿أَضَلُّ﴾. طيب، ما هو الغرض مِن الإتيان بالنفي بصورة الاستفهام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف ٥]، كيف نجمع بين الآيتين؟ هذه تقول: لا أحد أضل مِمَّن اتبع هواه، وتلك تقول: لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله. كيف نجمع بينهما؟ يعني كل واحدة تقول: ما أحدَ أضل من هذا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، والثانية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * طالب: (...). * الشيخ: باعتبار أيش؟ * الطالب: (...) في مقام الدعاء: لا أضل مِمَّن يدعو من دون الله، في مقام الاتباع، لا أضل مِمَّن يتبع (...). * الشيخ: نعم، معناه أنه هنا تُنَزَّل كل الآية على معنى لا يتعلق (...) يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: يعني معناه أنها ضلال الغاية باعتبارِ ما هو مِن جنسها؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، هذا واحد. فيه وجه آخر؟ * الطالب: (...) الضلال اللي يدعو كل واحد. * الشيخ: فهما في مرتبة واحدة. * الطالب: في مرتبة واحدة. * الشيخ: وهذا والله ما يخالف أنه مثلًا ما فيه شيء يساويه، إذن ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ [القصص ٥٠] فلا يمنع أن يوجد شيء يساويه في ذلك، فيكون كلٌّ من الأمرين قد بلغ الغاية في الضلال، إي نعم، هذا يعني معناه أنه يُجمع بينها بِأحد أمرين: إما أن يقال إن كلَّهما في منزلة واحدة، أو يقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ باعتبار هذا المعنى، نعم، فيكون كل واحد منهما يُنَزَّل على معنى. نرجع الآن إلى استنباط الفوائد: الفائدة الأولى: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨] هذه الآية معلوم تفريعها على ما سبق، ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧]. * ففيها: تكذيب دعوى هؤلاء في قولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾، فإنّه قد جاءهم الحق مع الرسول، ومعَ ذلك كذبوا ولّا لا؟ كذَّبوا، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. * ففي الآية: تكذيب هؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾. * من فوائدها: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو الحقُّ، والحق بمعنى الشيء الثابت، وهو بالنسبة للأخبار الصدق، وبالنسبة للأحكام العدل. * مِن فوائدها: أنَّ ما خالف ما جاء به النبي ﷺ فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، فكلُّ خبر يَتضَمَّن تكذيب خبرِ الله ورسوله فهو الكذب. فمثلًا إذا قال قائل: أصل الإنسان قرد، ثم تطور فصار إنسانًا، ماذا نقول له؟ كذِبٌ؛ لأنه يُخالِف ما جاء به النبيُّ ﷺ، نعم. وإذا شرَّع الإنسان قوانين مخالفة للشرع، قلنا: هذا باطل وضلال؛ لأنَّ الحق فيما جاء به الشرع فقط، نعم. * من فوائد الآية: بيانُ عُتُوِّ هؤلاء المُكَذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام، عتوُّهم وعنادُهم، وهو أنَّهم كذَّبوا بالحق بعد أن قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧]. * ومن فوائد الآية: أن قريشًا عِنْدهم بعض المعلومات عن الرسل السابقين؛ حيث قالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. وبأيِّ وسيلة حصلوا على هذا العلم؟ * طالب: عن طريق اليهود. * الشيخ: عن طريق اليهود؛ لأنهم لما جاء الرسول ﷺ بُعِث أَرسلوا إلى اليهود يسألونهم عن أخبار هذا الرجل، فكتبوا لهم بما يعرفون من أخباره وبما جاء به موسى[[أخرج البيهقي في الدلائل (٦١١) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]. * من فوائد الآية: إثبات رسالة موسى ﷺ؛ لقولهم: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨]. * من فوائدها: أن موسى عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى آياتٍ يؤمِن على مِثْلها البشرُ، وهذا ليس خاصًّا بِه، بل هو لِكل رسول بعثه الله، لا بد أن يؤتيَه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر؛ لأن البشر لا تُصَدِّق رجلًا قال: أنا رسول الله إليكم، آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا، واتركوا ما كان عليه آباؤكم مِن عبادة الأصنام، واتركوا ما كان عليه آباؤكم من تحريم الحلال، وما أشبه ذلك. ما يقبلون إِلا بآيات تدُل على صدقه وتُؤَيِّده. * طيب، ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: إبطالُ حُجَّة هؤلاء المكذِّبين، إبطال حجتهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي في مقام المناظَرة والمجادَلة أن يُفْحَم الخَصمُ بإبطال قولِه بقولِه أو بفعلِه، أنه يُبْطَل قولُه بِما جرى مِنه هو، لِماذا؟ لأنَّ ما جرى مِنه لا يمكن أن يُنكِره، ولو أنكره ما قُبِل، فكوننا نُقيم الحجة على الخصم مِن فعلِه وقولِه؛ هذا أبلغ في إفحامه. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. * ومنها: أنّ طبيعة البشر واحدة، بناء على أن قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ [القصص ٤٨]، أنّ الضمير يعود على جِنس الإنسان؛ لأن الطبيعة البشرية واحدة. * ومنها، مِن فوائد الآية أيضًا: أنّه ينبغي أيضًا عند المُخاصمة أو عند المُناظرة إبطالُ قولِ الخصم بالواقع، أنّك تُبطل قولَ الخصم في الأمر الواقع، ما (...) في الأمر الواقع، فإن الآيات التي جاء بها موسى و(...) هؤلاء كُذِّبَت ولَّا ما كُذِّبَتْ؟ * طالب: كُذِّبَتْ. * الشيخ: كُذِّبَتْ، ما آمن بها البشر. إذن، فالمدار ليس على جنس الآيات، ولكن المدار على حال المُخَاطَب، وإلا فالآيات قائمة وبَيِّنَة، لكن ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]. * ومِنها: أن أهل الباطل يُلقِّبون أهل الحق بألقاب السوء تنفيرًا للناس عن قَبولهم، مِنين تؤخذ؟ * طالب: ﴿سِحْرَانِ﴾. * الشيخ: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أو ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾، ﴿﴿قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا﴾ ﴾ [القصص: ٤٨]، أو ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، فسواءٌ وَصفوا ما جاءت به الرسُل بالسحر أو وصفوا الرسُلَ أنفسهم بالسحر، فإنّ المقصود بذلِك التنفير؛ تنفير الناس عن قَبول ما جاءت به الرسل. طيب، هل نقول: إن هذه القاعدة ثابتةٌ لأتباع الرسل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: بدليل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣٢]، والله تبارك وتعالى قد جعل لِكُل نبيّ عدوًّا من المجرمين، والعدوُّ من المجرمين عدوٌّ للنبي بشخصه أو عدوٌّ له بوصفه؟ * طالب: بوصفه. * الشيخ: بوصفه، بدليل أن محمدًا ﷺ قبل أن تأتيَه الرسالة وهو عند العرب الصادق الأمين، ويرونه أنّه من أفضل بني هاشم وأقومِهم بالعدل، فلما جاء بالحق ويش صار؟ صار الخائنَ الكذوبَ، واضح؟ إذا كان هؤلاء المجرمون يعادون الرسلَ لِوصفهم، فمعنى ذلك أنه هذه المعاداة ستنتقل إلى مَن تابَع هؤلاء الرسل؛ لأنّ المعْنَى الذي حصلت به العداوة موجود أيضًا في أتباع الرسل. * وعلى هذا، فيمكن أن نأخذ منه فائدة، وهي: طمأنة أتباع الرسل وتثبيتهم على أنّهم سينالهم مِن ألقاب السوء ومِن المعاداة مِثلُ ما نال الرسلَ، نعم، فعليهم أن يقابِلوا ذلك بالصبر والثبات والقوة، نعم، لا أن ينخذلوا، بل يكونوا كما كان متبوعوهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥]. * ومِنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن التعاون حتَّى على الباطل له تأثير، ولَّا لا؟ التعاون حتى في الباطل له تأثير وتقوية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، فإذا كان التعاون في الباطل له تأثير، فما بالك بالتعاون في الحق. وعلى هذا فينبغي لنا، وهي الفائدة التي تترتب على ذلك: ينبغي لنا أن نكون متعاونين فِيما نحن عليه مِن دعوة الحق، وألا يخذل بعضنا بعضًا، نعم، خلافًا لِما كان عليه حال الناس اليوم، فإنهم في هذا الباب ليسوا بمتعاونين، حتى أهلُ الحق وأهلُ الدعوة تجدهم غيرَ متعاونين؛ لأنهم أولًا كل واحد ما همه إلا نفسه، وثانيًا: أنهم رُبَّمَا يختلِفُون في أمر بسيط جُزْئِي من أمور الدِّين، ويتعادَون على ذلك، نعم، يمكن يخالفه في كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، هذا يقول: ترفع يديك إلى الأذنين، وهذا يقول: ترفع إلى المنكبين، ثم يقول: أنت على ضلال، وهو يقول: أنت على ضلال. ثم ماذا تصنع هذه الكلمة؟ تصنع الحقد والبغضاء والعداوة. وأنا قد قصصت عليكم قصةَ طائفتين من أهل إفريقيا، كلُّ طائفة تُكَفِّر الأخرى في مسألة بسيطة من مسائل الدين، طائفة تقول: إن السنة أن يضع الإنسان يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطائفة أخرى تقول: إن السنة أن يرسِل الإنسان يديه إلى جنبِه، كلُّ واحدة تقول للأخرى: أنتِ كافرة ملعونة؛ لأنكِ تركتِ السُّنة عن عمْد وقصْد، والإنسان اللي يكره ما أنزل الله يكون كافرًا. ففيه خصومة عظيمة، وفي وقت الحج هذه الأيام في منى، ويا الله أنه يجتمع ناس من الإخوان من التوعية اجتمعوا عليهم وهدَّؤُوهم وبينوا أن هذا ما يجوز؛ لأن هذا ضرر عليكم أنتم يا أهل الحق؛ لأنكم إذا كفَّر بعضكم بعضًا أيش تصيرون على أهل الخرافات وأهل البدع، نعم، المكفِّر (...) كافر. فنقول: إن التعاون له تأثير بالغ، وأظنكم تعرفون في نقض الصحيفة التي كَتَبَتْ قريش في مقاطعة بني هاشم، كيف نقضوا هذه الصحيفة؟ ما جاء واحد من الناس ينقضها، ما يستطيع، لكنه ذهب إلى فلان وقال له يوبِّخه، فقال: بنو هاشم قوم منكم كيف ترضون أن تقاطعوهم حتى يموتوا مِن الجوع، وذهب إلى آخر وإلى ثالث ورابع، حتى إنهم كوَّنوا جماعة فذهبوا إلى هذه الصحيفة من الكعبة ومزَّقوها[[انظر قصة السقيفة في السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٧٦).]]. فإذن التعاون أساس النجاح، مثلما قال العامة، وانظر إلى كلمة المجرمين، يقولون: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]. * طيب، ثانيًا: من فوائد الآية: بيان عُتُوِّ هؤلاء أيضًا من جهة أنهم لم يؤمنوا بالأمرين، وقالوا: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص ٤٨]. * ومنها أيضًا: أن تقديم المعمول في قوله: ﴿بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أيش يفيد؟ الحصر، مع أنهم كفروا به مع غيره، لكن سبق أن قلنا: إن هذا الحصر المقصود به إغاظة الخصم، كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء ما كفَرنا إلا بهما. وإلَّا معلوم أنهم يكفرون به وبغيره، وهذه فائدة قليلٌ مَن ينتبه لها، وهو أنه إذا كان الشيء غيرَ محصور في هذا الشيء ولكنَّه حُصِر فيه، فلا بدَّ أن هناك غرضًا، الغرض هنا: الإغاظة، كأنهم يقولون: نحن وإنْ آمنا بكل شيء، فنحن كافرون بِما جئتم به: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿