×

القصص

الآيات ٤٥–٤٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَـٰكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا وَلَـٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿٤٥﴾

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٤٦﴾

وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾، نخلي الفائدة مع آخر الآية. (﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ )، والمراد بأهل مدين القوم الذين أتى إليهم موسى عليه الصلاة والسلام وجرى معه ما ذكر من استئجاره وتزويجه وسيره بأهله. فهل الرسول عليه الصلاة والسلام كان مقيمًا في أهل مدين حتى يخبر عما حصل منه؟ الجواب: لا. إذن فما جاء به من أخبار أهل مدين فإنه عن طريق الوحي. وقوله: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، (﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبر ثان)، وين الخبر الثاني؟ جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، يعني: وما كنت تتلو عليهم آياتنا (فتعرف قصتهم فتخبر بها). وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضمير ظاهر كلام المؤلف، وهو أيضًا ظاهر سياق الآية، أنه يعود إلى أهل مدين: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فتعرف قصتهم وتخبر بها). وقال بعض العلماء، أي بعض المفسرين: إن الضمير يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي قصصتها بـ﴿آيَاتِنَا﴾، وهذا أقرب إلى المعنى، وإن كان الأول أقرب إلى اللفظ؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، لكنه ما يعود على أهل مدين إلا بتعسف شديد. فالصواب أنه يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي جاءت بـ﴿آيَاتِنَا﴾. إذن فأنت رسول؛ لأنك أتيت بما لم تكن شاهدًا فيه، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. ولهذا قال: (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص ٤٥] لك وإليك بأخبار المتقدمين). (﴿مُرْسِلِينَ﴾ لك) إلى الناس، (وإليك) بالوحي، فالرسول عليه الصلاة والسلام مرسل للناس ومرسل إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. (كان) فعل ماض، وهي مسلوبة الزمن، والمقصود بها اتصاف اسمها بخبرها. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا﴾، هذه (نا) للجماعة، و(كنا) للجماعة، و﴿مُرْسِلِينَ﴾ جمع، مع أن الله تعالى واحد أحد، ولكن ذلك للتعظيم؛ لأن (نا) للمتكلم المعظم نفسه، أو للمتكلم ومعه غيره، وهي بجانب الله - بلا شك - للمتكلم المعظم نفسه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولم يقل: ولكن أرسلناك. كما قال في الآية التي قبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥]؛ لأن الرسالة ما زالت في الخلق منذ اختلفوا إلى آخر الرسل: محمد ﷺ. ومتى اختلفوا؟ اختلفوا بعد آدم، بعد أن مضت قرون إما عشرة أو أقل أو أكثر اختلف الناس، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فتقول الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فأنزل الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية ١٧]، أيش (...)؟ * الشيخ: اللي بالوحي، لكن المراد بهذا اختلاف بني إسرائيل، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ هذا لبني إسرائيل، أما الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾، وفيها قراءة لكنها غير سبعية ﴿فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذه القراءة يدل عليها قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين)، والفائدة من ذكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ ليتلوها على الناس، الفائدة: تقرير أنه نبي؛ لأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فإذن يكون ما أخبر به عمن سبق، يكون من باب الوحي المجرد. قال الله تعالى: (﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ الجبل ﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ [القصص ٤٦] موسى أن خذ الكتاب بقوة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبر آخر غير الخبر الأول الذي فيه ابتداء الوحي؛ لأن الله تعالى بعدما أهلك القرون الأولى وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، واختار من اختار من قومه ثم ذهب إلى الله سبحانه وتعالى لمناجاته وإنزال التوراة عليه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، (جانب) أي: جهة الطور، أو قُرب الطور، و الطور هو الجبل المعروف في سيناء. (﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ )، أفادنا المؤلف بأن (إذ) هنا ليست تعليلية ولكنها ظرفية، وهي ظرف لما مضى من الزمان، و(إذا) ظرف لما يُستقبل، و(إذن) ظرف للحاضر. فبهذا استكملت الظروف الثلاثة: (إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، و(إذم) للحاضر. قال: (﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أن خذ الكتاب بقوة)، وهل الله قال له: خذ الكتاب بقوة؛ لموسى، ولَّا لبني إسرائيل حين رفع فوقهم الطور، قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]؟ فالظاهر أن المؤلف توهم في هذا، نعم. وخلنا نتأمل بعد في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، وأيش اللي قبلها؟ شوف في سورة الأعراف، أيش الآية؟ * طالب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، إذن قول المؤلف: (أن خذ الكتاب بقوة) بالمعنى أتى بها، وإلا فالله يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي الألواح اللي فيها التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يصير إذن أمر موسى أن يأخذها بقوة أن يأخذ الألواح بقوة. فعلى كل حال كلام المؤلف إذن صواب، بس إنه أتى به بالمعنى لا باللفظ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، أي: خذ هذه الألواح ﴿بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]. يقول الله عز وجل: (﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾ [القصص ٤٦])، أخذنا أن قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله عاملها محذوف، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنه هو الرحمة، ولكن المعنى أنه أُرسل للرحمة، ليرحم به، فالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وأرسله الله رحمةً؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]، ليس المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً﴾، ولكن: إلا من أجل الرحمة، فبين المعنيين فرق. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾، أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ على سبيل التخصيص والتشريف، وهذه هي الرحمة الخاصة، وهناك رحمة عامة. وفيها دليل - أي في قوله: ﴿مِنْ رَبِّك﴾ - على أن إرسال النبي ﷺ إلى الخلق ليرحموا به، أنه من الربوبية الخاصة؛ لأن من نعمة الله على العبد أن يلهمه هدًى ليهدي الناس به، فإن هذا في الحقيقة من أكبر النعم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه ليرحم الخلق بما أوحي إليه، وهذا من مقتضى الربوبية الخاصة، ولهذا قال: ﴿مِنْ رَبِّك﴾، ولم يقل: (من ربهم)؛ ﴿مِنْ رَبِّك﴾ الذي رباك تربية خاصة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾، اللام هنا حرف جر؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: إي، ما هي حرف جر؛ لأنها داخلة على (أن) المقدرة، أي: (لأن تنذر)، ثم تحول إلى مصدر فيكون: (لإنذارك قومًا)، ولهذا على مذهب البصريين، تقول: اللام حرف جر، و(تنذر) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرةً جوازًا بعد اللام؛ على رأي الكوفيين، يقولون: إن اللام هي الناصبة، فيقولون: اللام لام (كي) وهي ناصبة. لكن البصريين أدق منهم في هذه الناحية، بل حقيقة الأمر أن اللام حرف جر، وأن (أن) هي الناصبة مقدرة. طيب، أين متعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾؟ متعلقها هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: (أرسلناك). ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، الإنذار هو الإعلام بما يُخاف، هذا الإنذار: الإعلام بما يخاف، والإعلام بما يُرغب ويش يُسمى؟ * طالب: بشارة. * الشيخ: بشارة أو تبشير. وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، ولا يعني ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوث إليهم خاصة، ولكن لأن أول من أنذرهم كانت قريشًا، وإلا فقد بعث لهم ولغيرهم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى جاءهم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا لا معنًى، و﴿نَذِيرٍ﴾ فاعل (أتى)، يعني: ما جاءهم نذير. وفائدة زيادة (مِن) التنصيص على العموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أحد ينذرهم قبل الرسول ﷺ. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾، جملة ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ في محل نصب صفة لأيش؟ * طالب: لـ﴿قَوْمًا﴾. * الشيخ: صفة لـ﴿قَوْمًا﴾. وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال المؤلف: (وهم أهل مكة) هذا تفسير لـ﴿قَوْمًا﴾. إذا قال قائل: أليس إسماعيل رسولًا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: طيب، إذن هو قد أتاهم قبل النبي ﷺ، أو لا؟ * طالب: المراد أولاده، وأولاده ما (...). * الشيخ: أو يقال: إنه لما طال العهد حتى انمحت صاروا محتاجين إلى نذير ولم يأتهم نذير، فمَا أتاهم من نذير بعد أن انقرضت معالم رسالة إسماعيل، وإلا فلا ريب أن إسماعيل مرسَل إليهم؛ لأنه نبي، ولكنه انقرضت، ولهذا كان من دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وأجمع المفسرون على أن المراد به محمد ﷺ، فمنذ إسماعيل إلى أن بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءهم نبي، وانقرضت معالم النبوة، وكان أول من غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، فإنه هو الذي أدخل عبادة الأصنام وأدخل السوائب على العرب حتى انمحت به الحقيقة[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم وسيب السوائب...».]]. * طالب: ولا لهم علاقة (...)؟ * الشيخ: لا، ما لهم علاقة؛ لأن رسالة موسى وعيسى إلى قومهما، إلى بني إسرائيل. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٦]. (لعل) هذه للتعليل، وهي متعلقة بـ(تنذر)، تنذرهم لأجل أن يتذكروا، أي: (يتعظون) بما جئت به. وهذا التعليل سنذكر في الفوائد إن شاء الله ما هي فائدته. * طالب: خبر (ما) النافية؟ * الشيخ: ما هي خبر؛ لأنها ما دخلت على اسم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تُزاد في خبر (ما)، لكن هنا (ما) دخلت على جملة اسمية. * الطالب: القاعدة في الزيادة؟ * الشيخ: القاعدة لزيادة (من) أنها إذا حُذفت استقام الكلام بدونها. * الطالب: (...). * الشيخ: القاعدة أنك لو حذفتها هنا وقلت: (ما أتاهم نذير) صح، فهو دليل على زيادتها.