×

القصص

الآيات ٤١–٤٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ﴿٤١﴾

وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ ﴿٤٢﴾

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلْأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٤٣﴾

وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. * يستفاد من هذه الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل فرعون وقومه، في أن لإيجادهم حكمة؛ لأن الله قادر على أن يجعل المرء على الهدى، لكنه سبحانه وتعالى له الحكمة في أن يوجد مثل هؤلاء القوم الذين يدعون إلى النار. * ويستفاد مِنها أيضًا: حكمة الله تعالى فيمن خلق من أمر الله، وأنهم بلاء وفتنة. * ومنها: إثبات الإمامة في الشر كما هي ثابتة في الخير، فانظر إلى هذه في آل فرعون، وانظر إلى هذه في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، ففرق بين من يقود الناس بأمر الله، من يقودونهم بشريعته، وبين من يدعون إلى النار. * ومن فوائدها أيضًا: أن الدعاء إلى النار وإلى الخير أيضًا كما يكون بالقول يكون بالفعل، يكون بالقول ويكون بالفعل، وأيهما أقوى؟ قد يكون الدعاء بالقول أقوى وقد يكون الدعاء بالفعل أقوى، نعم، إنما على كل حال الدعاء بهذا وبهذا ثابت، فإن الإنسان يدعو الناس بمقاله وبحاله. * ومنها: إثبات يوم القيامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وسُمي (يوم القيامة) لأمور ثلاثة: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم إلى رب العالمين، وأنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، وأنه يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. فلهذا سُمي يوم القيامة، لماذا سمي يوم القيامة؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا الآن ثلاثة أسباب الآن. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، لا تعتمد على (...) كان ربما يأتي مسائل تشكل عليه. * ومنها أيضًا، يستفاد من الآية الكريمة: أن آل فرعون لا ناصر لهم في الآخرة، ومثلهم من كان على شاكلتهم من المستكبرين عن الحق، فإنهم لا يجدون من ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم في ذلك اليوم. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]. * يُستفاد مِن هذه الآية: أن عقوبة آل فرعون كانت ممتدة إلى يوم القيامة بالذكرى السيئة لهم، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كل من ذكر آل فرعون يذكرهم بالسوء والبغض والكراهية. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: تحقير الدنيا؛ فإن قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ إشارة للقريب؛ لدنو مرتبته وأنها دنيا، والدُّنيا: مؤنث أدنى، وهي من الدنو الحسي والمعنوي؛ أما الدنو الحسي: فلسبقها على الآخرة، فهي أدنى إلى المخلوقين من الآخرة، وأما الدنو المعنوي: فلما تتضمنه من النقص في جميع كمالاتها، فما من كمال في الدنيا إلا وهو ناقص، والآن لو تأملت جميع المضار والمنافع الدنيوية تجدها مشوبةً بالضرر والخطر، حتى الزمان كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ لو تأملت هذا لوجدته دائمًا، نعم، وعلى هذا نقول: الدنيا نُسبت لذلك لأمرين: الدنو الحسي والمعنوي، الدنو الحسي: قربها، لسبقها على الآخرة، والدنو المعنوي أنه ما فيها شيء (...) إلا وهو مشوب بنقص. * ومِن فوائد الآية: أن اللعنة - والعياذ بالله - التي وزعت (...) تكون عليهم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]؛ لأن المقبح معناه المبعد المقبوح، واللعن هو الطرد والإبعاد. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا واعلم أن إيتاء الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي وإيتاء قدري، فما تعلق بالكون والخلق فهو إيتاء قدري، وما تعلق بالشرع فهو إيتاء شرعي. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، هذا إيتاء شرعي، والمراد به قسم الصدقات أو الفيء. ومثل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ شرعي ولا قدري؟ * طالب: (...). * الشيخ: أو قدري، إي؛ لأن الإنزال -إنزال القرآن- من الأمور التي تتعلق بمشيئة الله، لا بشرعه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: العمل بالكتاب شرعي. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يكون؛ لأن أصل الإنزال قدري يتعلق بمشيئة الله وقدره، لكن العمل به شرعي. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، (موسى) مفعول أول لـ(آتينا)، و(الكتاب) مفعول ثان، وهي من باب (ظن). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنه إذا لم يكن الأول مبتدأ والثاني خبرًا، فهو من باب (...)، لو قلت: (موسى الكتابُ) يصلح؟ ما يصلح، فكل مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما مبتدأ والثاني خبرًا فهما من باب (كسا)، وما صح أن يكون مبتدأ وخبرًا فهما من باب (ظن). وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾، يقول: (التوراة)، وهو (فعال) بمعنى (مفعول)؛ لأن التوراة مكتوبة، فإن الله تعالى كتبها بألواح وأعطاها موسى. وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، متعلق بـ﴿آتَيْنَا﴾. يعني: أعطيناه إياه من بعد ما أهلكنا القرون الأولى. القرون: جمع قرن، والمراد بهم الأمم، وقد يُراد به الفترة من الزمن، ومقدارها مئة سنة. فالقرون تارةً يراد بها الأمم، وتارة يراد بها أحقاب الزمن. وهنا المراد أحقاب الزمن ولا الأمم؟ الأمم؛ لأن أحقاب الزمن ما تهلك، الذي يهلك الأمم. (﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). (قوم نوح). * طالب: (...). * الشيخ: عندي هنا (وعاد)، عندكم (وعادًا) ولا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها شك (...)، هو الوجه أن يقال: (قوم نوح وعادًا وثمود)، أما (ثمود) فلا تنصرف، لكن الكلام على (عاد) (...) تفسير للقرون. طيب، هم: (قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). هؤلاء هم القرون الأولى، وإنما قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾، إشارةً إلى أن الناس كانوا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي نزل على موسى؛ لأن القرون أهلكت وتطاول الزمن، فاحتاج الناس إلى رسالة، فأرسل الله تعالى موسى بهذا الكتاب الذي هو التوراة. وقيل: إن القرون الأولى تشمل حتى آل فرعون؛ لأن التوراة ما نزلت على موسى إلا بعد أن أهلك الله قرن فرعون وقومه، وأنه يشمل حتى هؤلاء، حتى إن بعض العلماء استنبط منها أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، يعني (...) وأن هذا من فوائد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]؛ لأن إهلاك الأمم السابقة مضى وانقضى، ولا إهلاك بعد نزول التوراة. وفي الحقيقة أن من تأمل التاريخ وجد أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، ما هلكت أمة، لكن هل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلى هذا؟ هذا هو محل النظر والمناقشة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما حصل هلاك عام، (...)، أما أنه هلاك عام ما حصل، فالمهم هذه (...). قال: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص ٤٣] حال من الكتاب). وين (الكتاب)؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿بَصَائِرَ﴾، و﴿بَصَائِرَ﴾ (جمع بصيرة وهي نور القلب) كما أن (بصر، وأبصار) نور العين، فنور القلب يسمى بصيرة وبصائر، ونور العين يسمى بصر وأبصارَا ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٦]. وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعموم؛ لأن التوراة لم تنزل إلا لمن؟ لقوم موسى فقط، كما قال النبي ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]] خذوا بالكم من هذا. طيب، وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، هل يخرج الجن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، من حيث التكليف والإلزام يخرج الجن، فإنه لم يكلف أحد برسالة أحد من الرسل من الجن، لكن من حيث العمل يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فإن الظاهر أنهم كانوا انتفعوا بما أنزل على موسى كما انتفعوا بالقرآن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يجب عليهم؛ لأنه الرسول يقول: «يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ» » والجن ليسوا منهم. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، أنا ذكرت أن (أل) هنا للعهد الذهني، طيب. قال: (جمع بصيرة، وهي نور القلب، أي: أنوارًا للقلوب)، وهكذا جميع الكتب التي ينزلها الله عز وجل تكون أنوارًا للقلوب؛ لأنه يكون بها الاقتداء، ولهذا قال: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة لمن عمل بها). تقييد المؤلف (لمن عمل بها) غير وجيه، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، أن التوراة هدًى، لكن هذا الهدى ما ينتفع به إلا من وُفق، فهي هدًى من الضلالة بلا شك، لكن هل ينتفع بها ويهتدي بها كل أحد؟ لا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]، ففي الأول هدى دلالة، وفي الثاني هدى توفيق. التوراة، إذا قلنا: هدًى لمن عمل بها قيدنا الآية بهدى التوفيق مع أنها مطلقة، ولهذا الأولى أن نقول: هدًى من الضلالة في كل أمر، كما قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهدًى أيضًا للناس، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عام، والهدى الذي بمعنى الاهتداء -يعني يهتدي بها الإنسان- هذا خاص لمن وُفق له. (﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به). هذه نعم، (...) أن المقام يقتضي التخصيص، أنه رحمة، لكن لا لكل أحد، إلا أن يقال: رحمة أي وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إن (رحمة) أي وسيلة صار عامًّا. نقول: هدًى باعتبار العلم، ورحمة باعتبار العمل؛ لأن من عمل به فهو مرحوم. وأما الهدى فهو باعتبار العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، أي ما تكون رحمة لغيره، هي هدى، الهدى نعم هدًى لكل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، الظاهر أنها لو قُيدت تقييدًا مثلما قال المؤلف؛ لأنه ما يرحم بها إلا من عمل بها، ما يرحم بها إلا من عمل فقط. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣]. (لعل) هنا معناها التعليل، أما عملها فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وخبرها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال: (يتعظون بما فيه من المواعظ)، يعني بما في الكتاب - اللي هو التوراة - من المواعظ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ الضمير يعود على من أُنزلت عليهم التوراة، وهم بنو إسرائيل. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص ٤٤] من موسى حين المناجاة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (جانب) بمعنى جهة، جانب الشيء جهته أو طرفه. وقوله: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صفة لموصوف محذوف، ما هذا الموصوف؟ قال المؤلف: (الجبل أو الوادي أو المكان)، و(أو) هنا ليست للتخيير ولكنها للتمييز؛ لأن بعضهم يقول: المراد به الجبل، وبعضهم يقول: المراد به الوادي، وبعضهم يقول: المراد به المكان، وكلمة (المكان) أعم لأنها تشمل أن يكون واديًا أو جبلًا، وموسى كما تعلمون نزل من جانب الطور، وهو في الوادي المقدس، فالآية (...) والذي يضبط الوادي أو المكان أو الجبل هو كلمة (...).الجانب الغربي منه، يعني كأنه قال: بالجانب الغربي من الجبل، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثلما يقال: (مسجد الجامع) أي: المسجد الجامع. على هذا التقدير الأخير يكون المراد الغربي من نفس الجانب، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بالجانب الغربي من الجبل، أما على رأي المؤلف فهو يقول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان (الغربي) صفة لـ (جانب) من موسى وهو يكلم الله، وحينئذ نقول: موسى إذا كان وجهه إلى السماء والجانب الغربي منه؟ * طالب: (...). * الشيخ: على فرض الغرب، وإذا كان وجهه إلى الشرق، فالجانب الغربي منه يكون وراءه؛ لأن المتجه إلى الشرق يكون الجانب الغربي منه خلفه. وأنا الآن ما أتصور هل كان موسى بجانب الجبل من الشرق أو من الشمال. وعلى كل حال فـ(الغربي) نسبة، قد تكون مثلًا القصيم غربًا بالنسبة لمكان، وشرقًا بالنسبة لمكان آخر، بالنسبة لمكان المدينة تكون غربًا أو جنوبًا، وبالنسبة للكويت تكون غربًا. المهم أنك ما كنت بذلك الجانب (حين المناجاة ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا إلى موسى الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه). ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾، يقول المؤلف: (أوحينا)، وعلى هذا فالقضاء شرعي ولا كوني؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب يتعلق بالمشيئة، لكن المؤلف جعله شرعيًّا؛ لأن قضينا الأمر بالرسالة يعني: أمرناه به، فجعل الأمر هنا واحد الأوامر، وليس واحد الأمور، وإذا جعلناه واحد الأوامر صار هنا المراد بالقضاء: الشرعي. ويحتمل أن المراد بالأمر هنا واحد الأمور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم وهو الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فهذا الواحد واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وعلى هذا فيكون القضاء كونيًّا. والقضاء كما تعرفون ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي. فالقضاء الكوني لا بد من وجود المقضي، والقضاء الشرعي قد يوجد وقد لا يوجد. والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى الله ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لا يكون إلا محبوبًا إليه؛ لأنه بمعنى الأمر. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا قضاء كوني، يحبه الله ولا يكرهه؟ يكرهه. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاءً كونيًّا للزم أن الناس كلهم يعبدون الله، وليس الأمر كذلك، وقضينا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه الآية (...)، أما الاجتماع ما يمكن إلا في أمر وقع، مثلًا لو قلنا: قضى الله تعالى لأبي بكر أن يسلم، فهذا قضاء قدري شرعي؛ لأنه أمره بالإيمان فآمن، ونقول: قضى الله لأبي لهب أن يؤمن. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قد يؤمن، هذا قضاء شرعي وليس كونيًّا، وقضى الله لأبي لهب أن يكفر هذا قضاء كوني، إي نعم. قال: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤]، على رأي المؤلف: واحد الأوامر، ولهذا قال: (﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه)، أو نقول: إن الأمر واحد الأمور، وهو (...) الذي هو الرسالة إلى فرعون وقومه. وكلام المؤلف في الحقيقة محتمل، فيبقى الأمر بالرسالة (...) مراده: واحد الأمور، فيكون هذا (...) للرسالة. (﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤] لذلك فتعلمه فتخبر به). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص ٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ما فيها تكرار؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تأتي من الله تعالى؛ لأن الأصل عدم التكرار. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: الآية ما فيها تكرار؛ لأن من كان بالجانب قد يرى وقد لا يرى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. طيب، إذا قال قائل: لماذا لم يـقتصر على قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلنا: أيضًا نفس الشيء؛ لأن الإنسان قد يشاهد من بعد ولا يكون قريبًا، فهنا تضمن أنه قريب وأنه شاهد. ففرق بين أن نقول: (ما كنت شاهدًا) يعني: ما كنت حاضرًا أو مشاهدًا بعينك ولو كنت بعيدًا. ولهذا ليس في الآية الكريمة تكرار، ولكن فيها شيئًا من التوكيد، يعني: لا حضر ولا نظر، كما يقول هنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان حاضرًا حتى يسمع ولا كان قريبًا حتى يشاهد. طيب، إذن فيكون ما أخبر به عن ذلك من باب الوحي، لا من باب المشاهدة ولا من باب السماع، ولكنه وحي أُوحي إليه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الوحي بالرسالة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذا على خلاف (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كما سيأتي أيضًا (...). يقول: (﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥] أممًا من بعد موسى). ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: أوجدنا وخلقنا أممًا، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. (تطاول) أي: زاد في الطول، فالتاء والألف للمبالغة، وقوله: ﴿الْعُمُرُ﴾ المعنى: الزمن؛ لأن الأعمار هي الأزمان، قال: (أي: طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره). قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، الاستدراك هنا ما يقتضي إبطال ما سبق، يعني ليس المعنى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٤، ٤٥] فشهدت، ولكن هذا الاستدراك لتفهيمنا، والمعنى أن العهود طالت وأنت لست بشاهد ولا بحاضر، ولما طالت العهود صار الناس محتاجين إلى الرسالة، فأوحينا إليك بما جرى وأرسلناك إلى الناس، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا، يقال والله أعلم: إنه لما كان في الأرض الواحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: كذلك (...)، وهؤلاء القوم ما داموا في أرض واحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الإلزام بعض العلماء يقول: إنه للنبي، أنه ما يلزم (...) بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [سبأ ٤٠]. (...) من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]، وهي أحد الكتب الثلاثة الباقي أثرها، وهي الإنجيل والقرآن. * ويستفاد منه: أن إتيان التوراة كان بعد إهلاك الأمم السابقة ومنهم فرعون، واستنبط منها بعض العلماء من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣] أنه لم تهلك أمة على العموم بعد نزول التوراة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾، وكأنه بعد نزول التوراة ما أهلك أحد من القرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يصدقه. * طالب: (...) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؟ * الشيخ: لا، ما ذكرناها. * طالب: ذكرنا الفوائد هذه بالشرح. * الشيخ: إي نعم، ما (...). * ويستفاد من هذه الآية: أن الكتب النازلة من السماء، أنها أنوار للناس يهتدون بها؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن التمسك بشرائع الله تكون به الرحمة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكتب النازلة من السماء هي التي بها الهدى من الضلالة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة من إنزال هذه الكتب تذكر الناس بما فيها من المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى وكذلك في شرائعه؛ لأن (لعل) معناها التعليل، فيستفاد منها إثبات الحكمة في أفعال الله وشرائعه. من الذي أنكر الحكمة؟ هم الجهمية، يقولون: إن الله تعالى ليس له حكمة فيما يفعل وفيما يشرع، وإنما هو لمجرد مشيئة. قال: ﴿