تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿٤﴾
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٤].
* ومن فوائدها: أن مَن علا في الأرض وطلب العلو على الخلق فهو شبيه بفرعون، ورِث هذه من فرعون، وبئس الرجل يكون إمامُه فرعون.
* ومن فوائدها: أن تفريق الأمة سبب لفشلها وذُلها. من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حكمة الإنجليز المشهورة: (فرِّقْ تَسُد) فرعونية ولّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: فرعونية؛ لأنه هو الذي جعل (...) ليسود به.
* ومنها، من فوائد الآية: أن بني إسرائيل من أهل مصر مع أنهم في الأصل من أهل الشام، فيتفرع على هذه الفائدة: أن من سكن أرضًا وأقام فيها وإن لم يكن من أهلها في الأصل نُسِب إليها وصار من أهلها.
ومنها: بيان شدة استضعاف فرعون لبني إسرائيل؛ حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، لماذا؟ قيل: لأنه أُخبِر بأنه سيولد من بني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يديه.
وقيل: لأن ذلك هو الطريق لإذلال الأمة؛ لأنه إذا ذهب الرجال وبقي النساء صرن إماءً للمستعبِد بلا شك، ما عندهن قَيِّم ولا مدافع.
* ومن الفوائد في الآية: أن هذا العمل -العلو في الأرض، والعتو على الخلق، والسعي بينهم بالتفريق- أنه من الإفساد. منين نأخذها؟
* طالب: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
عكس ذلك إذن الذي يتواضع للحق وللخلق ويجمع الأمة ويَقصُر عدوانه يكون من المصلحين؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كانت هذه الأمور من الفساد فضدها من الصلاح.
* من فوائد الآية: إثبات إرادة الله في قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾، ووجه إثبات الإرادة من قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾ مع أن (نريد) فعل وليس اسمًا، نقول: لأن الفعل يدل على الحدث وزمانِه، فـ(نريد) مشتق منين؟
* طالب: من الإرادة.
* الشيخ: من الإرادة، (نريد) مشتق من الإرادة؛ وعليه فنقول: إنه يدل على إثبات الإرادة لله، أثبتها المعتزلة؛ الإرادة؟
* طالب: نفوها.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نفوها. الأشاعرة أثبتوا الإرادة، قالوا: إن الله تعالى له إرادة؛ لأن التخصيص بكون الليل ليلًا والنهار نهارًا والحر حرًّا والبرد بردًا، يدل على إثبات الإرادة؛ إذ ما يقع هذا التخصيص إلا بإرادة، فهمتم؟
وهم -كما عرفنا من قبل- إنما يستدلون على إثبات الصفات بالعقل، وما خالف عقولهم وجب تأويله وصرفُه إلى ما يوافق العقل.
وقد مضى لنا هذا، ولكن لا بأس من إعادته؛ مضى أن هذه طريقة فاسدة، مخالفة للقرآن: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون ٧١]، قال الإمام مالك رحمه الله: ليت شعري بأي شيء يوزن الكتاب والسنة، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه وتركنا قول الآخر؟! يستقيم هذا ولّا لا؟
* طالب: ما يستقيم.
* الشيخ: ما يستقيم.
إذن نقول: إثبات صفات الله بالطرق العقلية ونفي ما لم يدل عليه العقل فهذا في الحقيقة عدوان وطريق فاسد. على أننا نقول: إنه يمكننا أن نُثبِت ما نفيتم بطريق العقل كما أثبتم أنتم ما أثبتم بطريق العقل، بل أفلح وأبلغ.
ظهور صفة الرحمة في المخلوقات أبلغ من ظهور صفة الإرادة.
* طالب: الإحسان.
* الشيخ: نعم، الإحسان إلى الخلق بالرزق والإمداد والإعداد وبجميع ما يتمتعون به، هذا ظاهر لكل أحد ولَّا لا؟ لكن كون هذا حَرًّا وهذا بردًا يدل على الإرادة، دلالة هذا على الإرادة أخفى من دلالة النعم على الرحمة بلا شك ولَّا لا؟
أيضًا نصره للطائعين وخذلانه للعاصين يدل على الحب والبغض ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لولا أنه يحب هؤلاء ما نصرهم، ولولا أنه يبغض هؤلاء لنصرهم، وهذا معروف، حتى الإنسان إذا صار يبغض واحدًا ما ينصره، وإذا صار يحبه ينصره. إذن نصرُه لهؤلاء وإذلاله لهؤلاء دلَّ على إثبات المحبة والبغض، وهم ينكرون ذلك ويقولون: العقل ما يدل عليه.
فإذن -الحمد لله- الحق واضح، ما من شيء يزعم هؤلاء أن العقل ينكره أو لا يثبته إلا وجدنا أن العقل يثبته كما أثبته الشرع.
* فيه أيضًا دليل.. يستفاد من فوائد الآية: تمام قدرة الله عز وجل، تمام القدرة؛ وجهُه أن هؤلاء المستضعفين جعلهم أئمة ووارثين لهؤلاء الطغاة، ولَّا لا؟ طيب، جعلهم وارثين بقدرتهم ولّا بقدرة الله فقط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في الحقيقة (...)؛ يعني: المسلمون من هذه الأمة ورثوا ديار الروم وديار الفرس بفعلهم وجهادهم، لكن إرث بني إسرائيل لديار فرعون بلا سبب منهم، بل هو من الله عز وجل محض، ولهذا قال: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فهو بفعل الله سبحانه وتعالى المحض.
* يستفاد منه -كما قلت قبل قليل- تمام قدرة الله عز وجل، وأن الله ييسر لعباده من النصر ما لم يكن في مقدورهم ولا في حسبانهم.
* فيه أيضًا من فوائد الآية: أن من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له، كل من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له؛ لأن قوله: ﴿