×
القصصالآية ٣٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴿٣٩﴾

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩]، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ مِن الكبرياء وهي العظمة، والمعنى: أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنوده، وزيادة الهمزة والسين والتاء للمبالغة وليست للاستدعاء؛ لأن الغالب أنَّ الهمزة والسين والتاء تكون للاستدعاء مثل: (استغفرَ له) يعني: طلب مغفِرَته، (استرحمه) طلب رحمتَه. لكن تأتي أحيانًا لِلمبالغة مثل: (استكبر) يعني: بالَغ في الكبرياء والعظمة. ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، مَن جُنُودُه؟ الجُنْد في الأصل هم حاشية الإنسان وأنصاره، ويُطلق على كل مَن اتَّبعه فهو مِن جُنْدِه. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، متعلق بـ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، و(أل) في (الأرض) للعهد الذهني، قال المؤلف: (أرض مصر) ليس الأرض كلها؛ لأنه لا سلطان له على بقية الأراضي، ولكن المراد أرض مصر، فعلى هذا تكون (أل) هنا لأي شيء؟ للعهد الذهني، لا للعموم. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيان للواقع؛ لأن الاستكبار كله مُخالفٌ للحق، ولكنه بيان للواقع زيادةً في تقبيحه، فالاستكبار قبيح، فإذا وُصف (...) صار أقبح وأقبح. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، ويمكن يكون قتل النبيين بحق؟ لا، كلُّ قتلِ النبيين بغير الحق، لكن ذَكَر ذلك للمبالغة في تقبيحه، وإلا في الواقع أنه ليس بحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحق في الأصل هو الشيء الثابت، فإذا أُضِيف إلى (...) فالمراد به الصدق، وإذا أضيف إلى الأحكام المراد به العدل؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. إذن انتفى عن هؤلاء باستكبارهم الحق من وجهين؛ حيث اتخذوا كذبًا وزورًا بما استكبروا به. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَظَنُّوا﴾، هل المراد بالظن هنا الرجحان أو اليقين؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتيقنين (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما جحدوا (...)، فهل نقول: المراد به الرجحان، يعني ترجح عندهم أنهم راجعون، أو اليقين؟ كلاهما في الواقع يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]؛ لأنَّ مَن استيقن الشيء هل يظُن خلافَه؟ أن يستيقن أن ما جاء به موسى حق، هل يستيقِن خلافَه أو يظن خلافَه أيضًا؟ لا؛ لأن من استيقن الشيء فقد آمن به، لكن يبدو لي أنَّ الظن هنا إمَّا بمعنى الدعوة، يعني ادَّعَوْا أنهم إلينا لا يُرْجَعُون، أو أن المُراد به.. وهو فعله هنا فعل الظان. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] فيها قراءتان: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ بالبناء للفاعل وللمفعول، بالبناء للفاعل كيف أنطق؟ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، وبالبناء للمفعول: ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾، وأركان القراءة (...): وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّــــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــــــانُ فهنا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ (...) أو لا؟ يعني ما اختلفت إلا بالشكل فقط. ومعنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يعودون ويُردون إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الكل سوف يرجع إلى الله، والإنسان راجع إلى الله في محياه ومماته، فهو بعد الموت يرجع إلى الله، وكذلك في الدنيا أمره راجع إلى الله، فهو الذي يدبره. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، الفاء عاطفة والمراد بها أيضًا السببية، أي: فبسبب استكباره هو وجنوده أخذناه ﴿وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ [القصص ٤٠]. شوف، مقابل الاستكبار ذكر الله تعالى عقوبتهم على وجه الاستهجان والتحقير: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ إذ إن النبذ هو الطرح، الطرح يعني بقوة، والمطروح بقوة هل هو عظيم ولا حقير؟ بل هو حقير؛ لأن العظيم ما يمكن، ما تستطيع أن تنبذه نبذًا، فهو (...) عظيم ما تقدر، إنما ينبذ نبذًا من كان هينًا حقيرًا، ولهذا قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. (هم) يعود على الجنود ولا على من؟ على فرعون والجنود، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، ولم يغنه هؤلاء الجنود شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شيء يقابله من قوة البشر. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ (طرحناهم). ﴿فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿الْيَمِّ﴾ قال: (البحر المالح) احترازًا منين؟ من الأنهار؛ لأن الأنهار بحار، لكنها غير مالحة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢]، وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، فسمى الله تعالى الأنهار والبحار المالحة سماها بحارًا. وقوله: (البحر المالح) هذا بيان للواقع الذي وجد فيه فرعون وجنوده؛ لأنهم وجدوا في بحر القلزم أو القلزم، وهو البحر الأحمر الذي بين جُدة ومِصر، هذا الذي غرق فيه فرعون وقومه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وانظر إلى الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم إغراقًا في اليم؛ لأن فرعون كان يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فافتخر بالماء فأُغرق به. * طالب: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. * الشيخ: نعم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجه الله من ملك مصر وأهلكه بما كان يفخر به من الأنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن البحر المالح بعيد عن ملك مصر (...). قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ ﴿فَانْظُرْ﴾ يعني: يا محمد، أو: ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها القارئ أو السامع؟ فالخطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، ماذا تقول؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، أي: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا من تسمع هذا الخطاب ويوجَّه إليك. والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالقلب؛ لأن العاقبة ما هي تنظر بالعين، اللهم إلا إذا سار الإنسان في آثارهم، فقد ينظر بعينه وبقلبه. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، والمراد به التعظيم، يعني لعظم العاقبة، لكن لا تعظيم الرفعة، بل تعظيم العقوبة والعياذ بالله. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تفخيم لها وتعظيم لعاقبة وخيمة سيئة للغاية، محلها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾؟ * طالب: اسم استفهام. * الشيخ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل؟ * الطالب: نصب. * الشيخ: نصب نعم. * الطالب: مفعول (انظر). * الشيخ: مفعول (انظر)! ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾، ما يصح أن تكون مفعول (انظر)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، إذا جعلناها مفعول (انظر) ما صار لها صدر الكلام، صارت متأخرة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، (...) بمفعول (انظر)، لكن أنا أريد إعراب ﴿كَيْفَ﴾ فقط. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر. * الشيخ: خبر؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما هو بصحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم خبرها مقدر، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فـ﴿كَيْفَ﴾ هنا اسم استفهام (...) خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾. وتقديم خبرها هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عقبى، وهي على صيغة اسم الفاعل، والمراد العقبى. و﴿الظَّالِمِينَ﴾ هم الذين نقصوا حقوق أنفسهم وحقوق ربهم؛ لأن الظلم في الأصل النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، أي لم تنقص. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، المراد بالظالمين هنا الكافرون ولَّا لا؟ * طالب: الكافرون. * الشيخ: نعم الكافرون؛ لأنه يشير إلى ما جرى لفرعون وقومه، وهم ظالمون ظلم كفر؛ لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم كفر، وظلم معصية دون الكفر. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٩] (...) ظلم المعصية، المراد ظلم المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] المراد ظلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] شامل للأمرين الكفر وما دونه. (﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك). إلى الهلاك بأتفه الأمور، وهو الماء، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأخذ كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] أي: بما يقتضيه ذنبه من العقوبة، عاد استكبروا في الأرض وتحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وقوله: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله (...) بكونه أشد منهم؛ لأن الخالق بلا ريب أقوى من المخلوق. بماذا أخذوا؟ أخذوا بألطف الأشياء، وهي الريح، أرسل الله عليهم الريح ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]، كل أيام الدهر، أرسلت إليهم في كل أيام الدهر، لو شاء الله لأرسلها عليهم في ليلة واحدة ودمرتهم تدميرًا، لكن لحكمة أراد أن يتعذبوا أكثر، ما أخذتهم جميعًا؛ أخذت مثلًا (...) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠]، وهذا أشد عقوبة؛ لأنها لو جاءتهم مرة واحدة ودمرتهم ما تعذبوا؛ ماتوا وهلكوا وانتهى الأمر، لكن هذا أشد. طيب إذن هنا أغرقوا باليم؛ لأنهم والعياذ بالله (...). قال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ [القصص ٤١] بتحقيق الهمزتين) ﴿أَئِمَّةً﴾، (وإبدال الثانية ياءً)، كيف يقال؟ ﴿أَيِمَّةً﴾ ، والقراءة الثانية هنا سبعية. قال: (رؤساء في الكفر)؛ لأن الإمام هو القائد الذي يُتبع، فهو والعياذ بالله ذو أثر في الكفر، وليسوا رؤساء فقط؛ رؤساء متبوعون في الكفر. * طالب: (في الشرك). * الشيخ: (في الشرك)، نعم، رؤساء في الشرك، يعني متبوعين. الإمام هو المتبوع، المعنى أنهم كانوا قادة والعياذ بالله إلى الكفر والشرك. لكن هذا، يقول المؤلف: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ ). لو أنه أخر (في الدنيا) لكان أحسن، وقال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدنيا ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١])؛ لأن حقيقة الأمر أن إمامتهم بالكفر متى؟ في الدنيا، إمامتهم كانت في الدنيا، فهم جعلوا في هذه الدنيا أئمة، يعني متبوعين يُقتدى بهم في الكفر، فكل من أتى بعدهم وكان كفره استكبارًا فإنه مقتدٍ بهم. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ليس إلى الإيمان، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقول أو بالفعل؟ بهما جميعًا، فهم قبل أن يهلكوا يدعون بالقول وبالفعل، وبعد أن هلكوا يدعون بالفعل؛ لأن من اقتدى الناس بفعله فهو في الحقيقة قد دعاهم إليه. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، قطعًا ما يدعونهم بأن يقولوا: يا ناس ادخلوا إلى النار، لو كان يقولون: يا ناس ادخلوا النار ما أطاعوهم، لكن ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدعون إلى العمل الموصل إليها، وهو الشرك والكفر، وبئس ما كانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلى الكفر بالله تبارك وتعالى والإشراك به. طيب، وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرف متعلق بـ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وهم لا ينصرون يوم القيامة. في الدنيا أئمة متبوعون، لكن في الآخرة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، هم ما يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم، فلا يمكن أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم. وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يجدون من ينصرهم (بدفع العذاب عنهم)، ما أحد يدفع عنهم العذاب، لا هم ولا غيرهم أيضًا، حتى غيرهم ما يمكن أن يدفع عنهم العذاب. (﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤١، ٤٢] المبعدين). ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على فرعون وجنوده، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جعلناها تتبعهم بعد إهلاكهم. واللعنة في الأصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المؤلف بلازمها وهو الخزي، أي أنه كل من ذكرهم يلعنهم ويطردهم ويبتعد عنهم، ولكن لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]؛ لأن الذي يأتم بهم هو الموافق لهم على كفرهم، أما من لم يهتم بهم فإنه يلعنهم. وقوله: ﴿لَعْنَةً﴾ من الله ولا من غيره؟ منه ومن غيره، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]، فمن لعنه الله لعنه المؤمنون بالله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في لعن النامصة والمتنمصة، قال: «وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٩٤٣). ]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا ظرف متعلق؟ * طالب: بالنار. * الشيخ: بالنار؟! بمحذوف حال من (هم)، يعني: وهم حال كونهم يوم القيامة من المقبوحين، أو متعلق بالمقبوحين (...) ما تقدم لنا من أن (أل) اسم موصول، واسم الموصول لا يعمل ما بعده بما قبله، فإما أن تجرد (أل) من المصدرية، أو يأتي ذلك على سبيل التوسع؛ لأنهم يتوسعون في الجار المجرور والظرف ما لا يتوسعون في غيره. وقوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]، أتى بالجملة الاسمية الدالة على أنهم هم في ذلك الوقت لا يمكن أبدًا أن يستحسن ما فعلوه أو يقربوا، بل إنهم في ذلك الوقت من المقبوحين المبعدين الذين يفضحهم كل من ذكرهم، فلا يمكن لأحد أن يقربهم. إذن، عُوقب هؤلاء والعياذ بالله الذين كانوا يدعون إلى النار، عوقبوا بأمرين؛ بل بثلاثة أمور: الأمر الأول: أنهم إذا حل بهم العذاب يوم القيامة لن يجدوا من ينصرهم؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. الأمر الثاني: العار الذي لحقهم من اللعنة التي لحقتهم إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص ٤٢]. الأمر الثالث: أنهم يوم القيامة لا يمكن أبدًا أن يكونوا من المحبوبين المقرَّبين، بل هم من المقبوحين المطرودين المبعَدين (...). * * * (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣] التوراة)، وهي كتاب بمعنى مكتوب، والجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام الواقعة في جوابه، و(قد). وهنا قد يقول قائل: لماذا تؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة مع أنها ليست مخاطبةً لمنكر لها؟ فالجواب: أننا سبق أن قلنا: إن التأكيد ليس سببه إنكار المخاطب فقط، بل قد يكون سببه أهمية المخبَر عنه، فيؤكد بالقسم وباللام و(قد) وغيرها من المؤكدات. (...) * يستفاد من هذه الآية: بيان حال فرعون وجنوده، وأنهم قوم مستكبرون عن الحق متعالون عليه. * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن من استكبر عن الحق ففيه شبه من فرعون وجنوده. * ومنها، أي مِن فوائد الآية: وجوب الرضوخ للحق، فالإنسان يجب عليه أن يرضخ للحق، سواء وافق هواه أم خالفه. * ومِنها: أن المستكبر ليس له حق في الاستكبار؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. * ومِنها أيضًا: أن هؤلاء المستكبرين يعملون عمل من لا يظن أنه يرجع إلى الله؛ لأن من ظن أنه يرجع إلى الله فلن يستكبر عنه؛ إذ إنه يخاف منه، لكن من يستكبر هو من ظن أنه لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. * ومنها: إثبات البعث؛ لأن قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] إثبات الظن، فيقتضي أن الرجوع إلى الله أمر ثابت. * ويستفاد من قوله: ﴿