تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴿٧٠﴾
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠].
* يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه.
* الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
* الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر.
النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام.
ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]].
إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة.
ثم قال تعالى: ﴿