تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴿٦٦﴾
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ﴿٦٧﴾
لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٦٨﴾
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرابع أعلاها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه.
* طالب: (...) هذه المراتب.
* الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى.
* يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه.
الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر.
* الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي.
المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها.
* الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.
* الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم.
* الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن.
* الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له.
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟
* طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟
* الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله.
ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات.
ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور.
الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير.
* طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟
* الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما.
* طلبة: (...) نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...).
* طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...).
* الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
قال الله تعالى: ﴿