تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٥١﴾
يقول: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥١، ٥٢]
﴿تِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾، لما قال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ هذا عام مبهم، نص على شيء معيّن (...)
* طالب: هو أن بيوتهم.
* الشيخ: أن بيوتهم خاوية الآن، ويش معنى خاوية؟
* طالب: فيها قولان: إما خالية، وإما متهدمة.
* الشيخ: مدمّرة، ﴿خَاوِيَةً﴾ وهذا قد نقول: إن فيه فائدة، وهي: التبيين بعد الإجمال؛ لأن التبيين بعد الإجمال أوقع في النفس، فالشيء إذا جاء مجملًا تتشوف النفس إلى بيانه ومعرفته، فإذا جاء إليها مبيَّنًا بعد الإبهام صادف أرضًا يابسة تشرب الماء، لكن إذا بُيِّن من الأول مر مر الكرام، وهذا دائمًا تجدونه في القرآن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ ويش هو ذلك الأمر؟ ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٦٦].
عندما تقف: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ تجد نفسك هذا الأمر بـ(أل)، أيش الأمر هذا؟ وأن تجيء: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يتبين لك وقع هذا البيان بعد الإبهام.
* وفي هذا دليل على أن التدمير والإتلاف من أسباب الظلم؛ لقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ لأن الباء هنا للسببية.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يصلح هذا وهذا؛ لأن (من) للسببية.
* وفيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بظالم، ما دام لا يعاقب إلا بسبب فعل العبد، فمعنى ذلك أنه منتفٍ عنه الظلم سبحانه وتعالى.
* وفيه دليلٌ على التحذير من الظلم؛ لأننا إذا تبينا أن التدمير من أسباب الظلم معناه أننا ننفر منه ونهرب منه، وفيه التحذير من ممارسة الظلم سواء كان متعديًا أو لازمًا، أو سواء كنت تظلم نفسك وحدها بالتقصير بواجب الله أو بالظلم لغيرك أيضًا.
* وفيه دليل على أن هذه الحوادث التي يحدثها الله عز وجل آيات من آياته، تدل على كمال قدرته وسلطانه وعلى كمال عدله أيضًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ أي: علامة على قدرة الله وسلطانه، وعلى حكمته، وأنه سبحانه وتعالى لا يفعل إلا بمقتضٍ للفعل.
* وفيه رد على من ينكرون الحكمة، مثل من؟ الجهمية؛ فإن الجهمية يقولون: إنه لا حكمة لله سبحانه وتعالى في أفعاله، وخالفتهم المعتزلة تمامًا وقالت: أفعاله مقرونة بالحكمة، والحكمة موجبة، ولهذا قالوا: يجب عليه فعل الصلاح، وبعضهم قالوا: يجب عليه فعل الأصلح.
وأما الجهمية فبالعكس، وهذا من المواضع التي اختلفت فيه الجهمية والمعتزلة، وإن كانوا يشتركون في كثير من الأشياء، لكنهم يختلفون أيضًا في أشياء أخرى منها هذه المسألة: هل فعل الله لحكمة أو لمجرد مشيئة؟
الجهمية يقولون: لمجرد مشيئة، والمعتزلة يقولون: لحكمة، لكن غلوا في إثبات الحكمة؛ حيث أوجبوا على الله سبحانه وتعالى فعل الأصلح.
وقد مر علينا هذا في العقيدة وبيّنّا أن الصواب أنه يجب على الله فعل الأصلح، لكن لا بإيجابنا نحن، ولكن بمقتضى حكمته؛ لأن الحكمة تقتضي هكذا.
* طالب: والأشاعرة (...)؟
* الشيخ: الأشاعرة مثل الجهمية.
* وفي هذا دليل على أنه لا ينتفع بالآيات إلا أولو العلم؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أما من ليس من ذوي العلم فإنه يفوتهم شيء كثير لا يعتبرون به ولا يتعظون به، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]، والأمثال تشمل الأمثال المعقولة والأمثال المحسوسة المشاهدة، فالله تعالى يضرب الأمثال المعقولة ويضرب الأمثال المحسوسة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٣] إلى آخره، هذا ما يسمى المشهود المحسوس.
مثلًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ هذا من الأمثال المعقولة.
والحاصل: أن أهل العلم هم الذين يعقلون هذه الآيات ويعتبرون بها، وينتفعون بها.
* وفيه دليل على فضيلة العلم.
* وفيه دليل أيضًا على الحث على العلم؛ لأنه إذا ثبت فضله فمعنى ذلك أن الله ذكره لنا لنتعلم.
ولا شك أن العلم من أفضل ما أنعم الله به على العبد، يعني: ما بعد الإسلام نعمة مثل العلم، هي أفضل من نعمة المال، وأفضل من نعمة قوة البدن، وأفضل من نعمة البنين، ما يعادلها إلا نعمة الإسلام فقط.
ولذلك تجد أن العلماء، ولكن الذين مثّلوا العلم، بأن كانوا دعاة إلى الله، وكانوا علماء ملة، لا علماء دولة؛ لأن العلماء منهم علماء ملّة يدعون إلى الملة والشريعة ويهدون بأمر الله، ومنهم علماء دولة يدعون إلى ما تريده الدولة. وتعرفون أول ما ظهرت بدعة الاشتراكية أو أول ما ظهر فسق الاشتراكية؛ لأنها من زمان، صار أناس من أهل العلم -في البلاد التي ظهرت فيها هذه البدعة- صاروا يدعون إليها ويزعمون أن القرآن والسنة دلّا عليه، ويجيبون آيات تدل على هذا، مثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨].
* طالب: هذا (...) الإنكار يؤخذ منه.
* الشيخ: إي ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ خلاص، أنتم سواءٌ في الرزق، و«النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»[[ أخرجه أبو داود (3477) من حديث رجل من المهاجرين ، وابن ماجه (2472) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وهكذا، وبدؤوا يحرفون الكتاب والسنة، لماذا؟ لأنهم علماء دولة لا علماء ملة، وهذا كثير أيضًا.
وفيه أيضًا محدِّثون دولة، مر علينا الذي قال للمهدي -ابراهيم بن غياث أو غياث بن إبراهيم- قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ»[[أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١ / ٤٢)، والحديث أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) من حديث أبي هريرة بدون لفظة: أو جناح. ]].
الحاصل أن هذه دلالة في القصد، لكن المراد بالعلم الممدوح هو العلم المؤثر للعمل والدعوة.
والحقيقة أن مقام طلبة العلم ما هو مقام علم فقط ويكون العلم قابعًا في صدورهم، إذا لم يكن هناك دعوة، أنت الآن وارث للأنبياء ولّا لا؟ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)من حديث أبي الدرداء.]]، ادع إلى الله، ادع مثلما دعا الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى، اعلم ثم ادع، ما نقول: ادع بجهل؛ الدعاء بجهل ضرر عليك وعلى الإسلام أيضًا، لكن اعلم وادع ولا تبالِ.
واعلم أنك ما قلت كلمة تبتغي بها وجه الله إلا كان لها تأثير لا بد، ونحن نضرب دائمًا لكم مثلًا بقول موسى أمام السحرة وأمام فرعون وجنوده وعامة أتباعه، قال للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١] كلمة أيش عملتْ؟
* طالب: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [طه ٦٢].
* الشيخ: ولا قنبلة ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ راحت معنويتهم واجتماعهم، وأخيرًا آمنوا بالله، أعلنوا إعلان كامل بتصميم وعزم، سبحان الذي أعطاهم إياه بها اللحظة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فوعدهم: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف ١٢٤]، ويش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه ٧٢] (...) ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] الله أكبر.
* * *
قال الله تبارك وتعالي: ﴿