×

النمل

الآية ٤١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٤١﴾

﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ﴾ لها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمثل هذا عرشك؟ ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي: فعرفته. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ يعني: إلى سليمان، ونظرت إلى العرش قيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، والقائل إما سليمان أو أحد جنوده، ولم يبيَّن؛ لأن المقصود معنى هذا القول دون قائله. وقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُك﴾ الاستفهام هنا على حقيقته، والمراد به: الاستخبار، و (الهاء) للتنبيه، و (الكاف) حرف جر حالت بين هاء التنبيه واسم الإشارة، مع أن هاء التنبيه تقترن باسم الإشارة، لكن الكاف تحول بينها وبين اسم الإشارة لمباشرة حرف الجر للمجرور ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، ولكن أيضًا هو خاصٌّ بالكاف، لو أنك أتيت بحرف جر سوى الكاف ما جاز أن تفصل بينه وبين اسم الإشارة؛ لو قلت مثلًا: ألهذا حضرت؟ ما يصح تقول: أهلذا حضرت، ما يصلح، يعني: ما يفصل بين اسم الإشارة وبين هاء التنبيه بأي حرف من حروف الجر إلا بالكاف فقط. إذن نقول: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و﴿عَرْشُكِ﴾: مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر هنا جائز ولّا واجب؟ واجب لأجل الاستفهام؛ لأن له الصدارة. وهنا ما قالوا: أهذا عرشك، بل قالوا: أهكذا عرشكِ؟ يعني: هل عرشكِ مثل هذا؟ هي أجابت بمثل ما سئلت عنه، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ و(كأن) للتشبيه، ولم تقل: إنه هو، ولم تنف؛ السبب أنه مشابه لعرشها من حيث الأصل ومخالف له من حيث الصفة لأنه غُيِّر، وهذا أيضًا من ذكائها أنها لما وقع في نفسها أنه عرشها لكن تغيرت صفته قالت: كأنه هو، والجواب مطابق للسؤال. والمؤلف سلك في هذا مسلكًا غريبًا، قال: (أي: فعرفته وشبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ إذ لم يقل: أهذا عرشكِ، ولو قيل هذا قالت: نعم). ما ندري هل تقول: نعم أو تقول كأنه هو، إنما جوابها مطابق للسؤال ومطابق لمقتضى الحال؛ أما مطابقته للسؤال فلأنه قيل لها: أهكذا؟ يعني: أهو مثل هذا، فكان الجواب: كأنه هو، وأما مطابقته لمقتضى الحال فلأن المرأة رأت أن العرش قد غُيِّر، فلم تجزم بنفيه ولم تجزم بإثباته، إن نُظِر إلى أصل الكرسي أو العرش فهو هو، وإن نُظِر إلى صفته فليس إياه، لذلك كان جوابها جيدًا جدًّا وليس فيه تشبيه كما قال المؤلف، هذا ما فيه تشبيه. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ ما ندري هل تقول: نعم أو تقول: كأنه هو، وجزم المؤلف بأنها تقول: نعم ليس بصحيح، لأن المرأة ذكية جدًّا، والإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال هل يجزم بأن ما شاهده هو ما كان يعرفه من قبل؟ ما يجزم، بل إن مقتضى الحزم والتحرز أن يقول؟ ويش كان يقول؟ * طالب: كأنه. * الشيخ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، هذا مقتضى الحزم، لا سيما مع القرائن التي تبعد أن يكون إياه كما في هذه القصة، فإنه عرش محوط محروس من مكان بعيد، فيبعُد أن يمثل أمامها في هذه الحال. المهم يا جماعة الآن أننا نأخذ من جوابها هذا نأخذ منه ذكاءها من وجهين: أولًا: أنها أجابت بجواب مطابق للسؤال، هذا واحد. وثانيًا: أنها أجابت بجواب مطابق لمقتضى الحال؛ إذ الجزم بهذا تسرُّع، ونفيه تباطؤ أيضًا، واحتمال أن يكون إياه. ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ كأن للتشبيه. * طالب: ليس في كلامها تشبيه؟ * الشيخ: لا، هو يقول: شبَّهت عليهم؛ يعني: لبست عليهم، ما قال: شبهته. ثم قال: (قال سليمان لما رأى لها معرفة وعلمًا: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ). وجه ارتباط هذا الجملة بما سبق أنه أراد أن يتحدث سليمان بما أنعم الله به عليهم من العلم، العلم يشمل العلم الشرعي، ويشمل العلم بقواعد الملك ومثبتاته، وما أشبه ذلك؛ يعني: كأنهم أو كأن الملأ من قومه لما رأوا ما رأوا من ذكائها ومعرفتها وتحرزها وتثبُّتها رأوا أمرًا عظيمًا، فأراد سليمان ﷺ أن يذكِّرهم بما هو أعظم من ذلك، وهو ما آتاهم الله تعالى من العلم السابق والإسلام: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. ويرى بعض المفسرين أن قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ من قول المرأة، يعني: كأنه هو وأوتينا العلم، وأن المسألة متصلة، يصير ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: مِن قبل هذه القضية، أي: أننا عندنا علمًا من قبل هذه القضية فلا تعجب من علمنا بهذا فإن لنا علمًا سابقًا، ولكن هذا الاحتمال -وإن ذُكر- ضعيف، والصواب: أن هذا من قول سليمان عليه الصلاة والسلام؛ يتحدث فيه بنعمة الله سبحانه وتعالى عليه وعلى قومه السابق لمعرفة هذه المرأة. * طالب: لا بد (...) فعل القول (...). * الشيخ: وين؟ * الطالب: من ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ * الشيخ: (...) لا، ما يتعين، من قوله: ﴿وَأُوتِينَا﴾ لأنه قد يقولها أحد جنوده، ثم هو يتكلم بعد ذلك بعدما تحصل المشاهدة هذه يقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يجوز (...) عليها (...). قال: ﴿وَصَدَّهَا﴾ عن عبادة الله ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إذن ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إعرابها أنها فاعل، يعني: صدها الذي كانت تعبد من دون الله، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي: وصدها كونها تعبد من دون الله، لكنه وإن كان سائغًا لغة لكنه ليس له محل هنا، فـ (ما) هذه اسم موصول. وقوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ ما هو الذي تعبد من دون الله؟ * طالب: الشمس. * الشيخ: الشمس، والعائد على (ما) الموصولة محذوف، التقدير: ما كانت تعبده من دون الله. و(صد): بمعنى صرف، ومناسبة هذا لما سبق، أنه يقال: إذا كانت هذه المرأة بهذا الذكاء وهذه المعرفة فلماذا لم تعبد الله مع ظهور أن العبادة لله وحده؟ بيَّن أن الذي صدَّها عن عبادة الله أنها اشتغلت من أول أمرها بعبادة غير الله، لأنها كانت من قوم كافرين، فنشأت في بيئة كافرة واشتغلت بعبادة المخلوق عن عبادة الخالق، فكأن هذه المرأة مع كونها ذكية وفاهمة وعندها احتراز وتحفظ كأنها مع ذلك إنما عدلت عن عبادة الله مع ظهورها ووضوحها بسبب انشغالها بالباطل، والنفس لا بد أن تكون مشغولة إما بالحق وإما بالباطل، ولا بد أن تكون كاسبة: إما كاسبة حرامًا أو حلالًا؛ إن أخذت ما لا حق لها فيه فهي كاسبة حرامًا، وإن أخذت ما لها حق فيه فهي كاسبة حلالًا. فهنا نقول: مناسبة قولها لقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أنه كالجواب عن سؤال مقدَّر، وأيش السؤال المقدر؟ لماذا لم تعبد الله؟ فقال: إنه صدها عن عبادة الله ما كانت تعبد من دون الله وكانت من قوم كافرين، فقد نشأت من أول أمرها في بيئة كافرة، وقد أخبر النبي ﷺ أن «كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقيل: إن (صدها) الفاعل يعود على سليمان؛ أي: أن سليمان منعها ما كانت تعبد من دون الله، أي: منعها عما كانت تعبد من دون الله بسبب ما رأت من الملك العظيم الذي لسليمان عليه الصلاة والسلام، ولكن الأول أولى بالسياق: أن ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فاعل، لكن هنا لا بأس أن نذكر الاحتمال؛ لأنه ربما يكون عند التأمل يظهر أن هذا الاحتمال صحيح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعني: بيئتها منذ نشأت وهم كافرون بالله سبحانه وتعالى يعبدون الشمس، فلهذا اشتغلت بعبادة غير الله عن عبادة الله. وسيأتي إن شاء الله ما في هذه الجملة من الفوائد. (﴿قِيلَ لَهَا﴾ أيضًا، ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ) والقائل -كما قلنا- مبهم؛ إما سليمان أو غيره. وهذا الصرح يقول المؤلف: (هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء عذب جار، فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار). أما قوله: إنه (سطح من زجاج أبيض) هذا صحيح، سطح من زجاج أبيض، والأصل في الصرح أنه البناء العالي، كما قال فرعون لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] لكنه يُطلَق على السطح وإن لم يكن عاليًا، وهذا عبارة عن سطح من زجاج وتحته ماء. يقول المؤلف: (إنه جارٍ)، وأخذ كونه جاريًا من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾؛ لأن اللُّجَّة هي أمواج البحر المترددة، لأن كل شيء متردد يُسمى لَجَّة، ومنه اللَّجَّة تردد الأصوات وارتفاعها، فالظاهر أن المؤلف أخذ الجريان -وإلا ما في الآية ما يدل على أنه جريان- أخذه من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. وقوله: (فيه سمك) هذا ما هو بشرط، ليس فيه شرط أن يكون فيه سمك؛ لأن اللجة قد تكون فيها سمك وقد لا تكون، وقد يكون فيها سمك بعيد لا يُرى. وكذلك أيضا قوله: (إنه ماء عذب) ما في دليل على أنه عذب ولا أنه ملح، فلا ندري، المهم أنه ماء، بدليل ما يأتي. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، لأن العذب قد يبقى فيه السمك ما شاء الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ويبقى فيه حتى هذا، بس أنه ما يعيش العيشة الكاملة، اللهم إلا كان فيه مثلما قال الإخوان: فيه أسماك خاصة في الملح، ما يكفي. المهم على كل حال، كل هذا لا داعي له، حتى لو قال قائل: إنه ليس تحته ماء. لو قال قائل: وأن الزجاج هذا يعطي كأنه ماء، بسبب مثلًا أضلاع فيه ولّا شيء، لو قيل بهذا لم يكن بعيدًا، لأنه ما يتعين أن يكون تحته ماء، ما هو متعين، على كل حال، ما هو متعين، لكن نحن إن تنازلنا وقلنا: إن قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ خله زجاج شفاف وتظنه بحرًا. وأما قوله: (لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار) يقولون: إن الجن لما أنَّ سليمان أعجبته هذه المرأة هَمَّ أن يتزوجها فحسدوها على ذلك، فقالوا له: إن قدميها وساقيها قدما دابة وساقا دابة، وحطوها بعد حمار؛ لأنه أقبح وهذا ليس بصحيح. وإنما المقصود من هذا الصرح اختبار المرأة أيضًا، لأنه لما قيل: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ هي في الحقيقة إذا كانت تحسبه لُجَّة، إذا كانت جبانة تدخل ولّا ما تدخل؟ ما تدخل أصلًا، وإذا كانت مغفلة دخلت وثيابها نازلة، وإذا كانت حازمة وشجاعة دخلت ورفعت عن ساقيها، دخلت هذا ورفعت عن ساقيها. ثم هي أيضًا من ذكائها: أنها تعلم أنها ما أُكرمت وقيل لها: ادخلي الصرح وهي ستُدخل في بحر لُجِّيٍّ يغرقها، فعلمت أن هذا البحر أن غاية ما فيه أن يصل إلى ركبتها أو نحو ذلك، وأنه لا يمكن أن يكون بحرًا لجيًا عميقًا، لماذا؟ لأنها قيل لها على سبيل الإكرام: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾. فالمهم أن هذا أيضًا اختبار ثان لذكائها وحزمها وشجاعتها، وأما أن رجلها رجل حمار فهذا كذب بلا شك، والأصل فيها أنها امرأة مثل بنات آدم ليس فيها شيء من هذا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما ندري عن شريعة مَنْ سبق (...). قال: (﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ من الماء ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ) وهذا لا شك أنه يدل على حزمها وقوتها وشجاعتها، لأن الإنسان الغريب إذا حصل له مثل هذا الأمر قد يقول: ما أدري، يمكن يخدعونني ربما أطب في هذا وأموت، لكنها قويَّةً وحازمة أيضًا، أقدمت على الدخول لكن مع الاحتراز عن الأذِيَّة؛ حيث رفعت عن ساقيها. والرفع عن الساقين (إبراهيم) يقول: يؤخذ منه جواز إظهار المرأة للساقين، ونحن نقول: أولًا: لا يؤخذ منه ذلك، لأنه هنا فعلته للحاجة، وكشف المرأة ساقيها للحاجة لا بأس به حتى في شريعتنا، إذا احتاجت المرأة إلى كشف ساقيها في مثل هذه الحال فلا حرج فيه، لأن ما حُرِّم تحريم الوسائل تبيحه الحاجات كما هو مقرر في علم الأصول، المحرم تحريم وسائل تبيحه الحاجات؛ ولهذا يجوز النظر إلى العورة لأدنى حاجة، حتى إنهم قالوا: يجوز أن يحلق عانةَ مَنْ لا يُحْسِن حلْقَ عانته، وهذا بالضرورة سوف يكشف العانة لتُحْلق. فالحاصل أننا نقول: إن كانت شريعة سليمان تبيح مثل ذلك فلا دلالة فيه، وإذا كانت لا تبيحه فإنه أيضًا لا يخالف شريعتنا، لأن الحاجة هنا تدعو إليه. (﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، وكان سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حسانًا) اطمأن الآن الرجل، اطمأن، ولكنها ليست كما قال المؤلف، ما هو الغرض من هذا أن يَتَبَيَّن لسليمان هل رجلها رجل حمار ولّا رجل آدمية؟ لا، الغرض أن يعرف بهذا ذكاءها وفطنتها وشجاعتها، وكل ما تدل عليه هذه الصورة من معنىً يعود إلى المرأة فإنه يريده سليمان عليه الصلاة والسلام. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: بيجي أكيد. (﴿قَالَ﴾ لها ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مملس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: زجاج). هذه الجملة أيضًا تفيد أنه قُصِد به مع اختبارها وامتحانها إظهار عظمة ملك سليمان مثلما قُصِدَ بإحضار العرش هذا المقصد. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ فتبين بذلك أمران؛ أحدهما: عظمة ملك سليمان؛ حيث إن الزجاج يصنع له حتى يكون كالبحر اللجي، وثانيًا: الإشارة إلى أن هذه المرأة وإن كانت ذكية وعاقلة وحازمة فإنها يَخْفَى عليها الأمر، ولّا لا؟ لأنها حسبت أن هذا الزجاج لُجَّة من الماء مع أنه ليس كذلك، ففيه نوع من إظهار ضعفها أيضًا؛ حيث إنه ظَنَّت الأمر على خلاف ما هو عليه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في هذا من فوائد الآيات ما.. * الطالب: (...) صرح ممرد من قوارير أنه ليس به ماء؟ * الشيخ: (...) ما يستبعد؛ لأن وجود الماء تحتها مثل ما قلتُ ما هو بلازم. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ حينئذٍ عرفت مكانها وعرفت مكانة سليمان. وقوله: (ودعاها إلى الإسلام) ليس في الآية ما يدل عليه، بل إن الظاهر ألجأها ما شاهدته إلى أن تُسْلِم؛ لأنها شاهدت أمورًا؛ منها إتيان عرشها، ومنها: هذا الصرح العظيم الممرد من القوارير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هي ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾. ومنها أيضًا: أن سليمان عليه الصلاة والسلام أخبرها بعظمته وقوته؛ حيث إن هذا صرح ممرد من القوارير وليس ماءً، حينئذٍ اعترفت (فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادة غيرك). وعبادة غير الله من أعظم الظلم، قال الله تعالى عن لقمان لما قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]؛ لأن أعظم الظلم أن تتسلط على من حقه أبين وأوضح، ولا أبين وأوضح من حق الله على العباد؛ لهذا كان الشرك أظلم الظلم. عندما تخاصم إنسانًا وأنت تعرف أن الحق له لا لك تُعَدُّ ظالمًا، عندما يشتبه عليك الأمر بحيث ترجح ثمانين في المئة أنه له وعشرين في المئة أنه لك، يكون هذا الظلم أخف من الأول، عندما يكون خمسين في المئة لك وخمسين في المئة له يكون أخف من الثاني، عندما ترجح ثلاثين في المئة له وسبعون لك يكون أخف، وهكذا. فالمهم أن الظلم يكون أقبح وأشنع بحسب ظهور الحق وبيانه، وأظهر الحقوق وأبينها: عبادة الله سبحانه وتعالى، فيكون أظلم الظلم الإشراك مع الله، أن تشرك مع الله أحدًا؛ ولهذا تقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾. إذن: النفس عندك أمانة يجب عليك أن تسعى لها بما فيه خيرها، فأنت يجب أن تسعى لنفسك بما هو خير لها؛ فإن تجرأت على ما ليس لك فقد ظلمت نفسك، أو فرطت فيما يجب عليك فقد ظلمت نفسك، وإذا كنت لا تستطيع أن تتصرف في بدنك بما تريد فكيف تستطيع أن تتصرف في فعلك بما تريد؟! لو أن إنسانًا قال لشخص: أنا بأعطيك إصبعي، اقطع إصبعي وحطه (...) اللي ناقص باصبعك بيجوز؟ * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز، لو قال: بقلع عيني لك وحطها بعينك اللي ما تشوف يجوز؟ * الطالب: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، إذا كان هذا لا يمكن في جسم مآله إلى الفناء فكيف يكون ذلك في الأفعال التي عليها مدار سعادة العبد؟ فلا يجوز أن تتصرف في أفعالك فيما يعود على نفسك بالضرر، فإن فعلت فأنت ظالم. قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿أَسْلَمْتُ﴾ كائنةً ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ ). أفاد المؤلف بتقدير كائنة أن الظرف في قوله: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ في موضع الحال، يعني: أسلمت حالة كوني مع سليمان، لمن؟ لله رب العالمين، هنا تعتبر مسلمة ولّا لا؟ * طالب: نعم (...). * الشيخ: إي، إذا قال الرجل: أسلمت، لو ما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فقد أسلم، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] فإذا عَبَّر الإنسان عن العمل بما يدل عليه من فعل؛ حُكِم عليه به، ولهذا لو قال قائل لإنسان: حلفت عليك أن تفعل كذا صار يمينًا، لو ما قال: والله، أو حلفت لا أفعل كذا، صار يمينًا وإن لم يقل بالله، لأن هذا هو الفعل. إذا قال: أسلمت صار إسلامًا، وإن لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. * طالب: (...). * الشيخ: يستعمل كثيرًا، إذن نقول: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيها أنها أسلمت إسلامًا كاملًا؛ حيث أقرت بألوهية الله في قولها: ﴿لِلَّهِ﴾، وبربوبية العامة في قولها: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال المؤلف: (وأراد تزوجها فكره شعر ساقيها، فعملت له الشياطين النُّورَة فأزالته) والله الحقيقة أنها مشكلة هذه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) عملت له الشياطين النورة، والنورة تزيل الشعر، ويقال: إن أول من عملت له النُّورَة ساق بلقيس بأمر سليمان حيث إن الشياطين عملتها له، وكل هذا كذب. ويجب أن يُنَزَّه كلام الله عن مثل هذه الأشياء، وموقفنا مع مثل هؤلاء العلماء أن نسأل الله لهم العفو، وأن الله يسامحهم؛ لأن كونهم يضعون في كلام الله مثل هذه الأمور هذا من الأشياء التي يتنقص بها الإنسان كلام الله عز وجل، وأكثر ما وردت هذه كما قال ابن كثير في هذا الموضع عن رجلين وهما: كعب الأحبار ووهب بن منبه، فإنهما أدخلا كثيرًا من الإسرائيليات في كلام الله وغيره مما ينقلون نسأل الله أن يعفو عنهم. قال: (فأزالته فتزوجها وأحبَّها وأقرَّها على ملكها، وكان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام) إقامة المتزوج بالثيب (...). ذكرنا في قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ فائدة الاختبار؛ اختبار الشخص لمعرفته وذكائه مثل هذا اللي حصل. وقوله تعالى: ﴿