×

النمل

الآيات ٢٠–٢١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ﴿٢٠﴾

لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَا۟ذْبَحَنَّهُۥٓ أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ ﴿٢١﴾

قال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل ٢٠] ﴿الطَّيْرَ﴾ (أل) هذه للعهد أو لعموم الجنس؟ أقول: إنها للعهد؛ لأنها تعود على الطير المذكور. ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل ١٧]، وعلى هذا فيكون تفقّده للطير في نفس هذه المسيرة. ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ يقول: (تفقد الطير ليرى الهدهد الذي يرى الماء تحت الأرض، ويدل عليه بنقره فيها لتستخرجه الشياطين لاحتياج سليمان إليه للصلاة فلم يره)، هذا من كيس المؤلف. يقول: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ لأجل يدور الهدهد، الهدهد (...)؟ يرى الماء تحت الأرض، ولو رأى الأنهار تجري تحت الأرض نقر بمنقاره، يعني قال: احرثوا هنا، ثم يأمر الشياطين فتحفر. * طالب: ما الدليل؟ * الشيخ: الدليل أنها (...)، هذا من يقول هذا؟ بل إن تفقده للطير لأنه -كما سلف- كان عليه الصلاة والسلام منظمًا لجنوده، وتفقد أين ذهب؟ ولهذا ما قال: تفقد الهدهد أو الهداهد، بل قال: تفقد الطير كله؛ لأنكم تعرفون أن الطيور تسبح في الهواء، فقد يشذ منها شيء، فهو عليه الصلاة والسلام تفقدها لأجل تكميل التنظيم. ثم إن قولهم أو دعواهم أن الهدهد يرى اللي تحت الأرض، هذا ما هو بصحيح، ادفن حب أنه خلى الهداهد تيجي هنا، تراها ولَّا ما تراها؟ ما تراها بالتأكيد، وهذا شيء إذا لم ترَ الحب القريب كيف ترى المياه البعيدة؟ المهم أن الهدهد مثل غيره ينحجب نور عينيه بالكثافة، ولا يرى شيئًا. ثم إن سليمان عليه الصلاة والسلام ليس بحاجة إلى هذا، بل إن سليمان من هذه الناحية كغيره من البشر، إن وجد ماءً انتفع به، وإن لم يجد فإن الله تعالى ييسر له الماء بأي وسيلة. قال: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام، وهل الغرض منه الاستخبار أو الاستنكار؟ * طالب: الاستخبار. * الشيخ: قيل: الغرض الاستخبار أنه يسأل سؤالًا حقيقيًّا، يقول: أين الهدهد؟ وقيل: إنه استنكار، والظاهر أنه لا وجه له؛ لأن الأصل في الاستفهام الاستخبار. قال بعضهم: وفي الآية قلب، وأن التقدير: ما للهدهد لا أراه، ولكن هذا ليس بصحيح، بل الآية على ترتيبها، فهو يسأل، يقول: ليش أني ما أشوف الهدهد؟ هل هناك مانع منعني من رؤيته أو أنه كان غير موجود؟ ولذلك أضرب عن الأول وقال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، و(أم) هذه منقطعة، و(أم) المنقطعة -كما مر علينا عدة مرات- تكون بمعنى: (بل)، والهمزة يعني: بل أكان من الغائبين؟ وحينئذٍ أضرب عن الكلام الأول، وعرف أنه لا علة في بصره، وإنما العلة غيبة هذا الهدهد. ثم قال عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ فلم أره لغيبته، فلما تحققها قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ [النمل ٢١] تعذيبًا شديدًا. ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: اللام الموطئة للقسم، والقسم قبلها مُقدّر. هذان اثنان، والثالث: النون، ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾. ويقول: ﴿عَذَابًا﴾ قال المؤلف: (تعذيبًا)، إشارة إلى أن عذابًا اسم مصدر؛ لأن عذَّب مصدرها (تعذيبًا)، واسم المصدر منها (عذابًا)، نظيرها: كلَّم مصدرها (تكليمًا)، واسم المصدر منها (كلامًا). سلَّم (تسليمًا)، واسم المصدر (سلامًا). لأعذبنه تعذيبًا شديدًا، ما هو الشديد على رأي المؤلف؟ بنتف ريشه وذنَبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام، هذا شيء عجيب، تقدير هذا التعذيب بهذا الشيء على أي دليل؟ ولهذا بعضهم قال: إن هذا التعذيب الشديد اللي قاله المؤلف، هذا النتف، ويخلى بالشمس مسكين ما عنده ريش ولا شيء. بعضهم يقول: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أحبسه مع شيء ليس من جنسه، أحط الهدهد مع العصافير، يقولون: من أشد العذاب على الحيوان أن يحشر في غير جنسه، لو يُحطّ الآدمي مع الجن يتعذب، أو الجن مع الآدمي يتعذّبون، ولكن هذا أيضًا ما هو بصحيح؛ لأننا نشاهد الآن أن أشياء تُجعل مع أجناسها ولا تتعذَّب، واحد عنده مواشي بقر وغنم وإبل والغنم ضأن ومعز، مين بيسوي ذلك بحوش واحد ولا تتعذب؟ فالصواب: أن هذا التعذيب الذي قاله سليمان غير معلوم لنا، إنما هو عذاب شديد، والله تبارك وتعالى لم يبيّنه، ولكن يكفي أن نعرف أنه شديد، هذا واحد. ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ لأذبحن هذه للتنويع؛ يعني إما هذا أو هذا. وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يقول: بقطع حلقومه، هذا صحيح، يعني (...) للذبح إما بقطع الحلقوم والمريء؛ يعني من عند الرقبة. الثالث: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بنون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة، ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ هذه واحدة. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي﴾ ، شوف بنون مشددة مكسورة: (يَأْتِيَنِّي)، أو مفتوحة ويش المفتوحة؟ * طالب: بنون أن يأتي. * الشيخ: بنون، لا، نون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة. * طالب: والياء. * الشيخ: إي، (يَأْتِيَنَّنِي)، هذه القراءة الثانية. ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾، ﴿لَيَأْتِيَنَّنِي﴾ . ويش الفرق بينهما؟ * طالب: الإتمام. * الشيخ: إي، فيها نون وقاية، إما تُحذف أو توجد، وإلا نون التوكيد موجودة، نون التوكيد هي مشددة، لكنها إن حُذفت للوقاية كُسِرت نون التوكيد (يأتينِّي)، وإن لم تُحذف: (يأتينَّني)، فإنها تبقى مفتوحة. هذا أمر ثالث، فتوعده سليمان بواحد من أمرين إلا إذا أتى بشيء، ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ببرهان بيِّن ظاهر على عذره. (سلطان) كلمة سلطان ترد كثيرًا في القرآن، ومعناها العام: هي السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا معناها العام، السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا السلطان، فتارة يكون المراد به الدليل، ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦]، وتارة يُراد به القدرة: ﴿لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، وتارة يُراد به البينة مثل هذا. قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ يعني ببينة على عذره، والمعنى العام للسلطان ويش قلنا؟ السلطة التي يتمكن بها الإنسان أو صاحبها من الوصول إلى غرضه، سواء كان ذلك دفاعًا عن نفسه أو إثباتًا لأمر. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ فسّرها المؤلف ببيّن، ولا تصلح بمعنى (مُظهِر)، يعني ما تصلح متعدية؛ لأن المؤلف الآن فسرها بأنها لازمة، تصلح أيضًا متعدية، يعني بسلطان مُظهِر لعذره، ونحن إذا فسّرناها بهذا نكون أخذنا بالتفسير الذي فسر به المؤلف وزيادة. ﴿فَمَكَثَ﴾ بضم الكاف وفتحها؛ مكَث ومكُث، والفاعل مَنْ؟ الهدهد، ويحتمل أن يكون الفاعل سليمان؛ يعني: بقي غير بعيد؛ أي: يسيرًا من الزمان وحضر لسليمان. قوله: (وحضر لسليمان) ويش الدليل عليه؟ * طالب: بحضرته. * الشيخ: لأنه قال: إنه غائب في الأول: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، والغائب ما يُخاطب إلا إذا حضر، ولكن قول المؤلف: متواضعًا برفع رأسه وإرخاء ذنبه وجناحيه، هذا من الأمور اللي ما ندري عنها. * طالب: الظاهر المؤلف كان معه! * الشيخ: إي، كأنه معه؛ يعني الهدهد جاء ووقف، ورفع رأسه، ونزَّل ذنبه وجناحيه. * طالب: لا، هذا استنباط من الطيور المشاهدة. * طالب آخر: فيها تقدير يا شيخ في المعنى. * الشيخ: بس ما يمكن أن نقول هذا أبدًا، ما يمكن نصف كيف جاء، إنما يكفينا أن نقول ما قال الله تعالى في القرآن، ونحن ذكرنا قبل قاعدة: كل ما سبق فإنه لا طريق لنا إلا العلم به إلا من طريق الوحي: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] ما من طريق إلا الوحي؛ إما في القرآن أو في السنة الصحيحة. ﴿