تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿٥٨﴾
كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿٥٩﴾
فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ﴿٦٠﴾
فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١﴾
قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ ﴿٦٢﴾
وَكُنوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ المقام يقول: (المجلس)، ويمكن أن يكون المراد به محل الإقامة؛ يعني المراد بالمقام المسكن فهو أعم من أن يكون المجلس، المسكن.
والكريم: الحسن؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٧١)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] يعني أحاسنها، فصار هؤلاء ممتعين من كل وجه، مقام كريم فيه أمن وطمأنينة وراحة وحسن باللون والكيفية، كذلك أيضًا من حيث الأموال الوفيرة التي توافرت لهم حتى صاروا يكنزونها لاستغنائهم عنها.
يقول الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي إخراجنا كما وصفنا ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يعني إن ﴿كَذَلِكَ﴾ تكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ يعني إخراجنا لهم كان كذلك، أو يكون التقدير: الأمر كذلك. المهم أن ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، فهي جملة مستقلة عما قبلها وعما بعدها.
ثم قال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ يعني هذه الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم أورثناها (﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بعد إغراق فرعون وقومه) فصارت لهم.
وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، ومعناه عبد الله، وإنما نُسبوا إليه؛ لأن بني إسرائيل تفرعوا منه.
وقوله: ﴿أَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فيها من الإشكال أن النبي ﷺ يقول: «أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر.]]. وهنا أورث الله ديار فرعون وقومه وأموالهم أورثها بني إسرائيل، فهل هذا ينافي الحديث أو لا؟ أنتم فهمون المقصود؟
* طالب: ما ينافي الحديث.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: لأن هذا الله سبحانه وتعالى هو الذي ملكهم إياها، أما هناك فالرسول محمد ﷺ ملكه إياه ولكن بوحي من الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: الرسول يقول: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ الْمُعْطِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ١٠٠) من حديث معاوية.]]. إي لكن (...).
* طالب: (...)؛ لأن الغنيمة هي ما أخذ من الكفار بعد القتال في ديار الحرب، أما هؤلاء فإن الله سبحانه وتعالى أباح قتل فرعون في البحر (...) بدون حرب.
* الشيخ: صحيح، الغنيمة هي ما أُخذ من مال الكفار بقتال وما أُلحق به. هذا تعريفها شرعًا، وهذا ما أُخذ بقتال، هؤلاء هلكوا بقيت ديارهم لمن؟ لبني إسرائيل حتى لو لم يسكنها بنو إسرائيل لسكنها آخرون غيرهم، فالمسألة هذه ما غنموها بأيديهم، ولكنه من الله عز وجل لهلاك هؤلاء؛ يعني كان الأمر أنهم لما هلكوا صارت إرثًا لبني إسرائيل إرثًا قدريًّا؛ لأنه لا بد أن يكون كذلك.
* طالب: فيه جواب آخر أن يقال كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] فهذا شيء كتبه الله سبحانه وتعالى من بدء الخليقة أن الأرض للمؤمنين، فهذه هي القرينة التي تخرج على الغنائم، فلا تحل الغنيمة.
* الشيخ: لا، هو الآن ما هي أرض فقط جنات وعيون وكنوز ومقام كريم، المسألة حتى الكنوز هذه مما ينقل.
* طالب: طيب هم كانوا ساكنين معهم.
* الشيخ: من؟
* الطالب: بنو إسرائيل.
* الشيخ: ساكنين في جانب من جانب مصر، جانب المدينة لكن الآن أخذوا كنوز فرعون وآل فرعون.
المهم الجواب الصحيح هو الأول أن يقال: إن الغنيمة هي ما أُخذ بقتال وما أُلحق به، وما عدا ذلك لا يسمى غنيمة شرعًا.
* طالب: بنو إسرائيل خرجوا كلهم من مصر؟
* الشيخ: إي نعم، هو الظاهر أنهم خرجوا مع موسى كلهم ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه ٧٧] هذا عام.
* الطالب: بعد ذلك عادوا؟
* الشيخ: بعد ذلك عادوا، رجعوا إلى مصر وصاروا فيها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا بعد هذا.
* الطالب: بعده؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قد يقول قائل: إن موسى هرب من فرعون، وقطع البحر، ولم يتقاتل مع فرعون، وإنما هؤلاء أُهلكوا من الله سبحانه وتعالى، ما هناك حرب بين موسى وفرعون (...)، ما فيه غنيمة، ولا فيه، أقصد بذلك (...) أن ديار فرعون خربت وخرج فرعون من هذه الديار، وتقابل مع موسى عند البحر فما غنم في هذا المكان فهو الذي لا يحل لموسى، أما (...) فليست غنيمة.
* الشيخ: بس ما صار فيهم قتال إطلاقًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما صار فيه قتال.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لكن إحنا نقول: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ظاهرها مشكل مع قوله: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر.]]. إحنا نقول: أصلًا ما فيه غنيمة هنا، يعني كونه أنه يقول: هذه من الغنائم؛ ما هو بصحيح، ليست غنيمة لكن قد يقول قائل: يعني يتبادر إلى ذهن أحد عندما يقرأ الآية هذه لأول وهلة يقول: هذه كيف يورثها الله بني إسرائيل، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْغَنَائِمَ لَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي». فجوابها أن نقول: هذه ليست من باب الغنائم.
* طالب: بنو إسرائيل الذين آمنوا مع موسى هؤلاء ماذا لو قلنا: إن (...) عبد الله بن إسحاق فهل يلزم يعني موسى عليه السلام أدرك يعني إبراهيم عليه السلام؟
* الشيخ: لا مدة طويلة، الذرية يعني.
* الطالب: هو النبي الذي أتي بعد إبراهيم مباشرة أو بينهما يوسف.
* الشيخ: إسحاق ويعقوب، وجاء بعد يوسف جاء إلى أهل مصر يوسف بن يعقوب، جاء إلى أهل مصر رسول؛ ولهذا المؤمن قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر ٣٤].
المهم صار نقول: الجواب على هذا: أن هذا التوريث ليس من باب الغنيمة؛ لأن الغنيمة ما أخذ من كفار بقتال وما ألحق به.
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ [الشعراء ٥٩، ٦٠] (لحقوهم ﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقت شروق الشمس). الواو في قوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ يعود إلى فرعون، والهاء إلى بني إسرائيل، وعلى هذا فقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من حيث المعنى جملة معترضة؛ لأن توريث بني إسرائيل كان بعد أن غرق فرعون وقومه، مفهوم؟
وفي ذكر ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مناسبة تقديمها في الترتيب على ما بعدها؛ لأنه لما قال: ﴿أَخْرَجْنَاهُمْ﴾ كأن قائلًا يقول: من الذي حل محلهم؟
فقال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فلمناسبة الإخراج قدمت وإلا كان مقتضى الترتيب أن تكون بعد ذكر إهلاك فرعون وقومه.
(﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ لحقوهم) يقال: تبعه، واتبعه، وأتبعه بمعنى واحد. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف ١٧٥]، أتبع يعني تبعه أو اتبعه، كل الثلاثة معناهم واحد ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ يعني أتبعوهم أو تبيعوهم؛ بمعنى لحقوهم.
(﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقت شروق الشمس) وإلى جهة المشرق أيضًا مثل ما نقول: إحنا نشرِّق؛ يعني نحو المشرق فهم في الحقيقة مشرقون إما كما قال المؤلف: وقت شروق الشمس، أو متجهين نحو المشرق، وكلا المعنيين صحيح؛ فمُشْرق متجهين نحو المشرق باعتبار المكان، ومشرق وقت الشروق باعتبار الزمان، والعادة أن الخروج أول النهار أنشط للناس وأولى، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يخرج مبكرًا ولكنه يبقى حتى تفيء الأفياء، وتزول الشمس وتهب الرياح ﴿أَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.
* طالب: ربما يقول قائل: لماذا موسى ومن معه خرجوا بالليل وفرعون ما خرج بعدهم إلا بعد شروق الشمس؟
* الشيخ: هذا كثير الجواب عليها، ويش تقولون؟
* طلبة: ما علم بهم؟
* الشيخ: لا، هو ما علم إلا بعد مدة؛ لأنه أرسل في المدائن حاشرين، وجمع الناس وخرج، لكن أنت بأيش تجيب أن هذا خرج ليلًا وهذا خرج نهارًا؟
* الطالب: أقول: لأن النهار هو الذي سيبينه، أما لو خرجوا ليلًا فربما يختبئون في مكان.
* الشيخ: قلنا: لماذا خرج موسى وقومه ليلًا؟
* طلبة: للاختفاء.
* الشيخ: للاختفاء خوفًا على أنفسهم من فرعون، خرجوا بالليل، أما هذا ما خرج خائفًا حتى ينتظر ويكون الليل خرج معلنًا بأنه ظاهر منتصر في نفسه.
(﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء ٦١] أي رأى كل منهما الآخر) والمراد بهما جمع موسى وجمع فرعون.
(﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ يدركنا جمع فرعون فلا طاقة لنا به).
﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أكدوا الإدراك بـ(إن) و(اللام)؛ يعني مدركون يقينًا، كيف ذلك؟ لأن البحر أمامهم وآل فرعون خلفهم، فلا بد أن يدركوهم، أين يذهبون؟ ليس أمامهم إلا البحر إن خاضوا البحر غرقوا وهم لن يخوضوه بحسب اعتقادهم، تلك الساعة؛ لأنهم ما يعلمون بالأمر، فهم لن يخوضوا البحر، فما بقي إلا أن يدركهم آل فرعون؛ ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَمدْرَكُونَ﴾ بالجملة الاسمية المؤكدة بـ(إن) و(اللام)، ولكن موسى أجابهم بقوله: (﴿كَلَّا﴾ أي لن يدركونا) قال ذلك إيمانًا بالله تعالى وثقة بوعده، وأنه سبحانه وتعالى ما أمرهم بالخروج إلا ليحميهم من فرعون وآله.
(﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بنصره ﴿سَيَهْدِينِ﴾ طريق النجاة قال الله تعالى إلى آخره).
أولًا: ما قال: كلا إني سأُهدى بل قدم معية الله؛ لأنها أقوى في تثبيت قومه ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وكل إنسان يكون الله معه فلن يضره شيء.
ثم قال أيضًا مؤكدًا أثر هذه المعية ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والسين تدل على التحقيق والقرب.
ومعنى يهدين هنا يدلني ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أي: سيدلني على طريق أنجو به.
وهل كان موسى عالِمًا بهذه الطريق حين ذاك؟
* طالب: لا، لم يكن يعلم.
* الشيخ: لم يعلم، لكنه واثق بالنجاة؛ ولهذا أتى بالسين الدالة على التحقيق وعلى القرب أيضًا؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فهؤلاء أكدوا أنهم مدركون يقابلون بالتأكيد أنهم لن يدركوا، وتأكيد ذلك أولًا بذكر معية الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾، وتأكيده ثانيًا بقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ لأن السين -كما هو معروف عند أهل النحو- تدل على التحقيق والقرب.
﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وفعلًا حصل ما تيقنه موسى عليه الصلاة والسلام من أن الله تعالى سيهديه طريق النجاة ﴿فَأَوْحَيْنَا﴾ إليه.
* طالب: قول المؤلف هنا بنصره يعني ما يوهم أن هذا فيه (...) تأويل للصفات يعني (...) مَعِيَّته.
* الشيخ: هو المراد بالمعية هنا المعية الخاصة التي تقتضي النصر والتأييد، فإن قصد بنصره أنه تفسير للمعية للمعنى الذاتي فهذا ليس بصحيح، وإن أراد بنصره أنه أثر لذلك فهذا صحيح، فالمؤلف ما يُعترض عليه؛ لأنه فيه احتمال أن يقول: معي بنصره؛ بمعنى أن هذه المعية سيكون أثرها النصر.
﴿