تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ ﴿٤٦﴾
قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٤٧﴾
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ﴿٤٨﴾
قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٤٩﴾
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء ٤٦ - ٤٨].
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ ولم يقل: (فسجد السحرة) كأن هذا السجود أمر اضطراري؛ لقوة ما دفعهم إليه؛ يعني لا كأنه أمر اختياري لكن لقوة الدافع صار كأنهم أُلقوا إلقاءً بدون اختيارهم.
﴿أُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ و﴿السَّحَرَةُ﴾ (أل) للعموم؛ يعني جميع السحرة مع مهارتهم ومعرفتهم أُلقوا ساجدين، ساجدين لمن؟ لله؛ بدليل قولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، وليسوا ساجدين تعظيمًا لعصا موسى، لا؛ لأن تصريحهم بالإيمان دليل على أنهم ساجدون لله سبحانه وتعالى.
﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ هذا البدل من أحسن ما يكون بعد العموم. ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن موسى كان يقول: إنه رسول رب العالمين، فقالوا: آمنا برب العالمين، وكان فرعون أيضًا يقول: إنه رب العالمين، فأخرجوا ربوبية فرعون بقولهم: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾؛ لأن فرعون، وإن كان يدعي أنه رب العالمين لكنه ليس رب موسى وهارون؛ لأن موسى وهارون منكرانِ ربوبيته؛ فلذلك كان هذا البدل من أحسن ما يكون في بيان المراد برب العالمين.
وإتيانهم ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دون أن يأتوا مباشرة برب موسى وهارون؛ إشارة إلى أنهم آمنوا برسالة موسى؛ لأن موسى قال: أنا رسول رب العالمين، ما قال: أنا رسول ربي. قال: رب العالمين. هذا هو فائدة البدل في قوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
والترتيب هنا بين موسى وهارون ترتيب يُطابِق الواقع، فإن مرتبة موسى أعلى من مرتبة هارون؛ لأن موسى من أُولي العزم ولكن الترتيب اختلف في سورة طه: ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] من أجل مراعاة الفواصل، وفي هذا دليل على أن القرآن الكريم، وكل كلام فصيح قد تُراعى فيه الفواصل والنغمات لكن في الأمر المعلوم، فهنا من المعلوم أن موسى أفضل، وترتيبه في الذِّكر لا أحد يتوهم أن هارون أعلى منه مرتبة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن التقديم له مزيته، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]].
(﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر) فلما آمنوا هذا الإيمان، وأعلنوه إعلانًا غير مبالين بما ينتج وراء ذلك؛ لأن الإيمان الصادق يقضي على كل عاطفة، فعاطفة حب النفس أمر جبلي فطري، لكن الإيمان يقضي عليها؛ ولهذا الإنسان يعرض نفسه للهلاك حينما يخرج مجاهدًا في سبيل الله، وهو يعرف أن سيوف القوم قد تبتر رقبته، لكنه لا يُبالي كذلك أيضًا الإنسان ينسى العاطفة بينه وبين أقاربه حتى إن الرجل ليقتل أباه إذا كان من الكفار.
فهنا قالوا مُعلنين هذا الإعلان غير مُبالين بما ينتج، وفي ظني أنهم سيعلمون أنه سينتج عن ذلك أمر عظيم؛ لأن فرعون جاء بهم سلاحًا له، فإذا خانوه في هذا المجتمع العظيم وهو يوم الزينة فالعقوبة أكبر إلا أنهم غير مبالين بهذا لما أشرنا إليه قبل.
قال: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ﴾ [الشعراء ٤٩] هذا قول فرعون: ﴿﴿قَالَ أَأَمَنْتُمْ﴾ ﴾ وكلمة ﴿قَالَ﴾ أتت بالفصل ولَّا بالوصل؟ موصولة ولَّا مفصولة مع الأولى؟
هي مفصولة؛ لأن الوصل هو العطف بالواو وما عدا ذلك فهو فصل، فهي مفصولة لكن تدل على وقوع هذا الشيء مباشرة كأنه جواب على فعلهم؛ يعني فماذا كان الأمر؟
(﴿﴿قَالَ أَأَمَنْتُمْ﴾ ﴾ بتحقيق الهمزتين -﴿﴿أَأَمَنْتُمْ﴾ ﴾- وإبدال الثانية ألفًا -﴿آمَنْتُمْ﴾ - ﴿﴿لَهُ﴾ ﴾) .
(﴿﴿قَالَ أَأَمَنْتُمْ لَهُ﴾ ﴾ لموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ﴾ أنا ﴿لَكُمْ﴾ ) هذا أمر لا يكون عادة من هؤلاء ولا من غيرهم؛ أن يؤمن أحد لعدو فرعون بدون إذنه.
وفي قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ إشارة إلى أن الرجل قد سيطر عليهم سيطرة كاملة، وأنهم لا يتصرفون بشيء إلا بإذنه.
﴿إِنَّهُ﴾ والاستفهام في قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ للإنكار والتوبيخ.
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْر﴾ شوف التمويه قال: غريب يعني، وهذا في الحقيقة مظهر ضعف منه، كيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر وهم قد حُشِروا من المدائن؟ حتى وليسوا مع موسى في مدينته؟ فيقال: إنه علمهم، بل هم في مدائن متباعدة.
وكيف يمكن أن يقال: إنه كبيرهم الذي علمهم السحر وهم قد وضعوا حبالهم وعصيهم ليقضوا عليه؟ لأن من علمهم السحر فإنهم لا بد أن يخافوا منه.
وكيف يقال: إنه علمهم السحر وهم قد تعزوا بعزة فرعون ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء ٤٤]، وهم يعلمون أن فرعون خصم لموسى؟ لكن هذا من باب التمويه على قومه، وقومه كما قال الله فيهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف ٥٤] يعني عقولهم بالنسبة لفرعون لا شيء، خفيفو العقول والتفكير ما يعرفون شيئًا سوى فرعون أنه إلههم.
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [الشعراء ٤٩] وقلنا: إن هذا باطل من الأوجه الثلاثة أو الأربعة التي ذكرناها، وأنه لا يمكن، لكن هذا مظهر ضعف من فرعون بلا شك؛ يعني كأنه يقول الآن: أنتم اجتمعتم عليَّ، وتحاشمتم علي، أنتم ومعلمكم، ثم لجأ إلى التهديد كعادته فقال: (﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينالكم مني) ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء ٤٩].
قوله: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. هذا تهديد بأمر مبهم ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وقد ذكرنا أن الإجمال، ثم التفصيل من فوائده: تشوق المخاطب إلى تبيين هذا المجمل، وإذا كان وعيدًا فإنه يتشوق ذلك لكنه يكون خائفًا جدًّا؛ لأنه لا يدري ما هذا المبهم الذي وعد به. بيَّنه بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ واللام واقعة في جواب القسم بدليل أنه مؤكد ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾.
وقوله: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ جمع (يد) و(رجل). و﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني متخالفة، إذا قطع اليد اليمنى قطع الرجل اليسرى، وإذا قطع اليد اليسرى قطع الرجل اليمنى، وليس معنى ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ إني أخالف بينكم، فمنكم من أقطع يديه ومنكم من أقطع رجليه، بل هذا واقع على محل واحد، الخلاف في محل واحد يعني كل واحد منكم أقطع يده ورجله متخالفتين، وهذا في شريعتنا حد قُطَّاع الطريق؛ يعني أحد ما يحد به قطاع الطريق هو هذه أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني بعد أن أفعل هذا أصلبنكم أجمعين، يعني كما قال في آية أخرى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه ٧١]، وهو يشير إلى أن في مصر نخلًا، هو وَعَدَهُم بذلك.
والصلب الربط، وهل يُشترط أن يكون المصلوب ممدود اليد أو لا؟ ليس بشرط. المهم أن يُربط ربطًا محكمًا على خشبة الصليب.
* طالب: بعد الموت أو قبله؟
* الشيخ: لا، قبل الموت؛ لأنه قال: أُقَطِّع ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [الشعراء ٤٩] فهم..
* طالب: الصلب في آية قُطَّاع الطريق.
* الشيخ: الصلب في آية قُطَّاع الطريق اختلف فيه العلماء: هل يكون قبل الموت أو بعده؟
فالمشهور من مذهبنا: أنه بعد الموت، ولكن الصحيح أنه قبل، أنهم يصلبون قبل؛ لأنهم إذا صُلِّبوا قبل نالوا الألمين؛ الحسي والنفسي أو القلبي، لكن إذا صُلبوا بعد الموت هم ما ينالون شيئًا أبدًا، ثم إن في تصليبهم بعد الموت مثل ما يقولون العوام: (...) لا فائدة منه؛ ولهذا لما قيل لأسماء بنت أبي بكر رضى الله عنه وعنها: إن الحجاج فعل كذا وكذا بعبد الله بن الزبير بعد موته، فقالت رضي الله عنها: وما يضر الشاة سلخ جلدها بعد موتها؟ لأن هذا الشيء ما يؤثر.
كان جوابهم: ﴿