تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿٣٥﴾
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ والملأ ما قالوا: بسحره، أما هو فقال: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ لأجل أن يشدهم على طلب السحرة الذين يقابلون (...) فرعون في سورة الأعراف ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف ١٠٩، ١١٠] ولم يقولوا: بسحره، والفرق هو أن فرعون أراد أن يشدهم وأن يغريهم بما يقابلون به موسى عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ليس المراد بالأمر هنا هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء؛ لأن فرعون لن يخضع لقومه حتى يطلب منهم أمرًا، ولكن المراد بالأمر المشورة؛ يعني: فبماذا تشيرون عليَّ؟ وسمِّي المشير آمرًا لأنه مُوَجِّه فإن من استشاره لا شك أنه يطلب توجيه فيكون مشورته بالأمر أمرًا به.
* طالب: لو خضع (...) جبروته.
* الشيخ: الاستشارة هنا لمصلحته؛ لأنه يريد أن يختبرهم ماذا يكون عندهم، ويريد أيضًا: أن يُبَيِّنَ أن لهم وَزْنًا لأجل أن يتشجعوا على هذا الأمر (...).
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص ٣٢] لكن هذه ما هو بـ (اضمم) إليك جناحك من الرهب، هذه: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل ١٢] لأنه والله أعلم أن الجيب في مقدم الجسم ولا يمكن لو أنه ألقاها خلف ظهره ثم أخرجها، فقد يقول قائل: إنه عمل فيها عملًا لم نشاهده لكن هذا أمامهم وظهر.
وكنت أتصور بالأول أنه لما كانت العادة أن اليد إذا أدخلت وتغيبت عن الشمس والهواء ابيَضَّتْ، الجلد كله الآن المستور من الإنسان أبيض والبارز للشمس والهواء أسمر فلعله -كنت أتصور ذلك- لعله لما كان إدخالها يتغير بهذه السرعة وهذا خلاف العادة، فالعادة ما تتغير إلا بعد مدة طويلة وأنها بهذه السرعة يدل على أنه ليس أمرًا عاديًّا، بل هو أمر خلاف العادة وهذا من آيات الله.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، اجمع بينهما.
* طالب: أولُ مَنْ قال فرعونُ وتبعه أناس.
* الشيخ: وافقوه على ذلك.
* الطالب: (...) من قولهم..
* الشيخ: (...) من قولهم موافقة، ولَّا أول من قاله فرعون، لكن تعرفون الكبير -كبير القوم- إذا قال شيئًا، قالوا: صحيح هذا ساحر، الآن كبير القوم إذا قال: (...)، لَجّ اللي عنده (...)، فهذا مثله هذا لما قال قالوا مثله فوافقوه.
* طالب: تعقيب الآيات -يا شيخ- يدل على أنه من قولهم.
* الشيخ: لولا هذا يعني لو جاءت آية واحدة لقلنا: من قولهم، لكن ما دام جاءت آيتين ولا يمكن أيضًا لهم يتكلموا بين يديه؛ لأنه قد أرعبهم، فهو قال، ثم قال، واضح؟
* طالب: (...) لكن أسند القول إليه من باب (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه قال: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ صريح واضح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، موافقة في الحقيقة؛ لأنك تقول: قال الإمام أحمد: كذا وكذا، وقال شيخ الإسلام بمثله، وقال ابن القيم بمثله، هذا في القول، فالموافقة للإنسان قول، هذا أقرب طريق للجمع بين الآيات، ويش نقول؟ هم يقينًا أنهم ما هم متكلمين قبل أن يتكلم فإذا تكلم هو قال الملأ من قوم فرعون.
وهذا ما يدلنا على أن القرآن نقل الترجمة بالمعنى؛ يعني: نَقَل الله تعالى كلام هؤلاء بالمعنى، ما هو باللفظ؛ لأنه لو كان بنفسه ما تَغَيَّر في قضية واحدة.