تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٢٣﴾
(﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لموسى ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الذي قلت: إنك رسوله؛ أيْ: أيُّ شيء هو؟ ولما لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته تعالى، وإنما يعرفونه بصفاته، أجابه موسى ببعضها) ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الكلام الذي قاله المؤلف في تفسير الجملة بعيد من الصواب كل البعد، ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ من المعروف أن (ما) يستفهم بها عن الحقيقة، فتقول: ما الذهب؟ يُقال مثلًا: هو معدن نفيس إلى آخره، تقول مثلًا: ما العلم؟ تقول: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، فـ(ما) يُستفهم بها في الأصل عن الحقيقة.
ويدعي المؤلف أن فرعون استفهم عن ذلك عن الحقيقة، ولكنه ليس كذلك، فرعون استفهم عن هذه الربوبية؛ لأنه قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فما هذه الربوبية التي زعمت أن الله تعالى أرسلك وهو رب العالمين؟ لأننا لو قلنا: بأنه يستفهم عن حقيقة الله سبحانه وتعالى للزم من ذلك أن يكون قد أقر به، ولكنه يسأل عن حقيقته، وهو لم يقر به حتى يسأل عن الحقيقة، عن حقيقة هذا الرب، وإنما ينكر الرب أصلًا.
فالاستفهام للإنكار؛ أي شيء هو رب العالمين الذي زعمت أنه أرسلك؟ يعني ليس هناك رب، فالتفسير الذي ذهب إليه المؤلف بناء على ما هو معروف، من أن (ما) -وهو عند المناطقة أيضًا، ما هو معروف في اللغة العربية، عند أهل المنطق- أن (ما) يُستفهم بها عن كنه الشيء وحقيقته، فقال: إن فرعون يستفهم عن كنه الخالق سبحانه وتعالى وحقيقته، ولكن موسى لما لم يمكن أن يجيب عن ذلك عدل إلى بيان صفة من صفاته، فيكون الجواب من موسى غير مطابق للسؤال، ويُسمى هذا بأسلوب الحكيم أن يُجاب السائل بغير ما يتوقع، ولكن ما قاله وما ذهب إليه ليس بصحيح، كما أنكره ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره، وقال: إن هذا معناه إقرار فرعون بالله، لكن يسأل عن حقيقة هذا الإله، والصواب أن موسى عليه الصلاة والسلام أجابه بجواب مطابق للسؤال، وأن فرعون يسأل عن هذه الربوبية التي زعم موسى أنه مرسل من رب العالمين ﴿مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي شيء رب العالمين الذي أرسلك؟ ليس معناه: من أي شيء هو مادته، لا.
الجواب: (﴿