×

الشعراء

الآيات ١٣٨–١٣٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿١٣٨﴾

فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٣٩﴾

وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين. وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح. ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله. وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...). * طالب: إي، يغنون (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩].. * الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا. * طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا. * الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما هو بلازم. * طالب: (...) ما فيه التخفيف. * الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس. * طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]. * الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩]. * طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل. * الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم. * طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم.. * الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا. * طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾. * الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧]. * الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد. * طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟ * الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة. * طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟ * الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم. * طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا. * الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا. * طالب: (...). * الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان. * طالب: (...) قريبًا. * الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة. * * * * الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨)