تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ ﴿١٣٦﴾
قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿