تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٣١﴾
وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ ﴿١٣٢﴾
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿