تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿١٣٠﴾
وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء ١٣٠]، والآن قِسْ هذه الأشياء على وقتنا الحاضر تجدها منطبقة تمامًا، فأمس تكلمنا على مَن يتخذون من هذه القوة آية للفخر والعبث، ثم هذه المصانع أيضًا التي يتخذونها مصانع القنابل الذرية والنووية وغيرها لأجل أن يخلدوا؛ حتى لا يتسلَّط عليهم أحدٌ، وحتى تكون لهم السيطرة في هذه المصانع.
نأتي للوصف الثالث موجود في هذا الوقت ولَّا لا؟ ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾؛ يعني: أنكم تبطشون ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، وإنما قلت: أنكم تبطشون؛ لأن (إِذَا) تفيد تحقق وقوع الشرط بخلاف (إِنْ)؛ فإنَّ كلمة (إنْ): إنْ قام زيد فقُمْ، ما تدل على تحقُّق وُقوعِ الشرط، لكن إذا قلت: إذا قام زيد فقُمْ، هذه معناه كأنه سيقوم، ولكن ليكن وقت قيامك وقت قيامه.
هنا يقول: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾؛ يعني: وأنتم تبطشون، ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ قال: (بضربٍ أو قتلٍ، ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ من غير رأفةٍ) هذا الوصف الثالث -والعياذ بالله- العدوان، والذي حملهم على هذا العدوان الإنسان بشرٌ، لما رأوا أنفسهم أقوياء في البناء والصناعة قالوا: ليس أحدٌ فوقنا، فبطشوا -والعياذ بالله- بدون رأفة؛ لأن الإنسان بطبيعته كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢].
(﴿فَاتَّقُوا اللَّه﴾ في ذلك ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ) هذا كرَّره تأكيدًا، أو تأسيسًا إذا كان يعود على ما بعد قوله في الأول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾؛ إن كان يعود على ما بعد ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فهو تأسيس، وإذا كان لا يعود عليه وأنه قال ذلك إبلاغًا للرسالة فإنه يكون مع الأول تأكيدًا، وفي الحقيقة أن المقام يقتضي التأكيد، وأن المقام أيضًا في الأمور الثلاثة التي وبَّخهم عليها، أيضًا يقتضي أن يُخَصَّ بزيادة العناية في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.