تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ ﴿١٣﴾
وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿١٤﴾
قَالَ كَلَّا ۖ فَٱذْهَبَا بِـَٔايَـٰتِنَآ ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ﴿١٥﴾
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه.
وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان.
* طالب: لا شك.
* الشيخ: لا شك.
* طالب: (...).
* الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: تستلزم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط.
(...).
واستصحاب الدليل؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع، وهو قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن فرعون منهم.
وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟
من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤].
* طالب: ها دول قوم فرعون.
* الشيخ: لا، فرعون معهم.
* الطالب: فرعون وقومه (...).
* الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢].
* طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...).
* الشيخ: نعم الدليل عقلي.
* طالب: شرعي؛ يعني ما فيه.
* الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟
* الطالب: إلا بالقياس (...).
* الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة.
* طالب: انقطع عن المعارضة.
* الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن.
* طالب: (...) دليلًا.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على (...).
* الشيخ: عجز عن المعارضة.
* الطالب: نعم اعترف (...).
* الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز.
* طالب: (...) أقر.
* الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر.
* طالب: بهت.
* الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟
* الطالب: انقطع (...).
* الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ.
* طالب: لا، بقلبه.
* الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)