تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوٰةً وَلَا نُشُورًا ﴿٣﴾
(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
* طالب: (...) ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان ٣].
(﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله)، أمَّا الضمير الأول: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ مَن هم؟
* طالب: الكفار.
* الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، مين اللي ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] يقول المؤلف: (﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ما يستطيعون أن يستنقذوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
* طالب: إي نعم، (جَرَّه).
* الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي: بعثًا للأموات).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ بالنسبة لقوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؟
عَطْفها على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿مَوْتًا﴾ و﴿حَيَاةً﴾ و﴿نُشُورًا﴾، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾.
* وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦].
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمَّد ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
* طلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ ﴿