×
الفرقانالآية ٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًا ﴿٢﴾

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ طيب، هذا الْمُلْك مُلك أعيانٍ فقط أو مُلك أعيانٍ وتصرُّف؟ مُلك أعيانٍ وتصرُّف، ليش؟ لأنَّ الْمُلْك قد يكون ملْكًا للعين دون التصرُّف فيها، وقد يكون ملْكًا للتصرُّف دون العين؛ يعني قد يملك الإنسانُ التصرُّفَ في العين دون ذاتها، أو يملك عين الشيء دون التصرُّف فيه. المالك للشيء الذي لم يتعلَّق به حقُّ أحدٍ هذا مالكٌ للعين والتصرُّف فيها. والموقوف عليه مالكٌ للعين لكن لا يملك التصرف فيها التصرف المطْلق؛ لا يبيع، ولا يَهَب، ولا تورث عنه. المستأجر مالكٌ للمنفعة، للتصرُّف في المنفعة فقط دون العين. أمَّا الله عز وجل فإنَّ له مُلك السماوات والأرض أعيانهما والتصرف فيهما. طيب، ما ذكر مُلك مَن فيهما ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم؛ لأنَّ السماوات والأرض يدخل فيها كلُّ مَن فيها؛ لأنَّ مَن في السماوات والأرض هم من السماوات والأرض، أصلهم من السماوات والأرض؛ فالإنسان خُلِق من طين، والحيوانات الأخرى فيما يبدو والله أعلم -وإنْ كنَّا لا ندري عنها شيئًا- أنها خُلِقت من الأرض، لكنَّنا ما نعلم عنها شيئًا؛ لأن المهِمَّ أنْ نعرف أصْلنا، أمَّا هذه فخلقها الله لنا؛ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٩] (...). وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، ﴿وَلَدًا﴾ بمعنى: مولودًا، وكلمة ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ أعمُّ من قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص ٣]، لكن مع ذلك نفى الله عن نفسه اتِّخاذ الولد والولادة، فهو سبحانه وتعالى لم يلد ولم يتَّخذ ولدًا من عباده، وفي هذا إبطالٌ لقول مَن؟ * طالب: النصارى. * الشيخ: لقول النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، ولقول اليهود الذين قالوا: عُزَير ابن الله، وللمشركين الذين قالوا: الملائكة بنات الله؛ فالله سبحانه وتعالى ما ولد شيئًا، ولم يتَّخذ أحدًا من خلْقه ولدًا؛ ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾. طيب، ذكرنا فيما سبق أنَّ الله تعالى إذا نَفَى عن نفسه الصفةَ فليس المراد بذلك نَفْي الصفة فقط، بل نَفْي الصفة وإثبات كمال ضدِّها، فما هو الضدُّ هنا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، كمال قُدرته وغِناه، وأنَّه غير محتاجٍ إلى الولد لكمال غِناه عن غيره، ما يحتاج للولد واتِّخاذ الولد إلَّا مَن كان محتاجًا له، أمَّا مَن كان غنيًّا عنه قادرًا على ما يريد فهذا لا يتَّخذ ولدًا. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ نعم، الله سبحانه وتعالى ليس له شريكٌ في الملْك، ما شاركه أحدٌ، لا أحد مِن الملائكة، ولا أحد من الأنبياء، ولا أحد ممن دونهم، الْمُلْك لله وحده لا شريك له فيه. وفي هذا إبطالٌ للذين أشركوا بالله في الربوبية؛ مثل الذين يقولون: إنَّ بعض الأولياء يتصرَّفون في الكون. هؤلاء لا شك أنهم خاطئون وأنهم كاذبون أيضًا؛ فهُم خاطئون في عقيدتهم، كاذبون فيما أخبروا به؛ فالله سبحانه وتعالى ليس له شريكٌ في مُلكه. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ إذا قال قائل: ألَسْنا نملك بيوتنا ونملك ثيابنا ونملك مواشينا؟ فهل هذا يقتضي أن يكون لله شريك؟ الجواب: لا؛ لأن ملْكنا لهذه الأشياء ليس ملكًا مطْلقًا، صحيح أنا مالكٌ لبيتي ومالكٌ لثوبي ومالكٌ لسيارتي ومالكٌ لماشيتي، لكن ملْكي لهذه الأشياء ليس ملْكًا مطْلقًا؛ بدليل أنَّني مقيَّد بالشرع في التصرف في هذه الأشياء؛ هل أملك مثلًا أن أقوم عليها فأحرقها ولَّا ما أملك؟ * طالب: حرام. * الشيخ: لا أملك، حرام عليَّ ذلك، لا أملك مثلًا أن أشقَّ على الحيوان في الحمل والركوب وغير ذلك؛ إذَنْ فكَوْني مالكًا (...) أكون شريكًا لله تعالى في ملْكه؛ لأن ملكي هذا مقيَّد بحسب إذْن الشارع لي، لا أتصرَّف فيه إلا بما أَذِن الله سبحانه وتعالى. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يقول الشارح: (مِن شأنه أن يُخلَق). ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تفيد العموم، لكن الشارح قيَّدها بقوله: (مِن شأنه أن يُخلَق)، ليش قيَّدها بقوله: (مِن شأنه أن يُخلَق)؟ * طالب: لكي لا يدخل القرآن. * الشيخ: نعم، لكي لا يدخل القرآن أو نفسه مثلًا، لو قال الإنسان: هل خَلَق الله نفسَه؟ لأنَّ هذا مستحيل، مستحيلٌ أنْ يخلق نفسَه، لكنه مع ذلك يقول: (مِن شأنه أن يُخلَق)، أمَّا ما ليس من شأنه أن يُخلَق كذات الله وصفات الله فهذا ليس داخلًا من الأصل؛ لأن الله تعالى خالقٌ، والخالق غير المخلوق، وصفات الخالق ليست مخلوقة؛ لأنَّ الصفة تابعةٌ للذات، ولهذا كأن المؤلف لَمَّا يقول: (مِن شأنه أن يُخلَق) ينبِّهك لتَرُدَّ بهذه الكلمة على مَن قالوا: إنَّ القرآن مخلوقٌ، فتقول: القرآن ليس من شأنه أن يُخلَق؛ لأنه من صفات الله سبحانه وتعالى، وصفات الله تعالى غير مخلوقة. ولكنَّه ينبغي ألَّا نقيِّد الآية بهذا، نقول: هو خَلَق كلَّ شيء. والخالق يمكن أن يكون هو المخلوق ولَّا غير المخلوق؟ لا يمكن، فإذا كان لا يمكن دلَّ ذلك على أنَّ الله تعالى غير مخلوق، وعلى أنَّ صفاته أيضًا غير مخلوقة؛ لأنَّ الصفة تابعةٌ للموصوف، وحينئذٍ لا يحتاج أن نقول: من شأنه أن يُخلق؛ لأنَّنا إذا قلنا: من شأنه أن يُخلَق، قيَّدْنا الآية الكريمة. ويمكن أن يحتجَّ علينا الذي يقول بخلق القرآن فيقول: مَن قال لك أنَّ الآية مقيدةٌ بهذا؟ فنحن نقول: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ على سبيل الإطلاق وعلى سبيل العموم، وهذا لا يقتضي أن يكون القرآنُ مخلوقًا؛ لأنَّ الخالق غير المخلوق، والقرآن من صفات الله، وصفات الخالق قطعًا غير مخلوقة؛ لأنَّ الصفات تابعةٌ للذات. إذَن الآن لو احتجَّ علينا المعتزلة والجهمية الذين يقولون: إنَّ القرآن مخلوق، فبماذا نُجيبهم؟ نُجيبهم بأحد وجهين: الوجه الأول: ما أشار إليه المؤلف وهو أن يُقال: إنَّ هذا من باب العامِّ المراد به الخاص؛ يعني كلَّ شيءٍ مِن شأنه أن يُخلق، هذا وجه، وبهذا أجاب كثيرٌ من السلف وقالوا: إذا قال قائل: إنَّ القرآن مخلوقٌ، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فقُل له: إنَّ الله قال عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، ومع ذلك هي ما دمَّرت السماء ولا الأرض ولا المساكن؛ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]. والبعض الآخر من العلماء يقول: لا، الآية على عمومها، والقرآن غير داخلٍ إطلاقًا حتى نحتاج إلى إخراجه؛ لماذا؟ لأنَّه إذا كان خالقًا فالخالق غير المخلوق، والقرآن كلام الله، وكلام الله من صفاته، وصفات الخالق غير مخلوقة؛ لأن الصفة تابعةٌ لأيِّ شيءٍ؟ للموصوف. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ الفاء ويش تدلُّ عليه؟ تدلُّ على الترتيب. و(قدَّره) بمعنى صوَّره؛ لأنَّ الخلْق قد يوجد لكنْ بدون تسوية، فالله تعالى خَلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره؛ أي: سوَّاه. والدليل على أنَّ التقدير هنا بمعنى التسوية قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى ٢]، وعلى هذا فالترتيب في قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ﴾ الترتيب حسب الواقع، الترتيب واقعي؛ لأنَّ التسوية تكون بعد الخلْق؛ أنت عندما توجِد بناءً أوَّلًا توجِد الهيكلَ ثم تُدخل التعديلات والتسويات، هكذا الله سبحانه وتعالى خَلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره؛ أي: سوَّاهُ تسويةً مناسبةً لِمَا خُلِق له. وقال بعضهم: إنَّ معنى ﴿قَدَّرَهُ﴾ أي: قضاه، فتدلُّ الآية على القضاء والخلْق. وعلى هذا القول الذي يجعل التقدير بمعنى القضاء يكون في الآية ترتيب غير واقعي؛ والسبب: لأنَّ التقدير بمعنى القضاء سابقٌ للخلْق، ولَّا لا؟ لأنَّ الله يقضي أولًا ثم يخلق ثانيًا. ولكن أيُّهما الأفضل؟ الأفضل أن الترتيب يكون واقعيًّا وأن الخلْق قبل التقدير، ويدلُّ على ذلك أيضًا الآية الكريمة: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾، فكَوْنه يقول: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ فإن القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا، ونجعل التقدير هنا بمعنى التسوية. وكونه يأتي الترتيب على خلاف الواقع، هذا وإن جاء في اللغة العربية لكنَّه خلاف المعهود، وإلَّا فقد قيل: إنَّ مَن تاب ثم تاب أبوه ثم تاب مِن بعد ذلك جدُّه، فـ(...) الجد هي الأولى، وهي في الترتيب هنا هي الأخيرة، ولكن الأقرب والأَوْلى ما مشى عليه المؤلف وأنَّ التقدير هنا بمعنى التسوية؛ لأنَّ كلام الله تعالى يفسِّر بعضُه بعضًا (...).